تحقيق التوازن بين الأمل والعلم في البحث عن علاج لفيروس كورونا

أدرجت الجمعية السويسرية للأمراض المعدية هيدروكسي كلوروكوين كواحد من العلاجات التي يجب أخذها في الاعتبار عند معالجة مرضى كوفيد-19 في المستشفيات. Keystone / Xu Congjun
هذا المحتوى تم نشره يوم 11 أبريل 2020 - 11:00 يوليو,
جيسيكا دافيس بلوس جيسيكا دافيس بلوس

يجسد الجدل الذي يحيط بالعقار المضاد للملاريا "هيدروكسي كلوروكين" التحديات التي تواجهها الشركات في تحقيق التوازن بين رغبات السياسيين في إعطاء الأمل للمرضى من ناحية والحقائق العلمية من ناحية أخرى. 

أخبر فاس ناراسيمهان الرئيس التنفيذي لشركة "نوفارتيس"Novartis مؤخراً، صحيفة "زونتاغس تسايتونغ" SonntagsZeitung أن الشركة تعمل على نفقتها الخاصة، لتقديم عقار مكافحة الملاريا هيدروكسي كلوروكين، كأفضل خيار يعطي الأمل في التغلّب على فيروس كوفيد-19.

 يقول ناراسيمهان: "أظهرت الدراسات السابقة التي أجريت على مرضى الحيوانات وكذلك البيانات الأوليّة من الدراسات السريرية للمرضى من البشر أن هيدروكسي كلوروكين يقتل فيروس كورونا ".

 ونظراً لأن قسم "ساندوز" Sandoz في نوفارتيس هو واحد من أكبر صانعي الدواء، فقد أحدث البيان بعض الضجة وسط بحث جنوني دؤوب عن علاج للفيروس الذي أصاب أكثر من مليون ونصف شخص في جميع أنحاء العالم.

 وتجد شركة الأدوية الكبرى نفسها تسير على الخط الرفيع الفاصل بين إعطاء الأمل وضمان السلامة، مع إدراكها بأنه في الظروف الطبيعية، يتطلب من الشركات إجراء اختبارات علمية أكثر دقة وصرامة، قبل طرح أي منتج علاجي في الأسواق.

 ولكننا اليوم لا نعيش في ظروف طبيعية؛ فمع نفاذ الخيارات المتاحة للمرضى، يتجه بعض الأطباء إلى هيدروكسي كلوروكين وإلى عقار مشابه، هو الكلوروكين، ويفيدون عن حصولهم على بعض النتائج الأوليّة الإيجابية من جراء استخدام هذه الأدوية. وقد حدت هذه النتائج بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب الى القيام بتصريحات حماسية لاستخدام هذه الأدوية، مما وضع بعض علماء الأوبئة، في وضع محرج. وفيما منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) تفويضاً باستخدام هذا الدواء في حالات الطوارئ لمرضى فيروس كوفيد-19، تبقى السلطات الأوروبية أكثر حذراً في الحث على استخدامه.

 من جهتها، أدرجت الجمعية السويسرية للأمراض المعدية دواء هيدروكسي كلوروكين كواحد من الأدوية المضادة للفيروسات التي يوصى بأخذها بعين الاعتبار، في علاج مرضى كوفيد-19 الذين أدخلوا إلى المستشفيات. ومهد ذلك الطريق أمام نوفارتيس لجعل سويسرا ثاني بلد، بعد الولايات المتحدة، لتلقي جزء من 130 مليون جرعة تعهدت شركتها الفرعية ساندوز بالتبرع بها، كمساهمة في مكافحة فيروس الكورونا. كما أعلنت شركة أخرى مقرها سويسرا، وهي شركة "ميفا" Mepha، والتي تُعتبر فرع الأدوية البديلة لشركة "تيفا" Teva للأدوية، يوم الجمعة الماضي عن التبرع بـ 90.000 جرعة  للمستشفيات السويسرية من أجل "مرضى المستشفيات المصابين بالفيروس، ممن هم في حالة حرجة".

الأمور تقاس بخواتيمها

هيدروكسي كلوروكين (إلى جانب الكلوروكين) هو واحد من أربعة أدوية تجري دراستها من خلال حملة التضامن في التجارب السريرية التي تنظمها منظمة الصحة العالمية. وتتمثل إحدى المزايا الرئيسية للدواء في أنه رخيص ويمكن الحصول عليه بسهولة. وقد تمت الموافقة على استخدام دواء هيدروكسي كلوروكين من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في عام 1955، وكان قد جرى استخدامه لعلاج الملاريا وأمراض المناعة الذاتية مثل الذئبة والتهاب المفاصل الروماتزمي. إلا أن المشكلة تكمن في أن بيانات دلائل فوائد استخدامه ضد كوفيد-19 لا تزال غير مكتملة.

ويقول متحدث باسم نوفارتيس لموقع swissinfo.ch إنه "على الرغم من عدم وجود علاج معتمد لـ كوفيد-19 اليوم، فإن هيدروكسي كلوروكين قد أعطى أملاً في مكافحة الفيروس من خلال الدراسات الأوليّة في المختبر"، مستشهداً بدراسة أجريت خارج الصين في أوائل فبراير. لكن نجاح النتائج التي حققها الدواء على عيّنة صغيرة، لا يعني بالضرورة نجاح استخدامه على سائر البشر، وذلك على ضوء تجربة الباحثين عندما اختبروا الكلوروكين ضد انتشار وباء السارس SARS بين عامي 2002-2003، وضد الفيروسات الأخرى مثل حمى الضنك.

وتظهر الحماسة والأمل الكبيران في استخدام هذا الدواء نتيجة لبعض الدراسات المحدودة وكذلك بعض الأدلة المتناقلة وغير المؤكدة من قبل الأطباء والمرضى. وقد بدأ إجراء دراسات سريرية بسيطة، بعضها مع مجموعة مراقبة عشوائية، خاصة في فرنسا والصين، جاءت نتائجها متباينة في سرعة تعافي المرضى وكيفية تطوّر المرض.

 يقول ديفيد ريدي، الرئيس التنفيذي لشركة أدوية مكافحة الملاريا، وهي مؤسسة بحثية مقرها جنيف، قامت حتى الآن بتطوير 10 أدوية مضادة للملاريا، إنه لا يزال هناك الكثير مما نجهله. ويصرّح ريدي لـ swissinfo.ch قائلاً: "لا تزال لدينا أسئلة، لا نملك الإجابات عنها في الوقت الحالي، حول فعالية الدواء ضد الفيروس". 

محتويات خارجية

ويضيف ريدي، وهو أيضاً الرئيس السابق لفريق العمل المعني بوباء الأنفلونزا التابع لشركة الأدوية السويسرية "روش"Roche: "إن السلوك الذي يحكم تصرّفات الناس هو سلوك براغماتي. ما زلنا بحاجة إلى أن نختبر ونتأكد قبل اتخاذ أي قرار ونحن نمضي قدماً في هذا الاتجاه، لأن اللوحة أمامنا لم تكتمل بعد. "

والجدير بالذكر، أن بعض المستشفيات السويسرية التابعة للمستشفى الجامعي في جنيف قد بدأت باستخدام هيدروكسي كلوروكين في علاج بعض المرضى المصابين بالفيروس.

 الغرب الأمريكي

يحمل الكلوروكين مخاطر معروفة، خاصة لأي شخص يعاني من أمراض في القلب. وما يقلق ريدي أكثر من أي شيء آخر، هو توجّه "الغرب الأمريكي" إلى استخدام هذا الدواء من دون تصريح ودون وجود أي دليل علمي على خضوعه لمعايير الأمان والسلامة، أو على فعاليته ضد فيروس كوفيد-19.  "من المهم أن نتوصل إلى تحديد الجرعة الممكن تناولها بحيث يكون الدواء فعالاً وآمناً، والتي تقلل من فرصة مقاومة الجسم له" على حد قوله.

والجدير بالذكر هنا، أن مقاومة الجسم للكلوروكين أدت إلى تضاؤل استخدامات هذا الدواء في علاج بعض أنواع الملاريا مثل المتصورة المنجلية؛ ولكنه ما يزال دواءً حيوياً وأساسيّاً في علاج المتصورة النشيطة والمتصورة البيضوية وفي الوقاية من الملاريا.

وهناك تداعيات حادة أخرى، ناجمة عن استخدام هذا الدواء تثير قلق ريدي. فقد أفادت التقارير عن وجود مرضى يعالجون أنفسهم بأنفسهم، وحالات تناول جرعات زائدة من هذا الدواء، وظهور علب مقلّدة منه في بعض الأماكن.

وهناك بالفعل تقارير تفيد عن تزايد الطلب على هذا الدواء من قبل القيّمين على المستشفيات، وقيام الأطباء بتكديس كميات منه، مما يؤدي إلى عجز في توفّره للمرضى الذين يتناولونه بشكل منتظم.

وفي سويسرا، أبلغت رابطات كل من الطواقم الطبية المعنية بمعالجة داء الذئبة، وتلك المعنية بمعالجة التهاب المفاصل الروماتزمي، وهي بعض أمراض المناعة الذاتية، عن وجود عوائق وصعوبات في توريد "البلاكونيل"Plaquenil وهو اسم العلامة التجارية لدواء الهيدروكسي كلوروكين. وتفيد هذه الرابطات أن العمل جارٍ مع الخدمات الطبية في الكانتونات لضمان الحصول على إمداد كافٍ من الدواء.

ويحذر ريدي من أن الدواء لا يعدو كونه وصفة طبية يتوجّب استخدامها تحت إشراف طبي، حتى ولو كانت النتائج الأولية واعدة. أما العلاج الذاتي بالكلوروكين فإن الضرر الذي يمكن أن يلحقه بالمريض أكبر من منفعته. وبالإضافة إلى ذلك، فهناك مرضى يتناولون هذه الأدوية كل يوم لعلاج أمراض المناعة الذاتية المزمنة مثل الذئبة أو التهاب المفاصل الروماتزمي، "ومن غير اللائق ألا يكون هذا الدواء الحيوي في متناول المرضى الذين هم بأمس الحاجة إليه"، على حد قوله.

 عملية موازنة

ويشكل الدواء أيضاً تحديات عملية أكبر لشركات مثل نوفارتيس، منها القدرة على التصنيع. فكما هو الحال مع إنتاج العديد من الأدوية الأخرى، كالمضادات الحيوية، انتقل التصنيع إلى بلاد أقل كلفة مثل الهند، التي أعلنت مؤخراً عن قيود خارجية على تصدير هيدروكسي كلوروكين.

ويتركز إنتاج المكونات الصيدلانية الفعالة (API) بشكل كبير بين مجموعة صغيرة جدًا من الموردين في آسيا، خاصةً للكلوروكين. وأي خلل في عملية الإنتاج يمكن أن يؤدي إلى أزمة في الحصول على منتج الدواء النهائي.

ويذكر متحدث باسم نوفارتيس لـ swissinfo.ch الأسبوع الماضي، أن الشركة تقوم الآن بتصنيع هيدروكسي كلوروكين في الولايات المتحدة، وأنها تعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع لزيادة الطاقة الإنتاجية. ويقول: "نحن أيضا نستكشف المزيد من التوسع في القدرات لزيادة العرض إذا أثبت الدواء فعاليته."

ويضيف أن الشركة لديها ما يكفي من المكونات الصيدلانية الفعالة (API) ، والتي تستمدها من جهة خارجية، لإنتاج 130 مليون جرعة تعتزم التبرع بها كلها. ويؤكد أن الشركة تحترم التزاماتها بالطلبات التجارية الحالية في الولايات المتحدة، ولكنها لا تقبل الطلبات التجارية الجديدة؛ فجميع الكميات المتبقية مخصصة للتبرع.

وتخاطر بعض الشركات بزيادة الإنتاج دون وجود دليل واضح على فعالية الدواء. أما خارج الولايات المتحدة، فإن هذا الدواء يقدم للجهات المعنية مجاناً من خلال التبرعات. ومنذ يوم الاثنين المنصرم، قامت شركة نوفارتيس بتقديم طلبات موافقة إلى السلطات المختصة في حوالي عشر دول أوروبية.

وكانت الشركة قد ألغت مؤخراً صفقة لبيع قسم الأدوية البديلة التابع لها في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تشمل هيدروكسي كلوروكين، وذلك في خضم زيادة الاستثمارات في الأدوية المبتكرة والأكثر ربحية.

لكن عملية التوازن الحقيقية للشركات بين الأبحاث العلمية والسياسات الحكومية تتمثل في طريقة تواصلها مع الحكومات؛ فالحكومات في حاجة ماسة للعثور على علاج سحري، وأي تلميح من شركات الأدوية بأنها قد توصلت إلى علاج ما سيجعل الحكومات تنقض على هذا العلاج حفاظاً على صورتها، دون التأكد علمياً من فعاليته وعدم تسببه بعوارض جانبية للمرضى. يقول ريدي إن الشركات تعرف أن لها دوراً كبيراً ومسؤولية مهمة في القضاء على هذا الوباء. وأن "أكبر عدو الآن هو الحماسة المتسرعة والمبالغ فيها".


تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة