هل يُمكن أن تصبح سويسرا رائداً عالمياً في التمويل المستدام؟

عملية تحديد الطبيعة الدقيقة للتمويل المستدام وقياس أدائه لا زالت مستمرة. Keystone / Guillaume Horcajuelo

يرغب المركز المالي السويسري في أن يأخذ زمام المبادرة في الاستثمار الذي يخضع للأطر الأخلاقية. ولكن بالرغم من ذلك، فإن المنظمات غير الحكومية تخشى من اهتمام البنوك بالربح المادي أكثر من اهتمامها بالمحافظة على كوكبنا. والكل يجمع على أمر واحد وهو الحاجة إلى تعريف عالمي للتمويل المستدام والإجراءات الآيلة إلى الاشراف على هذا القطاع.

هذا المحتوى تم نشره يوم 16 أغسطس 2020 - 11:00 يوليو,

يستثمر التمويل المستدام في الأهداف البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) المندرجة في خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030 وكذلك في اتفاقية باريس المتعلّقة بالتغير المناخي. والهدف هو المساهمة في تمويل القضاء على الصعيد العالمي على الفقر وعدم المساواة والصراع والتدهور البيئي.

وتقول جمعية البنوك السويسرية (SBA)، التي جعلت من فئة الأصول المتنامية هذه "أولوية قصوى": " إن المركز المالي السويسري رائد في مجال التمويل المستدام وهو في طريقه لأن يصبح مركزاً دولياً رئيسياً في هذا الميدان".

ويبدو أن طموح المركز مدعوم ببياناته الأولية. فدراسة سوق الاستثمار المستدام السويسرية لعام 2020 تقول إنه على مدى السنوات العشر الماضية، ارتفعت هذه الاستثمارات المستدامة من 40.6 مليار فرنك سويسري إلى 1.16 تريليون فرنك سويسري (42.7 مليار دولار إلى 1.2 تريليون دولار)، وقفزت في عام 2019 وحده، إلى نسبة 62%.

ومع ذلك، فإن المنظمات غير الحكومية تقوم بانتقاد البنك المركزي السويسري والقطاع المالي بشكل روتيني على خلفية استثماراته في المشاريع غير السليمة بيئياً واجتماعياً. وجاءت نتائج تقرير لدراسة حديثة أجرتها المنظمتان غير الحكوميتين Artisans of Transition و Swiss Alliance لاذعة بكل ما للكلمة من معنى.

تفكير مليء بالأمل

وانتقد التقرير "الموقف الضعيف للغاية" للمصرف الوطني السويسري بشأن تقييم مخاطر تغير المناخ مقارنة بالبنوك المركزية الأخرى. كما قال إن المصرف الوطني السويسري مسؤول عن 43.3 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون نتيجة لاستثماراته في الوقود الأحفوري - وهو رقم لم يسجل هبوطاً يُذكَر في الأعوام الأخيرة.

"المصرف الوطني السويسري هو نموذج يحتذى به في الصناعة المالية بأكملها. لكنه عاجز عن المضي قدماً في عملية الاستدامة، وهذا من شأنه أن يجعل من الصعب على الآخرين أن يحذوا حذوه". كما يصرّح إيفان مَيّار آردِنتي، العضو في تحالف المناخ السويسري، لـ swissinfo.ch.

وشملت الدراسة كل من بنك "كريدي سويس" و"يو بي إس"، اللذين لم يسلما من الانتقاد: ففي حين أن هاتين المؤسستين لا تنفكان تدعيان حيازتهما على مقومات العمل في التنمية المستدامة، نرى أيضاً أن لديهما سجلات طويلة للاستثمار في مشاريع الوقود الأحفوري، حسبما قالت المنظمة غير الحكومية. كما وجدت هذه الأخيرة أيضاً أن حوالي ثلاثة أرباع صناديق المعاشات الستين الكبرى في سويسرا ليس لديها سياسة مناخية.

وهناك عدم تطابق بين الطموحات المعلنة للمركز المالي والنظرة إلى أفعاله من قبل المجموعات الضاغطة باتجاه تقويم الاستثمارات. أما شكاوى المنظمات غير الحكومية فهي ذات شقين: الشق الأول متعلّق بماهية الإنفاق؛ فمقابل كل فرنك تنفقه بعض البنوك في المشاريع المستدامة، ينفق بالمقابل ما لا يقل عن قيمته في الاستثمارات الملوثة للبيئة أو المناوئة للمجتمع. أما الشق الثاني، فيتعلّق بتظاهر بعض الصناديق المنضوية تحت علامة الاستثمار المستدام، والتي تسوّق لها البنوك، بأنها تحترم هذه العلامة.

يقول مَيّار آردِنتي إن إنشاء صندوق يرفض الاستثمار في الأسلحة لا يكفي لجعله مستداماً. "إذا استثنينا اثنين من صغار البنوك، فإن النمو السريع للتمويل المستدام في سويسرا هو بمثابة التفكير القائم على التمني في الوقت الحالي".

تحديات عالمية

وقد اعترفت الحكومة السويسرية أيضاً بالتمويل المستدام كمصدر للنمو الاقتصادي والأضرار التي يمكن أن تلحق من جرّاء ذلك بالسمعة. وأصدرت مؤخراً تقريراً مفصلاً عن القطاع، حددت فيه العديد من المجالات التي يمكن تحسينها. وتشمل هذه المجالات، إعطاء المستثمرين معلومات أكثر وضوحاً وتقييم أفضل لمخاطر الأنشطة غير المستدامة، مثل الاستثمار في الوقود الأحفوري.

"في ضوء التحديات العالمية، يجب بذل المزيد من الجهود لحماية المركز المالي السويسري دولياً، وتوسيع نطاق مصالحه وقدرته التنافسية"، حسبما جاء في بيان صحفي.

في هذه الأثناء، تقول الحكومة إنها تفضل اتباع نهج تنظيمي قائم على عدم التدخل من قبلها، مما يسمح للبنوك بوضع معاييرها الخاصة للقطاع - على الرغم من أنه ينبغي أن تكون متماشية مع المعايير الدولية لأفضل الممارسات.

وتقول الهيئة المالية السويسرية إنها ستعمل على حماية المستهلكين من " الخداع الذي قد يتعرّضون له نتيجة مزاعم مضللة أو مبالغ فيها متعلّقة بالعقارات" المسماة "خضراء"، في حالة المنتجات الاستثمارية على سبيل المثال".

كما ستطالب الهيئة أيضاً " بآلية أفضل في الإفصاح عن المخاطر المالية المرتبطة بالمناخ من قِبَل المؤسسات المالية الكبرى، من أجل تحسين الشفافية، وانضباط السوق". ويعني ذلك بعبارة أخرى، تحفيز البنوك على الأخذ في الحسبان وبشكل صحيح مخاطر الضرر المالي أو الضرر اللاحق بالسمعة، اللذيْن قد ينجمان عن الاستثمار في المشاريع غير المستدامة.

وما زالت الانتقادات مستمرة

لكن منظمة "غرينبيس سويسرا" تقول إن الحكومة أضاعت فرصة لوضع قواعد واضحة وملزمة بشأن التمويل المستدام. وتعتقد أن الحكومة - كالمعتاد - تنصاع لرغبات البنوك في التنظيم الذاتي، وتعطيها الإمكانيات لإنشاء قوانينها الخاصة، ومن ثم تحويل هذه القوانين لمصلحتها.

وفي تقرير حديث، تعتبر منظمة KPMG للخدمات المالية أن الطريقة الوحيدة لجعل الأمور واضحة بالنسبة للمستثمرين، هي وضع معايير مرجعية ومقاييس معترف بها دولياً ترعى التمويل المستدام. "لا توجد حتى الآن معايير ملزمة وموحدة. وهذا يؤدي إلى أساليب مختلفة للغاية للتعامل مع هذه المسألة في المؤسسات المالية، مما يجعل الشفافية لدى المستثمرين أكثر صعوبة."

ويبدو أن بعض البنوك مشوّشة داخلياً بشأن أهدافها الإستراتيجية، حتى في صفوف موظفيها، كما يقول التقرير. ويمكن أن يلحق ذلك ضرراً شديداً بالسمعة، لا سيما بين جيل جديد من المستثمرين الذين يتوقون إلى التعبير عن هواجسهم على منصات وسائل التواصل الاجتماعي.

وخلصت KPMG إلى أن السلطات السويسرية لا تبدي رغبة تذكر لوضع معايير ملزمة قانونياً، وسيتعيّن حل المشكلة عن طريق الهيئات الدولية، وتحديداً عن طريق الاتحاد الأوروبي.

مشاركة