أدوية ألزهايمر في سويسرا: قرار “سويس ميديك” يضيّق الخيارات أمام المرضى
حسمت الهيئة السويسرية لترخيص المنتجات العلاجية ومراقبتها، (سويس ميديك)، قرارها بشأن دواءين جديدين لمرض ألزهايمر في مراحله المبكرة. غير أن الشروط المشدّدة دفعت الشركة المُصنّعة لأحدهما إلى سحب طلب الترخيص. فما هي التفاصيل؟
على مدى عامين ونصف، ترقّبت الأوساط الطبية السويسرية قرار “سويس ميديك” (Swissmedic) بشأن دواءين جديدين لمرض ألزهايمر في مراحله المبكرة، “لكيمبي” (Leqembi)، و”كيسونلا” (Kisunla). ولأول مرَّة، نجح الدواءان في إبطاء التدهور المعرفي، واستهداف تراكم “لويحات الأميلويد” داخل الدماغ، أحد الأسباب البيولوجية المحتملة للمرض.
واستحوذ «لكيمبي» على اهتمام إعلامي بعد حصوله على موافقة المنظم الأميركي في يوليو 2023، أي قبل عام من اعتماد “كيسونلا”.
ومنذ ذلك الحين، اعتمدت أكثر من 50 دولةرابط خارجي عقار “لكيمبي”. أمَّا في سويسرا، فقد أودع طلبا ترخيص الدواءين لدى “سويس ميديك” في عام 2023.
وفي أوائل فبراير 2026، وردت الأنباء بأن “سويس ميديك” منحت ترخيص التسويق لعقار “كيسونلا”، من شركة “إيلي ليلي” (Eli Lilly). أمّا “لكيمبي”، فقد سحبت الشركة اليابانية المصنِّعة، “إيساي” (Eisai)، طلب الترخيص في 29 يناير، بحسب سجلرابط خارجي “سويس ميديك”.
وفي السياق، يقول بوغدان دراغانسكي، عالم الأعصاب السريري ورئيس عيادة الذاكرة في مستشفى إنسلشبيتال (Inselspital)، أكبر مستشفيات برن، لموقع سويس إنفو (Swissinfo.ch): “الموافقة على “كيسونلا” خبر إيجابي… لكن كان توفّر العلاجين سيمنح مجالًا أوسع للاختيار، ويحسّن فرص مواءمة العلاج مع الحالة”.
ويصيبرابط خارجي ألزهايمر نحو 32 مليون شخص حول العالم. وتشير التوقعات إلى أنّ تسارع شيخوخة السكان سيؤدي إلى تضاعف العدد بثلاث مرات بحلول 2050. وفي سويسرا، يبلغ عدد حالات الخرف نحو161 ألفًارابط خارجي، ويأتي ألزهايمر في مقدّمة أنواعه، مشكّلًا 60% إلى 70% منها.
ولا تزال أسباب سحب طلب اعتماد “ليكمبي” غير جليّة تمامًا، وتبقى دلالاته العملية على خيارات العلاج محلّ تساؤل. ففي رسالة إلكترونية إلى سويس إنفو، أوضح متحدث باسم “إيساي” عدم موافقتها على شروط الجهة التنظيمية “المشدَّدة”، لإنها ستقلّص الشريحة المؤهَّلة للاستفادة من العلاج داخل سويسرا، مقارنةً بسائر أوروبا.
وأضاف: “بعد تمحيصٍ دقيق، تبيّن أن سحب الطلب هو المسار الوحيد الممكن في ظل هذه الشروط”.
وفي ظلِّ الحصيلة المخيّبة للآمال في سويسرا، تبرز صعوبة القرار أمام الجهات التنظيمية عند تقييم أحدث علاجات الزهايمر.
ففي مجال أخفق لعقود في تطوير علاجات جديدة، رغم الاستثمارات الضخمة، ينظر الكثير إلى «لكيمبي» و«كيسونلا» باعتبارهما اختراقًا علميًّا. إذ أظهرا قدرةً على إبطاء التدهور المعرفي، وساعدا على إزالة لويحات الأميلويد من الدماغ. ومع ذلك، يظلان غير قادرين على شفاء المرض تمامًا، ويرتبطان بآثار جانبية خطيرة تستدعي احترازًا طبيًا صارمًا.
موازنة المنافع والمخاطر
يبدو أنّ جوهر الخلاف بين “إيساي” و”سويس ميديك” يدور حول كيفية تقدير منافع” ليكمبي”، ومخاطره، لدى فئات معيّنة. إذ تمنح الجهات التنظيمية الموافقة على الأدوية استنادًا إلى بيانات التجارب السريرية، بعد إثبات أن فوائد الدواء تفوق مخاطره، لدى الفئة المستهدفة.
وتتفق آراء خبيرة كثيرة على تواضع الفوائد العلاجية لكلا الدواءين. ففي التجربة السريرية المحوريةرابط خارجي المنشورة عام 2023، أبطأ “ليكمبي” التدهور المعرفي في مراحل ألزهايمر المبكرة بنسبة 27%. أمّا “كيسونلا “فقد أبطأه بنسبة تصل إلى 35% في تجربته الرئيسية. ويرى بعض الخبراء والخبيراترابط خارجي أنّ هذا الأثر قد يؤخّر تفاقم الخرف مدةً لا تتجاوز أربعة إلى ثمانية أشهر.
ويحمل الدواءان أيضًا مخاطر حدوث “شذوذات التصوير المتعلقة بالأميلويد”، تغيّرات تظهر في التصوير الطبي، وتتضمن تورّمًا دماغيًا أو نزيفًا قد يهدد الحياة. وقد أظهرت التجارب السريرية، تسجيل معدل شذوذ في “كيسونلا” أعلى منه في “ليكمبي”. لكن تبقى المقارنة بين فوائد الدواءين ومخاطرهما، صعبة نظرًا لاختلاف تصميم هذه التجارب.
وفي كلتا الحالتين، يزداد خطر الإصابة بالشذوذات لدى حاملي.ات متغيّر جين “أبوليبوبروتين إي 4 ” (APOE4)، أقوى عاملرابط خارجي خطر وراثي معروف للإصابة بألزهايمر المتأخر. ويكون الخطر أعلى عند وجود نسختين منه مقارنةً بوجود نسخة واحدة.
وبحسب “إيساي”، انتهى تقييم “سويس ميديك” إلى أنّ اعتماد “ليكمبي” ينبغي اقتصاره على حالات غياب متغيّرات الجين. أمَّا في أوروبا، فأقرّ المنظِّم الدواء لمن يحمل نسخة واحدة على الأكثر، في محاولة للحد من المخاطر، وتوسيع نطاق الاستفادة.
من سمات مرض الألزهايمر الأساسية التراكم غير الطبيعي لاثنين من البروتينات في الدماغ، “الأميلويد” (Amyloid) الذي يبدأ بالتكتّل في شكل لويحات قبل ظهور الأعراض بعشرين عامًا على الأقل، وبروتين “تاو” (Tau) المشكّل لتشابكات ليفية بعد تراكم “الأميلويد”.
ومع ذلك، قد توجد تراكمات كبيرة من لويحات “الأميلويد” في الدماغ دون ظهور أعراض معرفية لمرض الزهايمر. ويسعى الباحثون والباحثات إلى فهم أسباب تراكم “الأميلويد”، وآلية إحداثه للضرر، وعلاقته الدقيقة ببروتين “تاو” ، ومدى إسهامه في نشوء الزهايمر.
وفي قرار اعتماد “كيسونلا”، ذهبت “سويس ميديك” إلى تقييدٍ أقل حدّةً، فأجازته لمن يحمل نسخة واحدة من المتغيّر، على الأكثر. أمّا سبب اختلاف القيود بين الدواءين، فلا يزال غير واضح وفق المعطيات المتاحة علنًا.
وتشير الدراساترابط خارجي إلى حمل 40% إلى 65% من حالات ألزهايمر عالميًّا نسخة واحدة من متغيّر “أبوليبوبروتين إي 4“ على الأقل. لكن دون بيانات وطنية مفصّلة، يبقى تقدير نسبة غير حاملي.ات المتغيّر، أو حاملي.ات نسخة واحدة منه، داخل سويسرا أمرًا عسيرًا.
وثمّة اختلاف جوهري آخر يتصل بمدة العلاج. فبحسب “إيساي”، اقترحت “سويس ميديك” أن تكون مدة استخدام “ليكمبي”، عبر تسريب وريدي كل أسبوعين، محدودة بـ 18 شهرًا. لكن درست التجارب الدواء بوصفه علاجًا مستمرًا، دون تحديد فترة زمنية نهائية.
وذكر متحدث باسم “سويس ميديك” في رسالة إلكترونية عدم استطاعته التعليق على “جوهر سحب الطلب”، كما لم يكن تقرير التقييم العلني متاحًا.
جدل عالمي
منحت الولايات المتحدة، والصين، واليابان، الترخيص لكلا العلاجين دون فرض قيود على الفئات المستفيدة على أساس متغيّرات “أبوليبوبروتين إي 4 “. ومع ذلك، ليست “سويس ميديك” وحدها تواجه معضلات في ترخيص أحدث علاجين للزهايمر.
ففي أوروبا، أوصت لجنة رئيسية، داخل الوكالة الأوروبية للأدوية (EMA)، برفض “ليكمبي” بسبب محدودية منافعه، وآثاره الجانبية المحتملة. وبعد تقديم “إيساي” استئنافًا، عدّلت اللجنة موقفهارابط خارجي، معتبرةً أنّ المنافع لدى فئات محددة قد تفوق المخاطر. وبناءً على ذلك، منحت المفوضية الأوروبية ترخيص “ليكمبي” في 15 أبريل 2025، لمن لا يحمل متغيّر “أبوليبوبروتين إي 4، أو يحمل نسخة واحدة منه، للحد من مخاطر شذوذات التصوير.
كما أعادت لجنة الوكالة الأوروبية للأدوية النظر في دواء “كيسونلا”، لتنتهي إلى منحه ترخيص التسويق بقيود مماثلة في سبتمبر 2025.
وحتى بعد صدور قرارات الترخيص، برز سؤال آخر لا يقل حساسية: هل تكفي الفوائد لتبرير إدراج الدواء في التأمين الصحي؟ ففي 19 فبراير، قررترابط خارجي الهيئة الألمانية للرعاية الصحية (G-BA) أن نتائج “ليكمبي” ليست أفضل من معيار الرعاية المعتمد حاليًا.
وفي منتصف فبراير، انتهى المعهد الوطني الهولندي للرعاية الصحية إلى خلاصة مماثلة. ومن المتوقّع إعلان السلطات الصحية الألمانية موقفهارابط خارجي بشأن “كيسونلا” في منتصف أبريل 2026.
وفي المملكة المتحدة، أقرّت الجهة التنظيمية كلًا من “ليكمبي” و”كيسونلا”، بشروط قريبة من شروط الاتحاد الأوروبي. لكن رأت هيئة تقييم الكلفة أنّ الفوائد المحدودة لكلا الدواءين لا تبرّر الأسعار المطلوبة. ونتيجةً لذلك، لا يتوفّر الدواءان لعامة الجمهور عبر مصلحة الخدمات الصحية الوطنية (NHS)، وإنما عبر قنوات خاصة. والسعر في المملكة المتحدة غير معلن، بينما يبلغ سعر “ليكمبي” في الولايات المتحدة 26،500 دولار سنويًا، وسعر “كيسونلا” 32،000 دولار.
