المنتدى الاقتصادي العالمي يسعى إلى تقديم نسخة أفضل من الرأسمالية

كتب كلاوس شواب مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي والرئيس التنفيذي له أول بيان في عام 1973 ، والذي تم وصفه باعتباره مدونة لقواعد السلوك لقادة الأعمال. Keystone / Valentin Flauraud
جيسيكا دافيس بلوس جيسيكا دافيس بلوس

بعد مرور نصف قرن على الاجتماع الأول للنُخبة العالمية من رجال السياسة والأعمال في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، تُواصل هذه المؤسسة الدولية تَشجيع هؤلاء على الاجتماع والتَحَدُّث معاً. لكن، ومع نزول المَزيد من المحتجين إلى الشوارع للمطالبة باتخاذ إجراءات ملموسة في أكثر من قضية، يحاول منظمو المنتدى القائم على العضوية إظهار قدرته على الذهاب إلى ما هو أبعد من الشعارات الطنانة. 

في عام 1973، كان العالم مُقسماً وفقاً للخطوط الإيديولوجية للحرب الباردة عندما خرج البروفيسور كلاوس شفاب رئيس ومؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي ببيان يدعو فيه الشركات العالمية إلى ضرورة الإهتمام بما هو أكثر من بيانات الأرباح والخسائر. وقد كانت هذه فكرة رائدة في وقتٍ كان فيه المراهقون في العديد من البلدان يحتجون على الحروب وليس من أجل حماية المناخ كما يحدث اليوم. 

قبل ذلك بثلاث سنوات، وفي العام الأول لتأسيس المنتدى، كان ميلتون فريدمان، عالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل قد خرج بنظريته التي كثرت الإشارة إليها، والتي ترى أن المسؤولية الاجتماعية الوحيدة التي تقع على عاتق الشركات هي زيادة أرباحها إلى أقصى حدٍ ممكن. وقد سادت هذه النظرية في العقود اللاحقة، بينما تراجع إعلان شفاب إلى المرتبة الثانية مع إيلاء قطاع الأعمال الأولوية المطلقة للمساهمين. 

وكما قال شفاب مستذكراً خلال مؤتمر صحفي عُقِدَ منتصف شهر يناير الجاري، فقد "كان تحويل المفهوم إلى فكرة سائدة معركة فعلية". 

ومع استقبال مدينة دافوس لنُخبة من رجال الأعمال والسياسيين والأكاديميين للمرّة الخمسين، يَسعى المنتدى الاقتصادي العالمي لإحياء بيان شفاب الأصلي، وإعادة لغة رأسمالية أصحاب المصلحة، وتذكير الجمهور بشعار المنتدى: ‘أنشطة منظمي الاعمال فى خدمة المصالح العامة العالمية’.

العصا والجزرة

يأتي بيان دافوس لعام 2020 في وقت تزداد فيه المخاوف في قطاع الأعمال، مع خروج آلاف الناشطين إلى الشوارع لمكافحة تَغَيُّر المناخ، وسَعي السياسيين إلى كَبح جماح الشركات في جميع المجالات، إبتداء من أسعار الأدوية وحتى حماية البيانات. 

الشركات من جانبها تستجيب. وعلى سبيل المثال، تَصَدَّرت منظمة صناعية تضم عدداً من كبار المُدراء التنفيذيين في الولايات المتحدة عناوين الصُحُف في العام الماضي عندما وقَّع أكثر من 180 من أعضائها على بيان يُعيد تعريف الغرض من إنشاء شركة ما لتشمل مصالح شريحة أوسع من أصحاب المصلحة. لكن البيان كان رَجعياً أكثر منه تقدمياً في وقت تتعرض فيه الشركات لضغوط متزايدة من الموظفين والمُوَردين والمُجتمعات المحلية. 

من جانبه، تساءل أوليفر كلاسّن من منظمة Public Eye (عين الجمهور) السويسرية غير الحكومية، التي كانت من أبرز مُنَظمي الاحتجاجات ضد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس على مَرّ السنين، عن الدوافع وراء بعض البيانات الصادرة عن الشركات والمنتدى.  

"لم يسبق للشركات أن تعرضت إلى ضغوط كتلك التي تواجهها اليوم"، كما أخبر swissinfo.ch، مشيراً إلى حرائق الغابات الهائلة التي تجتاح مناطق كبيرة في أستراليا منذ أسابيع. واليوم، تجد العديد من الشركات - ولا سيما تلك العاملة في صناعة النفط والغاز - نفسها محاصرة لاتخاذ المزيد من الإجراءات فيما يتعلق بتغير المناخ قبل أن تكون الكلمة الفصل للقواعد التنظيمية. 

هذه الضغوط الجماهيرية تُلاحَظ في سويسرا أيضاً، حيث كان تراخي النُظُم السويسرية نُقطة جَذبٍ رئيسية للشركات لمُمارسة الأعمال على أراضيها. وفيما يخص هذا الموضوع، يُتَوَقَّع قيام البرلمان السويسري بمناقشة مبادرة "الأعمال المسؤولة" في الأشهر القليلة المقبلة، التي تنص على إلزام الشركات بتحمل مسؤوليتها في مجال حقوق الإنسان والانتهاكات البيئية في الخارج. 

فريدريك دالساس، الأستاذ في المعهد الدولي للتطوير الإداري (IMD) في لوزان يتفق مع هذا الرأي "لديك العصا والجزرة. هناك سباق قائم اليوم. فهل سَتُراجع الشركات سياساتها بالسرعة الكافية قبل تدخل الحكومات"؟ 

الخضوع لمطالب المستهلكين 

وفقاً لـ تقرير نشرته صحيفة فاينانشال تايمز، أقدمت أكثر من نصف الشركات الأمريكية الكبرى على التوقيع على خطابات تدعم "الهدف"؛ حتى أن بعض أكثر الشركات المَذمومة من قبل المنظمات غير الحكومية قامت بتغيير أطرها التنظيمية. 

واليوم، تقول شركة غلينكور (Glencore) العملاقة لتجارة السلع التي تتخذ من سويسرا مقراً لها أن مهمتها هي "التوريد المسؤول لمصادر السلع اليومية" وهذا يختلف عما جاء في عام 2015، عندما وصفت نفسها فقط بـ "مُنتِج ومُسوقٍ عالمي للسلع الأساسية".  

لكن استعداد الشركات للتغيير قد يبلغ حدوده القصوى عندما تتعرض أنشطتها الأساسية للتشكيك. ومؤخراً، أصبحت شركة ‘سيمنس’ الصناعية الألمانية هدفاً لنُشطاء المناخ بمن فيهم الناشطة البيئية الشابة غريتا تونبرغ، بسبب تمسكها بمشروعٍ لاستخراج الفحم فى منطقة الغابات الأسترالية، في الوقت الذي تشهد فيه البلاد حرائق هائلة أتَت على مساحات شاسعة من الأراضي تزيد عن مساحة سويسرا بعدة أضعاف. 

لكن الشركة قررت المضي قدماً في المشروع رغم ضغوط النشطاء. وبَرَّر الرئيس التنفيذي للشركة جو كايزَر هذا القرار بأن قال: "في الوقت الذي أتعاطف فيه مع القضايا البيئية، لكنني بحاجة إلى موازنة المصالح المختلفة لأصحاب المصلحة المُختلفين". 

هذا يقود أشخاصاً مثل كريستي هوفمان، الأمينة العامة للاتحاد الدولي للشبكات النقابية (UNI) للمجيء إلى دافوس مع جرعة لا بأس بها من الشك. وكما قالت لـswissinfo.ch :"لا يكفي ان نقول بإننا نريد أن نجعل العالم مكانا أفضل". 

"إذا كانت رأسمالية أصحاب المصلحة ستصبح شيئاً جديداً حقاً وليس مجرد نَثْرٍ للأفعال الصالحة، فسوف يتعين عليها أن تمثل تحولاً أساسياً في السلطة لصالح فئة من الأشخاص - مثل العمال". 

