The Swiss voice in the world since 1935
أهم الأخبار
أهم الأخبار
نقاشات
أهم الأخبار
النشرة الإخبارية

فيلم إقامة طيبة: قصة استغلال في منتجعات الألب  

فيلم إقامة طيبة
دراما تدور أحداثها على قمم الرأسمالية العالمية: عرض فيلم "Enjoy Your Stay" لأول مرة في مهرجان برلين السينمائي الدولي (Berlinale) لهذا العام. cineworx

ينقل فيلم إقامة طيبة صوت عمّال النظافة المهاجرين من الفلبين إلى منتجعات التزلج السويسرية الفاخرة، بطرق غير نظامية. وتعاون المخرج السويسري دومينيك لوخر، مع الكاتبة الفليبينية هانيلين جوي أليبيو، لإنجاز هذا العمل. وتحدث كلاهما في لقاء مع موقع "سويس انفو" (Swissinfo.ch) بعد العرض الأوّل للفيلم، على هامش فعاليات مهرجان برلين السينمائي الدولي (برليناله).  

مع توافد أكثر من 23 مليون زائر للتزلج سنويًا منذ الجائحة، تشهد المنتجعات في جبال الألب السويسرية انتعاشًا قويًا. ويواصل “الذهب الأبيض” جذب السّياح من كافة أنحاء العالم، فيمنح استراحة فاخرة، تقدّم توازنًا مثاليًا بين النشاط الرياضي، والاستجمام، والهروب من الواقع. لكن هناك دائمًا من يتحمّل كلفة تقديم كلّ ما هو جميل في الحياة.

ومن يتعمّق في صورة سويسرا المثالية التي تشبه البطاقات البريدية، يكتشف أنّ للعمّال المهاجرين لهم الفضل في استمرار أسلوب حياة الرفاهية. ويجري استغلال هؤلاء العمّال المخفيين عن الأنظار، وأغلبهم مهاجرين غير نظاميين، الكادحين مقابل أجر زهيد لتحفيز اقتصاد الألب.

هذا العالم المصغّر الخفي، الكامن خلف بريق الفخامة، هو ما اختار المخرج السويسري، دومينيك لوخر، الغوص فيه واستكشافه. وذلك في فيلمه الروائي الثالث، المشارك في مهرجان برلين السينمائي الدولي بعنوان ساخر، “إقامة طيبة” (Enjoy Your Stay).

وعبر هذا المشهد المثقل باللامساواة، تقودنا شخصية لوس، المهاجرة غير النظامية، العاملة في تنظيف الشاليهات الفاخرة في فيربييه. وتؤدي هذا الدور القوي الممثلة الفليبينية “أيقونة الفن المستقل”، مرسيديس كابرال. وتمثل لوس دور امرأة صلبة وطموحة، كانت تعتني بزميلاتها العاملات في بيئتها الهشة، فدفعتها مشاكلها العائلية المتزايدة إلى أن تصبح عنصرًا مفترسًا في المنظومة الرأسمالية الاستغلالية. 

مرسيدس كابرال هي الممثلة الأكثر شهرة في الفلبين، وقد شاركت أيضًا في العديد من الأفلام المستقلة الدولية. وهي تلعب دور عاملة نظافة غير مسجلة في فندق فاخر في منتجع التزلج في فيربير.
مرسيدس كابرال، الممثلة الأكثر شهرة في الفلبين، وقد شاركت أيضًا في العديد من الأفلام المستقلة الدولية. وتلعب دور عاملة نظافة غير مسجلة، في فندق فاخر في منتجع التزلج في فيربير. cineworx

بقعة ضوء على الجنوب

أدرك لوخر أنّ عليه التعاون مع الكاتبة هونيلين جوي أليبيو، بهدف الكشف عن هذه التسلسلات الهرمية المتبدّلة داخل مجتمع الجاليات الفليبينية المهاجرة. وقد نشأت أليبيو في الفليبين، واشتهرت بمسيرتها الغنية بالإنتاج. وتدرك تمامًا معاناة العمّال العابرين للحدود من خلال تجربتها المباشرة. إذ هاجرت والدتها للعمل في الخارج عندما كانت طفلة صغيرة.

وفي ختام الدورة 76 من مهرجان برلين السينمائي الدولي (برليناله)، حيث عُرض الفيلم لأوّل مرة في قسم “بانوراما”، قالت أليبيو: ”شعرت بحماس كبير عندما تواصل معي دومينيك بشأن المشروع السينمائي”. وتستذكر ظروف لقائهما الأوّل منذ سنوات في مهرجان بوسان السينمائي الدولي، وكيف تحوّل ذاك اللقاء إلى “تحالف للنهوض بالقضية”.

وتوضح: ”قد يكون من الصعب على أبناء الفلبين، وبناته، حثَّ العالم على مشاهدة ما يحصل لنا في بلدان الجنوب العالمي. لذلك، يترك هذا النوع من التبادل المتكافئ أثرًا كبيرًا. وكما يُقال، يلزم اثنان لأداء رقصة التانغو، وبصفته آتيًا من العالم الأوّل، كان دومينيك منفتحًا للغاية على استكشاف هذه القضايا. وبالنسبة إلى راوية مثلي، هذا أشبه بالفوز بالجائزة الكبرى”.

الكاتبة هونيلين جوي أليبيو والمخرج دومينيك لوشر خلال جلسة تصوير في مهرجان برلين السينمائي.
الكاتبة هونيلين جوي أليبيو والمخرج دومينيك لوخر، خلال جلسة تصوير في مهرجان برلين السينمائي الدولي. Ronny Heine

إضاءة مؤلمة

حمل لوخر فكرة تنفيذ فيلم مشابه لفترة طويلة. وبدوره، شعر أنّه فاز بالجائزة الكبرى عندما بدأ يغوص في أعماق القصة مع أليبيو. ويعود بذاكرته إلى الوراء قائلًا: “أردت الحديث عن الأشخاص المهاجرين، بطرق غير نظامية، في سويسرا”.

“ولكنّي كنت أدرك أنّ سرد تلك القصة لا يمكن أن ينحصر في وجهة نظري الشخصية. وعند تعاوننا لإجراء المزيد من الأبحاث المعمّقة، اكتشفت هونيلين مقالًا على موقع “سويس إنفو”، يتناول الأوضاع المتردية لعمّال النظافة الصرب. وكان ذلك أشبه بنقطة انطلاق قوية. إذ يتحدَّث عن منتجعات سويسرا الفاخرة، ومن الجانب الآخر، عمّال يتعرّضون للإهمال، والاستغلال، ويتقاضون أجورًا زهيدة”.

ويتابع: بفضل مساهمة هونيلين، “نقلنا تلك القصة إلى العمّال من أصول فلبينية، ما استدعى عملية بحث معمّقة. تحدثنا إلى أشخاص من خلفيات متنوعة، منهم مهاجرون غير نظاميين من دول مختلفة، وأفراد من الشرطة المحلية، وشخصيات محلية مسؤولة، ومُلَّاك شاليهات، وسيّاح. ولم نبدأ الكتابة إلا بعد جمع عدد لا يُحصى من القصص والشهادات”.

وبقدر إضاءتها جوانب مخفية، كانت عملية البحث مؤلمة. فأدرك لوخر أنّ “الأشخاص المهاجرين الأكثر إصرارًا وحدهم يصلون إلى سويسرا. وقد لا يتجاوز آخرون حدود هونغ كونغ أو قطر”. ودفعتنا تلك الفكرة إلى تسليط الضوء على طموحات لوس اللامحدودة، وكان الأمر مهمًا جدًا بالنسبة إلى هونيلين”.

المصرفيون والمعلمون والكيميائيون: عمال النظافة في سويسرا.
مصرفيات، ومعلمات، وكيميائيات: عاملات نظافة في سويسرا. cineworx

وتضيف:” فعلنا ذلك لأنّنا رفضنا تقديم هؤلاء النساء، وغالبًا ما يكنّ نساء، كضحايا. شعرت بألم كبير عند اكتشافي أنّ كثيرات كنّ محترفات في مجالاتهن في الفلبين. ونتحدث هنا عن موظفات في المصارف، ومزارعات، ومعلّمات، وحتى عالمات في مجال الكيمياء، انتهى بهن المطاف جميعًا إلى العمل في سويسرا كعاملات نظافة”.

أنانية الأثرياء

وبالنسبة إلى لوخر، تردّد صدى قصص العمّال على مستوى شخصي. ويقول:” يبرز في سويسرا مفهوم التضامن والمساواة، ولكنّي شاهدت أيضًا الجوانب الأكثر أنانية من بلدي”.

ويتابع: ”عندما كنت طفلًا صغيرًا، اعتدت السفر بالقطار عبر الأنفاق ذهابًا وإيابًا بعد انفصال والديّ، واستقرار كلّ منهما على طرف من سلسة الجبال. وكان والدي، العامل في مجال البناء، يريني لافتة عند مدخل أحد الأنفاق، تشير إلى عدد أفراد الجالية الإيطالية الذين لاقوا حتفهم أثناء بناء النفق”. وعادت تلك المشاهد إلى ذاكرة لوخر بعد إنهائه فيلمه الروائي الثاني، “غولياث” (2017). فقرّر “استخدام الوسائل التي نملكها كصانعي.ات أفلام، من أجل صياغة حكاية قائمة على التعاطف لا تقتصر على قصص تتعلّق بالامتياز، بل تظهر اهتمامًا بمن ذاق معاناة الإهمال”.

وقد تنقّل لوخر وأليبيو، باستمرار بين الفلبين وسويسرا، ضمن مشروع عابر للحدود، لتنقيح السيناريو الذي وصفاه مازحين، بأنّه أشبه بتعاون بين “الأخوين سافدي [المعروفين بفيلمي الإثارة والتشويق Good Time  وUncut Gems]، في كتابة نص للأخوين داردن [الفائزين بجائزة السعفة الذهبية عن الدراما الواقعية حول الطبقة العاملة البلجيكية]، لكن مع عاملات تنظيف فلبينيات في منتجع فاخر في سويسرا”.

شخصية مرسيدس كابرال، لوز (في الوسط)، مع زملائها ورئيسهم (خمنوا من هو)؛ لتجنب فقدان حضانة ابنتها، التي لا تزال في مانيلا، عليها أن تجمع الأموال اللازمة، مع المخاطرة بقطع صلتها بمجتمعها وتجاوز حدودها الأخلاقية.
شخصية مرسيدس كابرال، لوز (في الوسط) مع زملائها ورئيسها. لتجنب فقدان حضانة ابنتها، التي لا تزال في مانيلا، عليها جمع الأموال اللازمة، مع المخاطرة بقطع صلتها بمجتمعها، وتجاوز حدودها الأخلاقية. cineworx

ولم يقتصر التعاون بين الثقافات على النص، فبدا متجذّرًا في صميم فيلم “إقامة طيبة”. ويقول لوخر: “حاولنا المحافظة على هذه الروح على جميع المستويات، ما أتاح لطواقم الإنتاج، والتمثيل، والتحرير، والتصوير السينمائي من سويسرا والفلبين العمل معًا”.

وكي يعالج الفيلم أوجه اللامساواة في الرأسمالية المعولمة، يرى أن “لا بدّ أن يعكس السرد والإنتاج واقع العالم”. وتوافق أليبيو على هذا الكلام، مؤكدة مرّة أخرى أنّ “نجاح الفيلم يكمن في التفاعل المتبادل بين عناصره”.

العرض الأوّل في برلين

لاقت ازدواجية الوعي التي يتنقّل عبرها الفيلم بين الثقافات والطبقات، صدى واضحًا لدى جمهور مهرجان “برليناله”. وبحسب لوخر، لاقى فيلم “إقامة طيبة” “ردود فعل إيجابية للغاية من الجمهور الفلبيني والسويسري”. ويقول: “خاطبت القصة كلا الجانبين، وقد كانت مؤثرة جدًا بالنسبة إلينا. وأثبتت أنّ الطابع العالمي يكمن في صميم المشروع”.

وبعد سماعها الأصداء وردود الفعل عبر الحدود، ازداد حماس أليبيو. وتقول، واصفة هذه الأصداء: “يقول الشعب السويسري: ‘أدركنا الآن أنّه علينا أن نغير شيئًا’. بينما اعتبر أشخاص من الفلبين أنّه يمكن استخدام هذا الفيلم لفتح الباب أمام المزيد من المناقشات. ويبدو أنّه قادر على تحفيز نقاش معمّق، لذا آمل أن نتمكّن من الحفاظ على الزخم”.

وبعد نجاح العرض في برلين، أجرى لوخر وأليبيو تقييمًا لمشروعهما العائدة جذوره إلى حوالى عقد من الزمن. وتشير أليبيو: “تطلّب الأمر شجاعة كبيرة كي يؤمن الناس بمشروع من هذا النوع، ولقبول هذه التجربة المشتركة ومتابعة تطوّر الأمور. نأمل ألا يستغرق انطلاق العمل التالي وقتًا طويلًا”.

وأصبح المشروع التالي حاضرًا في ذهن الثنائي. ويقول لوخر:” قبل إنهاء هذا الفيلم، كنّا نبحث عن قصص أخرى حيث يمكن تطبيق هذا النموذج من الإنتاج العالمي. أرى في المستقبل صداقة طويلة، راسخة ومثمرة”.

محتويات خارجية

تحرير: كاثرين هيكلي وإدواردو سيمانتوب

ترجمة: ناتالي سعادة

مراجعة: ريم حسونة

التدقيق اللغوي: لمياء الواد

قراءة معمّقة

الأكثر مناقشة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية