Navigation

شركة كريبتو: رواية جاسوسية مثيرة من زمن الحرب الباردة

في الصورة، أول جهاز صنعته شركة كريبتو (Crypto AG) في سويسرا، وطرحته في السوق في عام 1952. كان هذه الجهاز جيداً لدرجة أن جهاز المخابرات الأمريكية أعدّ كتيباً إرشادياً خاصاً لمنح بعض العملاء رموزًا سهلة الكسر. Dominik Landwehr

لعقود طويلة ظلت شركة كريبتو السويسرية تنتج أجهزة تشفير تم تقليل كفاءتها عمداً. وقد استطاعت وكالة الاستخبارات الأمريكية وجهاز المخابرات الألمانية عن طريقها التجسس على نصف العالم. وفي فبراير 2020 فقط، أميط اللثام عن هذه الرواية الجاسوسية المثيرة؛ أما التقرير الرسمي حول هذه القضية فقد صدر قبل عدة أسابيع.

هذا المحتوى تم نشره يوم 21 ديسمبر 2020 - 11:00 يوليو,
دومينيك لاندفير

في الثالث عشر من مايو 1952 أسس السويدي بوريس هاغلين شركة كريبتو. وكان أول مقر للشركة مجرد شاليه يملكه مؤسسها في مدينة تسوغ السويسرية. وبينما كانت السكرتيرة تعمل في غرفة المعيشة، استخدم الفنيون مرآب السيارة لتركيب الأجهزة. إلا أن شركة كريبتو لم تكن شركة ناشئة بالمعنى الحديث: حيث وصل هاغلين قبل ذلك بأربع سنوات إلى سويسرا حاملاً في جعبته الكثير ـ لقد كان لديه المعرفة العلمية والعلاقات، وفي المقام الأول كان لديه شركة ناجحة في السويد: وهي شركة أ.ب. كريبتوتكنيك.

أجهزة هاغلين والولايات المتحدة الأمريكية

بدأت القصة قبل الحرب العالمية الثانية باختراع هاغلين لأجهزة تشفير بحجم علبة الخبز، وقد جعلها ذلك تصلح للاستخدام في ميدان المعركة: وكانت تحمل اسم "M-209". وقد اشترتها الولايات المتحدة ومن ثّمَّ قامت بإنتاج 140000 قطعة منها بتصريح من الشركة الأصلية. إلا أن الأمر تطلب إجراء مشاورات مكثفة مع المخترع: لذلك وبعد احتلال كل من النرويج والدانمارك من قِبل القوات النازية، فقد قرر السويدي هاغلين عام 1940 الانتقال للعيش في الولايات المتحدة الأمريكية.

وهناك تعاون مع المشفر ويليام إف فريدمان، والذي ساهم في تأسيس خدمة الاستخبارات الرمزية (لفك التشفير)، وهي السابقة على وكالة الأمن القومي الأمريكية. وقد أصبح كلا الرجلين صديقين مقربين، كما قام فريدمان بزيارة هاغلين في سويسرا بعد الحرب كذلك. وفي عام 1944 عاد هاغلين إلى السويد، إلا أنه سرعان ما هاجر عام 1948 إلى سويسرا.

وكان أحد أسباب هذه الهجرة هو موقف سويسرا أثناء الحرب الباردة: فصحيح أن السويد كانت كسويسرا بلداً محايداً، إلا أن الحياد كان يطبق هناك بصورة أكثر تشدداً. حيث فرضت السويد بعد الحرب قيوداً على تصدير أجهزت التشفير، لإنها كانت تعتبرها نوعاً من السلاح. أما سويسرا فقد تعمدت إبقاء مصطلح الحياد فضفاضاً، بحيث لا تجد القوى المختلفة في صراعها الممنهج سوى أقل مجالٍ ممكن لمهاجمتها. كما أنها عَرَّفت سياسة الحياد وما ينتج عنها من التزامات في أدنى الحدود، حتى تتفادى أي مجال للانتقاد. وقد رأى هاغلين أنها بذلك أكثر ملائمة لمشروعه، حتى وإن كانت سويسرا تخضع للقيود التي فرضها حلف الناتو على التصدير.

وفي انطلاقته الجديدة بسويسرا، احتاج هاغلين إلى المال؛ مما دعا وليام إف فريدمان إلى مساعدته في البحث عن ممولين. لكنها لم تكن خدمة بلا مقابل من صديق: بل أصبح هاغلين في المقابل ملتزماً بمراعاة المصالح الأمريكية في أجهزته مستقبلاً. وقد حصل هاغلين إزاء التزامه هذا على ضمان، بألا تفرض الولايات المتحدة عليه المزيد من قيود التصدير.

أما أول جهاز انتجه هاغلين في سويسرا، فقد أذهل الأمريكيين: إذ كان جيد أكثر من اللازم. وكي يتمكن المرء من فك شفرات الرسائل المشفرة به، كان على شركة كريبتو انتاج كتيباً إرشادياً خاصاً، والذي ينصح بتعمد إجراء بعض التضبيطات التي يسهل فكها. لكن شركائه الأمريكان أظهروا نيتهم الحقيقية: فقد كانوا يريدون التمكن من قراءة الرسائل ـ حتى التي تشفرها الدول الأخرى.

بهذا بدأ هاغلين في انتاج أجهزة ذات لوغاريتمات مشفرة بصورة جيدة لكل من سويسرا والسويد ودول حلف الناتو، وأخرى سهلة الحل لباقي الدول، خاصة الدول العربية. بهذا أصبح من السهل على جهاز المخابرات الأمريكية التعرف على الرسائل المشفرة المرسلة عبر جهاز الراديو.

جهاز التشفير (CD52) موجود اليوم في مستودع المتحف الوطني السويسري. Dominik Landwehr

وحينما تخلى مؤسس الشركة بوريس هاغلين عام 1970 عن شركته، قامت وكالة الاستخبارات الأمريكية بالاشتراك مع جهاز المخابرات الألمانية بشرائها ـ وكان هذا عن طريق وسطاء وبمبلغ 8،5 مليون دولار فقط، وبما يعادل اليوم حوالي 35 مليون فرنكاً سويسرياً. بهذا أصبح في مقدور جهازي الاستخبارات إعطاء تعليماتهما للمطورين مباشرةً.

وكانت العملية التي عرفت باسم "عملية مينرفا" واحدة من أكبر عمليات الاستخبارات منذ الحرب العالمية الثانية. حيث أصبح في إمكان الوكلاء الألمان والأمريكيين قراءة الرسائل السرية الخاصة بأكثر من مائة دولة ـ لقد أصبحت هاتان الدولتان على دراية واسعة بمكائد نظام الحكم الإرهابي في الأرجنتين، وبمخططات إيران أو ليبيا أو بنما. بل كان لدى كل من وكالة الاستخبارات الأمريكية وجهاز المخابرات الألمانية معلومات حول حرب الفوكلاند عام 1982، وحول التفجير الليبي لمرقص "لا بيل" ببرلين عام 1986، أو بحادثة الرهائن الإيرانيين عام 1979 ـ كل هذا بفضل شركة سويسرية صغيرة في مدينة تسوغ.

هل أحدثت فضيحة كريبتو شرخاً في الحياد السويسري؟

لقد أثيرت قضية كريبتو في الإعلام خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا. إلا أن سويسرا لم تُمْطَر دولياً بوابل من النقد: حيث لم ترد ردود أفعال تذكر من جهات رسمية. أما الولايات المتحدة الأمريكية فصرحت بأن عمليات الاستخبارات لا يُعلن عنها أبداً. وحده الوزير الاتحادي الألماني السابق برند شميدباور كان من أقر العملية برمتها. أما الدول التي تم التجسس عليها، فقد لاذت بالصمت. إذ أن أي تدخل منها كان سيعني اعتراف الحكومات بفشلها الذاتي.

وفي مطلع عام 2020 قام الوفد الذي أرسله البرلمان السويسري لتفتيش الشركة بتقديم تقريرهرابط خارجي. وكان جزء من التقرير علني: حيث نصَّ على أن العملية في حد ذاتها كانت قانونية، وفقاً للأسس القانونية آنذاك واليوم، وكذلك الحال بالنسبة للتعاون مع أجهزة استخبارات أخرى. لكن النقد الذي وجهه التقرير كان يمس جهاز المخابرات. فقد فاته إعلام السلطة التنفيذية بهذه العملية الشائكة. وأمام الحكومة الفدرالية مهلة حتى الصيف القادم، لاتخاذ موقف بشأن هذا التقرير.

أُنتج جهاز التشفير المحمول (CD 57) الذي يعود إلى عام 1957 في إصدارين، أحدهما قوي والآخر ضعيف. كان الجهاز ناجحاً للغاية واستخدمته جمهورية ألمانيا الاتحادية أيضًا، وتم إنتاج نسخة مطلية بالذهب منه. Dominik Landwehr

ما الذي كانت تعرفه الحكومة السويسرية؟

هل كانت أعمال شركة كريبتو تتفق مع الحياد السويسري؟ يرى الحقوقي أوليفر ديغلمان من مدينة زيورخ أن هذه الفضيحة تعد انتهاكاً واضحاً لحق الحياد: "لا ينبغي على دولة محايدة بصورة دائمة أن تتورط في نزاع بين دولتين بأن تصبح حليفاً تلقائياً لإحدى هاتين الدولتين، بينما كانت سويسرا في هذه الحال بمثابة اليد الطولى للتجسس الأمريكي على أعداء عسكريين محتملين". لكن الخبير في الشئون السياسية لوران غوتشل يرى الأمر بصورة مخالفة: "إن السؤال يصبح ذا أهمية، حينما تكون السلطات على دراية بالأمر".

رسمياً، - وهذا ما نعرفه من خلال التقرير الذي نشر مطلع نوفمبر- فإن سويسرا كانت تعلم بفضيحة كريبتو بدءً من خريف عام 1993، وكان في مقدورها منذ عام 2002 قراءة تلك الرسائل المرسلة بأجهزة التشفير الضعيفة. إلا أنه قد توفرت مؤشرات قبل ذلك بالفعل على أن شركة كريبتو كانت تتعاون مع أجهزة استخبارات أخرى.

إذ يجدر بنا الإشارة هنا إلى ما قام به أحد مهندسي التطوير الذي غادر الشركة في عام 1977، من إخباره لضباط في الجيش السويسري ومحامٍ عامٍ سابق في سبعينات القرن العشرين أن شركة كريبتو تتعمد إنتاج أجهزة يمكن فك شفرتها بسهولة. لكن تحقيقات النيابة الفدرالية تحت الاسم المستعار 'كود' ذهبت آنذاك أدراج الرياح. والأدهى من ذلك: اعتبار ملفاتها مفقودة مطلع عام 2020، لكنها عادت وظهرت في الصيف الماضي في إحدى المنشآت القيادية السرية. (لذلك فإن تقرير الفحص الصادر عام 2020 ينتقد كذلك التعامل مع المستندات).

في سياق متصل، فقد أصبحت شركة كريبتو محط الأنظار مرة أخرى عام 1992: حين ألقي القبض على مهندس المبيعات الخاص بالشركة وهو السويسري هانز بولر في طهران، بسبب اتهامه بالتجسس. مما جعله يمضي تسعة أشهر في الحبس. وما كان من شركة كريبتو إلا أن أقالته بعد عودته. لكن بولر أخبر بعد ذلك وسائل الإعلام بالسبب الحقيقي لإلقاء القبض عليه: حيث اشتبه الإيرانيون في أن تكون أجهزة كريبتو هي الباب الخلفي لأجهزة الاستخبارات الأمريكية. وقد قام الصحفي ريس شتريله ابن مدينة زيورخ بالبحث في هذه المسألة لسنوات طويلة، وكتب في عام 1994 كتابه الأول حولها. وفي صيف 2020 قدم كتابه الثاني في نفس الموضوع، إذ أصبح لديه أدلة دامغة: "منذ 25 عاماً، ونحن نعلم أن شركة كريبتو كانت تتعاون مع أجهزة الاستخبارات، لكن لم يكن في مقدورنا إثبات ذلك".

أما الشرطة الفدرالية، فقد حققت بدورها فيما عرف بفضيحة بولر عام 1994 واستجوبت أكثر من عشرين شخصاً ـ مثلما حدث في سبعينات القرن الماضي، ولكن بلا جدوى. إلا أن السلطات كانت تعرف منذ ذلك الحين على الأقل، أن شركة كريبتو في قبضة أجهزة الاستخبارات الأمريكية. ويعتقد خبراء الاستخبارات أن جهاز المخابرات كان يعرف قبل ذلك بكثير عن العملية الاستخباراتية، وأنه كان يوفر الغطاء للشركة. أما السلطة التنفيذية فكان شعارها في الحرب الباردة، على الأغلب: من تكلم فيما لا يعنيه، سمع ما لا يرضيه.

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة