Navigation

المعضلة الأوروبية لرابطة الشركات السويسرية تتواصل منذ قرن ونصف

سرعان ما غزت سويسرا أسواقاً خارج أوروبا، مثل الولايات المتحدة الأمريكية. The Print Collector / Heritage-images

يُعدّ تخلي سويسرا عن الاتفاق الإطاري الذي كانت تنوي إبرامه مع الإتحاد الأوروبي ضربة قاصمة لرابطة الشركات السويسرية "economiesuisse". فمنذ مئة وخمسين عاماً وهذا الاتحاد مشتت ما بين التجارة الحرة مع الأسواق الأوروبية وبين التجارة مع بقية العالم.

هذا المحتوى تم نشره يوم 19 يوليو 2021 - 11:00 يوليو,
بياتريس كونسيلغا سارتوريوسن (النص)، آستر أونترفينغر (الصور)،

مرة أخرى ترتعد الشركات السويسرية: فبعد وقف المباحثات حول الاتفاق الإطاري، وهو ما أعلنته الحكومة السويسرية نهاية شهر مايو الماضي، تخشى الرابطة من عدم استقرار العلاقات التجارية مع دول الاتحاد الأوروبي. وهذه العلاقات من الأهمية بمكان، ذلك لأن دول الاتحاد الأوروبي تعد الشريك التجاري الأهم لسويسرا على الإطلاق.

"منذ العصور الوسطى يدور الحديث حول الجيران الأوروبيين الكبار والتمييز الذي يمارس ضد أصحاب الأعمال السويسريين"، مثلما تقول المؤرخة الاقتصادية أندريا فرنكرابط خارجي، التي تجري أبحاثها في جامعة بازل بصفة أساسية حول التجارة بين الشمال والجنوب.

وبمناسبة الذكرى المئة والخمسين لتأسيس رابطة الشركات السويسرية، نشرت السيدة فرنك كتاب "التبادل مع العالم. الشركات السويسرية في القرنين التاسع عشر والعشرين"رابط خارجي.

منذ تأسيسه في عام 1870 يضع أقدم وأهم اتحاد اقتصادي في سويسرا هدفاً محدداً نصب عينيه: الولوج إلى أسواق البلاد المجاورة وبقية العالم عن طريق التجارة الحرة.

الحصار والتهريب

أيقنت سويسرا التي تحتل قلب أوروبا منذ وقت مبكر أن التجارة الحرة مع جاراتها الأوروبيات مسألة حياة أو موت بالنسبة لها. وقد كانت الاتحادات الإقليمية التي ضمت التجار هي الحارس الأمين على هذه التجارة. ومنذ نهاية العصور الوسطى لعبت غرفة الصناعة والتجارة لكانتوني سانت غالن وآبنزل، وهي الأقدم في البلاد، دوراً حاسماً.

فقد كان التجار في شرق سويسرا يقفون على الجبهة الأمامية لمواجهة الحصار القاري الذي فرضه نابليون خلال عقد من الزمن ( 1803 - 1813). وبينما كان التجار يُهربون بضائع انجليزية، حاول تجمع الكانتونات الفدرالية اجبار فرنسا على رفع الحصار. 

ومن المؤكد أن تجربة الحصار تلك كانت بالغة الأثر على التجارة السويسرية. فلقد أدى حرمان التجار السويسريين من أسواق تصريف منتجاتهم إلى اقتحامهم أسواقاً أخرى خارج أوروبا، ومن بينها بلا شك الولايات المتحدة الأمريكية. وبهذا أصبح أصحاب الأعمال التجارية السويسريون من رواد العولمة الاقتصادية التي تحققت اليوم.

وجدير بالذكر أن سياسة الحمائية الاقتصادية التي نشأت في أعقاب اتفاقية فيينا ـ إذ تجسدت على سبيل المثال في "الاتحاد الجمركي" عام 1834 ـ قد عززت تشكك ريبة التجار السويسريين من الدول المجاورة. "فمنذ 150 عاماً يشغلنا أمر الإبقاء على قنوات التواصل مع بقية العالم مفتوحة، حتى يظل ارتباطنا بالقوى الأوروبية العظمى غير مأمونة الجانب في أضيق الحدود"، مثلما تقول أندريا فرنك.

أصحاب أعمال عالميون وسياسيون خبثاء

في سياق متصل، كانت الدولة الفدرالية الجديدة سويسرا بعد تأسيسها عام 1848 لا تزال في طور البناء، من هنا ظلت غرف التجارة المحلية بالكانتونات هي المنوطةً بالاقتصاد والتجارة الخارجية.

يعتبر رجل صناعة النسيج بيتر جينيرابط خارجي (1824 ـ 1879) أصيل كانتون سانت غالن، نموذجاً لرجل الصناعة الذي يتمتع بشبكة علاقات عالمية: فقد كان يملك مصنعاً في الفلبين، بينما كان عضواً في قائمة الرواد الليبراليين بسويسرا. حيث تمتعت هذه القائمة بسلطة غير محدودة في ظل الدولة الفدرالية الناشئة.