أمَّا أستراليا، فرفضت اعتماد “ليكمبي” مرتين. وبنت رفضها على أساس أنّ المنافع قد تفوق المخاطر في غياب متغيّر “أبوليبوبروتين إي 4 “، وأن السلامة رابط خارجي“لم تُثبت بصورة مُرضية”رابط خارجي في الحالات الحاملة لنسخة واحدة منه. وفي سبتمبر 2025، بعد استئناف “إيساي” ومراجعة إضافية، اعتمدت أستراليا “ليكمبي” لمن لا يحمل المتغيّر، أو يحمل نسخة واحدة منه.
ومن ناحية الدعم، لا يشمل نظام الإعانات الدوائية الأستراليرابط خارجي، عقاري “ليكمبي “و”كيسونلا”. ويتحمّل المرضى تكلفتهما من نفقاتهم.ن الخاصة.
فتح الآفاق أمام تشخيص أفضل
لم يعلّق دراغانسكي، عالم الأعصاب السريري، على قرار “إيساي”. لكنه شدّد على “ضرورة إدخال هذين العلاجين وفق بروتوكولات منضبطة، ومتابعة طبية حثيثة، لأن مخاطرهما قائمة ولا تحتمل التهاون”.
ورغم التحفّظات، غيّر هذان العلاجان التصوّر السائد عن المرض. ويقول دراغانسكي: “كان الاعتقاد بأن النسيان جزء طبيعي من الشيخوخة شائعًا. لكن اليوم، بات واضحًا أنّ السبب يمكن تحديده، وأن التدخّل العلاجي بات ممكنًا. يفتح “ليكمبي”، و”كيسونلا” الباب أمام تشخيص أدق، وربما علاجات أشد فاعلية مستقبلًا. غير أنهما ليسا حلًّا نهائيًا قاطعًا”.
المزيد
شركات الأدوية السويسرية: نجاح عالمي يثير مخاوف في الداخل
ويضيف أن توفّر علاجات جديدة في سويسرا أمرٌ بالغ الأهمية كي تبقى البلاد في قلب النقاشات البحثية، وكي تتوفّر أنظمة البيانات، والبنية التحتية اللازمة لتقديم أعلى مستويات الرعاية.
ولا يزال الكثير من جوانب ألزهايمر غير مفهوم فهمًا كافيًا. فرغم أنّ لويحات “الأميلويد” علامة بيولوجية بارزة للمرض، انتهى عددٌ كبيرٌ من التجارب التي استهدفتها إلى الفشل، أو لم يقدّم تحسّنًا كبيرًا على مستوى النتائج السريرية.
كما يسعى الباحثون والباحثات إلى فهم مفارقة أخرى: لماذا يحمل عدد كبير من مرضى ألزهايمر ومريضاته نسختين من متغيّر “أبوليبوبروتين إي 4″، في حين قد لا يطوّر 40% إلى 70% من الناس الخرف أصلًا؟ وقد أشعلت هذه المفارقة جدلًا محتدمًا حول تعريف ألزهايمر: هل ينبغي تعريفه بالعلامات البيولوجية، مثل وجود “الأميلويد” في الدماغ، أم بالأعراض السريرية الملموسة؟
وبعد عقود من الانتكاسات، يشهد البحث في الزهايمر زخمًا متصاعدًا. فوفقًا لإحدى الدراساترابط خارجي، يجري اختبار 138 دواءً جديدًا لعلاج المرض ضمن 182 تجربة سريرية.
وقبل استخدام “كيسونلا “على نطاق واسع في سويسرا، لا بد من التوافق على السعر بين شركة “إيلي ليلي”، والسلطات الصحية الفدرالية. أمّا دواء “ليكمبي” الذي تصنعه شركة “بيوجين” (Biogen)، في سويسرا، فقد أخبرت “إيساي” سويس إنفو بمواصلتها “تحليل الوضع، وستبقى منفتحة على حوار إضافي مع “سويس ميديك” لفهم ما قد يلزم لرسم مسار محتمل في المستقبل”.
تحرير: فرجيني مانجين
ترجمة: جيلان ندا
مراجعة: ريم حسونة
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.