النقد في الدستور السويسري… قرار رمزي يثير نقاشًا عالميًا
على مستوى العالم، يساور كثير من الناس القلق بشأن احتمالية اختفاء الأموال النقدية. وبعد الاقتراع السويسري، يرى أحد أبرز الأشخاص المدافعين عن النقد أن النتيجة تبعث رسالة واضحة للعالم. في هذا التقرير، نحلل أسباب ارتباط النقود بنظريات المؤامرة، من منظور علم الاجتماع.
على إثر الاقتراع الشعبي الأخير، قررت سويسرا تضمين دستورها نصًا للحفاظ على الأموال النقدية. وقد ورد في معلوماته الرسمية، لن يغيّر تأييده شيئًا في الحياة اليومية، ولن يأتي بمهامٍ أو بتكاليف جديدة.
ورغم ذلك، يبدو أنّ هناك تعويل كبير، على المستوى الرمزيّ على الأقل، على أهمية احتواء الدستور الفدرالي، وليس فقط القانون، على نص صريح بشأن الأموال النقدية. وحتّى خارج سويسرا، يبدو أنّ لهذا الأمر أهمية.
“رسالة مهمة إلى العالم”
صرّح عالم الأنثروبولوجيا والناشط جنوب إفريقي، برت سكوت، لموقع سويس إنفو (Swissinfo.ch) قبل الاقتراع، ببعثِ ترسيخ سويسرا للنقود في دستورها “رسالة هامة إلى العالم”. ويشير إلى ترويج البنوك لوسائل الدفع الرقمية منذ عقود. ولهذا، يشدد على أهمية اتّخاذ الدول موقفًا واضحًا يؤكد رغبتها في حماية الأموال النقدية.
ويرى سكوت، مؤيِّد الحفاظ على النقود المادية في كتبه، أسبابًا كثيرة لاهتمام الناس بالأموال النقدية. ويقول: “بعض الأسباب مرتبط بالدفع النقدي خاصةً، بينما يرتبط بعضها الآخر بطبيعة المجتمع الرقمي عمومًا”.
ومن الأمثلة على الأسباب المرتبطة بالدفع النقدي، تفضيل الأشخاص، كبار السن ومن يعانون من ضعف الإبصار، الأموال النقدية على غيرها. كما تفضل الفئات الأفقر استخدام النقود، لسهولة التحكم في الميزانية. ويشرح سكوت: “كثيرًا ما تقل ثقة أصحاب الدخل المنخفض في القطاع البنكي، بخلاف الطبقة المتوسطة الواثقة في هذه المؤسسات ثقة أكبر”. وبالطبع، هناك فئة أخرى ترتبط بالنقود ارتباطًا عاطفيًا “لتعلقها بالماضي”.
أسباب كثيرة للحفاظ على النقود
على المستوى المجتمعي، يأتي مؤيدو النقود المادية ومؤيداتها، من شتّى الخلفيات. ويذكر سكوت، مثلًا، قلق خبراء الأمن الوطني وخبيراته بشأن “التهديد الأمني الفعلي”؛ إذا لم يستطع الناس الحصول على النقود. كما تقلق بعض “الأوساط التحررية من رقابة الأنظمة الرقمية”، التي تجعل البعض يرفض التحول التكنولوجي الكبير، أو يرغب في الحفاظ على الحياة خارج الإنترنت.
ويضيف سكوت: “يقدّر الكثير من الناس أيضًا عنصر الاقتصاد غير الرسمي. إذ تنشد نسبة كبيرة من الناس الحفاظ على محيط غير رسمي، وعدم دخول المؤسسات إلى كل مجالات الحياة”. فدونَ نقود، يصبح إناء التبرع في الكنيسة، أو لعبة البوكر في البيت، أمرًا غريبًا. ولا يريد أحد استخدام بطاقة الفيزا في الكنيسة.
ومع ذلك، من غير المتوقَّع حدُّ هذا القرار السويسري، الذي أعقب الاقتراع، من تراجع أهمية الأوراق والعملات النقدية، في الحياة اليومية السويسرية.
استخدام النقود بدافع التحكم
كذلك لمسنا أهمية النقود في حياة الكثير من البشر، من خلال لقائنا مع الخبيرة الاجتماعية السويسرية، نادين فراي، مُعِدّة أطروحة للدكتوراه حول المفهوم اليومي للمال. وتقول: “في الحوارات حول هذا الموضوع، كثيرًا ما صادفتني فكرة أنّ الشيء الحسي هو فقط الحقيقي. بمعنى أن المال النقدي هو المال الحقيقي، على عكس الزيف الذي يوصف به المال الإلكتروني”.
ويرتبط المال الإلكتروني، تضيف فراي، بدرجة من التجريد، وكذلك بقدر من الفورية. وترى تبريرًا لبعض انتقادات المال الإلكتروني؛ إذ قد يؤدي الاعتماد عليه إلى إقصاء فئات معينة من المجتمع. لكنها في الوقت نفسه، تحذر من تحوّل هذا النقاش إلى تبنّي نظريات المؤامرة.
اقرأ.ي أيضًا مقالنا عن استخدام النقد في سويسرا، مقارنة بالدول الأوروبية
المزيد
سويسرا الأقرب بين جاراتها إلى “مجتمع بلا نقد”، والأكثر تمسّكًا به
نظريات مؤامرة حول المال النقدي
ولكن نظريات مؤامرة تحوم أيضًا حول المال النقدي. وقد عايش برت سكوت أثناء جائحة فيروس كورونا، كيف جرى إدراج آرائه حول المال النقدي في مقطع فيديو على الإنترنت يتعلق بنظريات المؤامرةرابط خارجي، التي تحدثت عن زرع شرائح متناهية الصغر في أجسام الناس عبر اللقاحات.
وتقول عالمة الاجتماع فراي، التي أجرت أبحاثها في سويسرا أثناء جائحة فيروس كورونا حول الأوساط الرافضة للإجراءات الاحترازية: “تحقق نظريات المؤامرة نجاحًا نسبيًا إذا ما تناولت عمليات تجريدية وغير مرئية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى التجريد المرتبط بالاقتصاد المالي”. ويتسم الفكر التآمري، بحسبها، بافتراض وجود مجموعات تعمل في الخفاء، وتتحكم في الأحداث. وتوضح: “لم يظهر هذا التصور فقط في احتجاجات كورونا، بل في مجالات أخرى كذلك”.
جدل حول الجهات التي أطلقت مبادرة النقد
صوّت الناخبون والناخبات في سويسرا على مقترحيْن مرتبطيْن بالنقود. أولهما “مبادرة المال النقدي”، وهي حملة شعبية أطلقها مواطنون ومواطنات لكنها لم تحظَ بدعم الأغلبية. أمَّا الثاني فحصل على أغلبية واضحة، وهو مقترح مضاد طرحه البرلمان يؤكّد اضطلاع البنك السويسري الوطني بمهمة توفير النقود.
وجدير بالذكر، انطلاق “مبادرة المال النقدي” من نفس الدوائر التي أطلقت مبادرة “وقف التلقيح الإجباري”، المرفوضة من قرابة ثلاثة أرباع الناخبين والناخبات عام 2024.
وقبل الاقتراع، بحث دينيس بولر، الصحفي السويسري في جريدة “ريبوبليك” (الصادرة إلكترونيًّا بالألمانية)، في الصلة بين الدوائر التي أطلقت “مبادرة المال النقدي”، وعدد من نظريات المؤامرة، كتلك المتعلقة بالجائحة. وفي نفس المقال، جادل بعدم تغيير التصويت بنعم أو بلا، الكثير من حيث الجوهر.
كما أوضح، ردًّا على سؤال سويس إنفو، عدم وقوفه على مؤشرات عن “رغبة السياسة السويسرية أو البنك الوطني في إلغاء النقود، أو الحد من قيمتها”. كذلك، لا يعتقد بولر إمكانية مساهمة ترسيخ المال النقدي في الدستور الفدرالي في “تهدئة الدوائر المؤمنة بنظرية المؤامرة”.
لا إجابات من لجنة “مبادرة المال النقدي”
أرسل موقع سويس إنفو إلى لجنة “مبادرة المال النقدي” أسئلة حول مطلبها ورأيها، لكنها بقيت دون رد حتى الآن. كما طلبت سويس إنفو من اللجنة صراحة الرد على اتهامات بولر لها. فقد كتب في جريدة “ريبوبليك”، مثلًا: “ليست المبادرة الأولى التي تحاول بها هذه الدوائر زرع الريبة، والانقسام”.
وبحسبه، سبق لها التلميح، من خلال مبادرة “لا للتلقيح الإجباري”، إلى “وجود خطة لزرع شرائح تحت الجلد بالإكراه”. وبالفعل، احتجَّت هذه الدوائ حينها، بأنّ “لا السياسة، ولا صناعة الدواء، ولا المنظمات الدولية” يحق لها تقرير “دخول شريحة متناهية الصغر قابلة للزرع، أو جسيمًا نانويًا، أو تعديلًا وراثيًا، أو لقاحًا، أو أي شيء آخر، إلى أجسامنا”.
وفي برنامج حواري بثته هيئة الإذاعة والتليفزيون السويسري (SRF)، عرض مقدِّمه المقال المثير للجدل وواجه به ريتشارد كولر، من مبادرة المال النقدي. وقد قال كولر حينها: “إننا نهتم جدًا بالشعب، نهتم جدًا بالناس”. لكن “لا يمكننا معرفة ما يدور في رؤوسهم.نّ”، ولا نعرف ما سيحدث “في المستقبل”. واستطرد: “قد تستمرّ المبادرة الشعبية من خمس إلى ست سنوات”. وأمَّا لجنة المبادرة، فليس لديها، على حدّ قوله: “أي تأثير على” الطريقة التي قد تتغير بها “مواقف الناس في ذاك الحين”.
ومن غير المعروف كذلك مدى تأثير النقد الموجَّه إلى الدوائر المحيطة بالمبادرة في تراجع تأييد “مبادرة المال النقدي”، مقارنةً بتأييد المقترح المضاد.
ثقافة الاقتراع السويسرية
قبل حوالي خمس سنوات، اقترعت سويسرا لأول مرة حول جزء من إجراءات جائحة كورونا. وكان بلد جبال الألب البلد الوحيد، تقريبًا، الذي تمكن فيه الناخبون والناخبات من تقرير جانب من الإجراءات. وإجمالًا، جرت استفتاءات حول قانون كوفيد ثلاث مرات. وفي كل مرة، أيَّد نحو 60% الإجراءات الاحترازية.
وبصفة عامة، يعتقد عالم الاجتماع، أوليفر ناختفاي، المشارك في هذه الدراسات حول معارضة إجراءات فيروس كورونا، مع زميلته فراي، “إسهام الديمقراطية السويسرية في الحد من التطرف”. ولا يقصد بهذا اقتراعات بعينها، بل “الهيكل الاجتماعي السويسري، الذي يسمح بطرح مبادرات واستفتاءات، وفي حالة الخسارة، يمكن إعادة الكَرَّة”.
لكن يبقى السؤال: هل سيبعث إدراج النقود النقدية في الدستور الفدرالي فعلًا إشارة عالمية؟ هذا ما سيتضح لاحقًا.
تحرير: بالتس ريغيىنديغر
ترجمة: هالة فرَّاج
مراجعة: ريم حسونة
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
المزيد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.