حتى ذاك الحين، كانت التجارة بين الكانتونات المنفردة وبين منظمات التجارة الإقليمية لا تزال محدودة. ولكن في عام 1869 التقت وفود ثلاث عشر منظمة صناعية بالكانتونات بناء على مبادرة قام بها بيتر جيني. وقد كان أبناء غرب سويسرا (الناطقة بالفرنسية) متشككين في بداية الأمر من هذا الاتحاد الوطني، ذلك لأنهم كانوا يأملون في إجراء مباحثات مباشرة مع ممثلي الكونفدرالية.

وفي الثاني عشر من مارس 1870 اجتمع المجلس التأسيسي لـ الاتحاد السويسري للتجارة والصناعةرابط خارجي الجديد. وقد نشأ هذا الاتحاد على غرار الكونفدرالية القديمة: حيث كانت إحدى الغرف التجارية المحلية بالكانتونات تتولى رئاسة الاتحاد لمدة عامين.

من هنا اشتق لاحقاً مصطلح "الضاحية"، والذي ظل حتى منتصف القرن العشرين يطلق على الاتحاد السويسري للتجارة والصناعة. وكانت أول رئاسة له من نصيب غرفة التجارة بكانتون برن. كما أصبح لـ "الضاحية" أمانة مستديمة ابتداء من عام 1878.

اقتصاد حرب مربح مع الطرفين

بعد الحرب العالمية الأولى انهار التصدير وبدأت النقابات والفلاحون في سويسرا في مناقشة السياسة الاقتصادية. حيث مورس ضغط كبير على كل من رئيسي الاتحاد السويسري للتجارة والصناعة هانز زولسر (1876 ـ 1959) وهاينريش هومبرغررابط خارجي (1896 – 1985) بصفة خاصة، وهذا بسبب مشاركتهما في اقتصاد الحرب.

وتجدر الإشارة هنا إلى تمكن الاتحاد السويسري للتجارة والصناعة أثناء الحرب من عقد أواصر ربطته بكل من الطرفين المتناحرين: حيث أدار "الوزير" زولسر مباحثات مع الحلفاء في الخارج. هذا بينما تباحث هومبرغر، الذي أطلق عليه أيضاً اسم "الوزير الفدرالي الثامن"، مع قوات المحور.

رئيس الاتحاد السويسري للتجارة والصناعة هاينريش هومبرغر. ETH

ونظراً للتدخلات الرسمية المتزايدة في الاقتصاد نشأت إبان تلك الأوقات الصعبة حركة ليبرالية جديدة: حيث تأسست عام 1942 جمعية لدعم الاقتصاد السويسري. ولقد تقارب هذا الداعم الاقتصادي مع الاتحاد السويسري للتجارة والصناعة بصورة مطردة، إلى أن انصهرا معاً أخيراً عام 2000 في كيان واحد وهو  رابطة الشركات السويسرية.

أوروبا الحصن المنيع

إن صعود مؤسسات عالمية مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي والاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة المعروفة اختصاراً بالـ "جات" وكذلك كتل أوروبية في أعقاب الحرب العالمية قد فاقم من معضلة الاتحاد السويسري للتجارة والصناعة. "إن القضية تكمن دائماً في السؤال: هل نرغب في تجارة حرة على المستوى الأوروبي أم العالمي. فدخول منطقة أوروبية قد يعني بالنسبة للشركات السويسرية التعرض لنوع من التمييز في مقابل الشركات غير الأوروبية. وحتى داخل الاتحاد السويسري للتجارة والصناعة نفسه، فإن الموقف من الاتفاقيات المختلفة ليس موحداً"، مثلما توضح أندريا فرنك.

أما البديل عن "الحصن المنيع المسمى أوروبا" بالنسبة للاتحاد السويسري للتجارة والصناعة فكان يكمن في رابطة التجارة الحرة الأوروبية، التي تأسست عام 1960. فمن ناحية لم يكن الاتحاد السويسري للتجارة والصناعة مولعاً بالمنطقة الاقتصادية الأوروبية، إلا أنه من ناحية أخرى رفض الجماعة الاقتصادية الأوروبية رفضاً باتاً.

إن بروكسل، كما كانت فرنسا وقت الحصار القاري، تعتبر "جاراً كبيراً وقوياً، لا تنتظر الشركات السويسرية منه سوى التمييز وعدم التساهل"، مثلما توضح أندريا فرنك في كتابها.

في الختام نُذَكِّر أن الاتحاد السويسري للتجارة والصناعة قد دعا عبثاً إبان حملته التي واكبت الاقتراع الشعبي عام 1992 إلى الانضمام للمنطقة الاقتصادية الأوروبية. حيث اعتبرت هذه المنطقة الاقتصادية الأوروبية بمثابة الشر الأصغر. "لقد كان على سويسرا إذن الاختيار بين أوروبا وباقي العالم، مثلما كانت تفعل دائماً"، وفقاً لأندريا فرنك، "لكنها اختارت العالم".

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