هناك العديد من الأمثلة على شركات اتخذت مُنعطفاً مُعاكساً فيما يخص منتجاتها أو مشاريعها بسبب عدم توافقها مع قيمها وأخلاقياتها، أو طورَت حلولاً لمواجهة التحديات العالمية المُلحة. ومهما كانت دوافعها للقيم بذلك، فإنها لم تكن موجودة في السبعينيات. 

ما هو أكثر فعالية من اللوائح التنظيمية، أو المساهمين أو حتى النشطاء، هم المستهلكون المُجَهَزون بالأدوات الرقمية، بَحسب دالساس. "عندما ظَهَرت كبسولات قهوة ‘نيسبرسو’ للمرة الأولى، لم يكن هناك أي انشغال بموضوع الاستدامة، لكن نستله اضطرت إلى تغيير أسلوب عملها بسبب مُطالبة المستهلكين بذلك".

مواجهة الواقع 

ما يثير قلق كلاسّن من منظمة ‘عين الجمهور’ أيضاً هو أن يكون كُل ما يقال استراتيجية للإلهاء عن الحاجة الماسة للمُساءلة. "الأمر أشبه بِوَصْف مُشعلي الحرائق أنفسهم برجال الإطفاء. الشركات تقدم نفسها كالطرف الذي يحل المشاكل، في حين أنها هي من يتسبب بها في الواقع". 

وبالنسبة له، تُجَسِّد اتفاقية الشراكة التي أُبرِمَت بين المنتدى الاقتصادي العالمي والأمم المتحدة في العام الماضي المشكلة بشكل مُصغر. وبرأيه، فإنها تجعل كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركات يسيطرون على وكالات الأمم المتحدة وبرامجها. وكما يقول: "هذا هو المثال الأشد إثارة للغضب لهيمنة الشركات على الحوكمة العالمية". 

بعد الاعلان عنها مُباشرة، تعرضت الاتفاقية إلى انتقادات شديدة من قبل عدد كبير من منظمات المجتمع المدني. وقامت أكثر من 250 منظمة بالتوقيع على خطاب يُطالب الأمم المتحدة بإلغاء هذه الصفقة. ووفقاً لهذه الجماعات تمثل هذه الشراكة شكلًا من أشكال هيمنة الشركات سيقوض بدرجة خطيرة ولاية الأمم المتحدة، فضلًا عن استقلالية الهيئة المتعددة الأطراف وحيادها وفعاليتها لا سيما لناحية حماية حقوق الإنسان وتعزيزها. 

وفي نفس السياق، واجهت وكالات الأمم المتحدة انتقادات بسبب صفقات شراكة مع قطاعات الأعمال التجارية، بما في ذلك تلقي منظمة العمل الدولية للأموال من قطاع صناعة التبغ. 

شفاب من جانبه يجادل بأن المشاكل على درجة عالية من التعقيد بحيث لا يمكن حلها من قبل قطاع أو طرف فاعل بمفرده. وكما قال رئيس ومؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي لصحيفة ‘فاينانشيال تايمز’ البريطانية: "لا يمكن حل التحديات الكبيرة - سواء تعلقت بالبيئة أو بالفقر - عن طريق الحكومات أوقطاع الأعمال أو المجتمع المدني وحدهما". 

دالساس يوافق على أن تهميش الشركات لا يقدم حلاً. "عليك أن تواجه الواقع. لدينا اليوم شركات تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات، وهذا يفوق الناتج المحلي الإجمالي للعديد من البلدان. على الأمم المتحدة أن تتعلم كيفية التحدث مع هذه الشركات إذا كنا سنحل المشاكل". وكما يجادل بأنه لا يوجد بلد يعرف هذا أفضل من سويسرا، التي تستضيف العديد من الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات الدولية. "إنها الطريقة السويسرية للبحث عن حلول توافقية والعمل على إنهاء المشاكل"، على حد قوله.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة