تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

أوضاع مضطربة اليمن: بعد مخاض عسير .. اتفاق للشراكة مثير للجدل

في صورة وزّعتها الرئاسة اليمنية يوم 18 سبتمبر 2014، الرئيس عبدو ريه منصور هادي يترأس مجلسا رفيع المستوى بعد اشتداد القتال بين المتمرّدين الحوثيين من جهة ووحداث الجيش اليمني من جهة أخرى، واقتراب القتال من وسط العاصمة صنعاء.

(Keystone)

بعد معارك ضارية استمرّت أربعة أيام، شنّها مقاتلو جماعة الحوثي المعروفين بـ "أنصار الله" على العاصمة اليمنية صنعاء، وقّـع أطراف العمل السياسي عشِية الاثنين 22 سبتمبر الجاري اتفاقاً للشراكة في السلطة، دخل بمُـقتضاه فاعلون جُدد إلى مُعترك السلطة ومؤسسات صنع القرار ورسم السياسات، هُـم "أنصار الله" والحراك الجنوبي، ومكوَّن من الشباب والمرأة كشركاء في المرحلة القادمة، وِفق ما نصّ عليه الاتفاق.

في الحقيقة، توقيع الشراكة لم يكُن إلا تحصيل حاصل، لاسيما بعد إزاحة الجنرال علي محسن الأحمر، الذي شكَّل، من وجهة نظر معارضيه، عائقاً في وجه الترتيبات لمرحلة تَـوافُق سياسي جديد، بمقتضى مخرجات الحوار الوطني الشامل، الذي شاركت فيه مكوِّنات سياسية لم تمثّـل في حكومة التوافق التي تشكّلت بمُوجب المبادرة الخليجية في نوفمبر 2011، وهُـم: الحوثيون، الحراك الجنوبي، المرأة والشباب، لأن القضايا التي كانت تُمثِّـلها تلك الأطراف، كانت جزءً من الأزمة السياسية المُستفحلة في البلاد آنذاك، وبعد طرحها على الطاولة، وضع المؤتمرون جُملة من التوصيات التي تُعالج تلك القضايا، إلا أنها ظلّت تُـراوح مكانها بسبب مُراوغة بعض القِـوى السياسية حيناً ورفضها لنِسب تمثيل المكوِّنات الجديدة حيناً آخر. ومن أبرز المعارضين: الجنرال الأحمر وحلفاءه القبليِّـين، أنجال الشيخ عبدالله الأحمر، وحزب التجمّع اليمني للإصلاح.

معادلة جديدة

يرى الكاتب والصحفي صدّام أبو عاصم أن الجنرال محسن وحلفاءه ظلاّ في موضع الرفض غير المُعلن، للتوافق على مرحلة سياسية جديدة، وقد شكّلت هذه المراوغة عقبة لم يقدر حتى رئيس الجمهورية على تخطّـيها، بحسب هذا المراقب.

فالجنرال العجوز ظل تأثيره قَـوي على القرار السياسي، حتى بعد إزاحته من قيادة المِنطقة العسكرية السادسة وتعيينه في فبراير 2013 مستشاراً خاصاً لرئيس الجمهورية لشؤون الأمن والدفاع، مستمداً قوة تأثيره من رفعه لشعار تمثيل الثورة الشعبية.

أهم بنود اتفاق "السلم والشراكة الوطنية"

تشكيل حكومة شراكة من كفاءات في مدة أقصاها شهر، تعد توزيع مقاعدها على المكوّنات السياسية، مع ضمان تمثيل المرأة والشباب على أساس معايير: النزاهة والكفاءة والتحلي بالخِبرات اللازمة للحقائب الوزارية، والتزام حماية حقوق الإنسان وسيادة القانون والحياد في إدارة شؤون البلاد.

يختار رئيس الجمهورية وزراء الدفاع والمالية والخارجية والداخلية، شرط توافقهم مع المعايير، بشرط عدم انتمائهم أو ولائهم إلى أي طرف سياسي.

يختار رئيس الحكومة وزراء الحقائب الأخرى بالتشاور مع رئيس الجمهورية.

تعمل الحكومة بموجب مبادئ الشراكة الوطنية.

تشكل الحكومة لجنة اقتصادية، تضم خبراء واقتصاديين من مختلف المكوِّنات السياسية في الوزارات المعنية في الحكومة.

تكون التوصيات المُتَّـفق عليها في اللجنة، ملزمة للحكومة.

تضع اللجنة برنامجاً للإصلاح الاقتصادي، يهدف في المقام الأول إلى تجفيف منابع الفساد ومعالجة اختلالات الموازنة العامة وترشيد الإنفاق.

إلغاء الازدواج الوظيفي والوظائف الوهمية في جميع المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية.

تلتزم الحكومة الجديدة التنفيذ الكامل لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني، المتعلقة بمكافحة الفساد وتوفر الموارد الضرورية لذلك.

تلتزم الأطراف حل أي خلافات حول هذا الاتفاق، عبر الحوار المباشر، في إطار مَخرجات مؤتمر الحوار الوطني، والتفاوض من خلال لجنة مشتركة تؤسّس بدعم من الأمم المتحدة.

وتكون اللجنة المشتركة، المنبر المُناسب لطرح أية قضايا تتعلّق بتفسير هذا الاتفاق وتنفيذه.

إلغاء كل الإجراءات العقابية على العسكريين أو المدنيين، على خلفية المشاركة في المظاهرات السِّلمية.

نهاية الإطار التوضيحي

ويرى أبو عاصم أن الفعاليات الشبابية والسياسية والحقوقية والمدنية التي كان لها شاركت في الثورة قد اختزلها الجنرال محسن في شخصه وحلفائه منذ أن قدّم نفسه كحامي الثورة في 21 مارس 2011، تاريخ انضمامه لها. ويستطرد أبو عاصم مُـضيفاً، أن "الرجل أراد أن يُمارس دور رئيس الرئيس الذي اعتاد عليه في عهد الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وهو الدور الذي عبَّـر عنه صراحة خلال تصدّره واجهة الثورة الشعبية، في ردّه على سؤال صحفي، وصفه بأنه كان الرجل الثاني في عهد صالح. فردّ على الصحفي بقوله: بل كُـنتُ الرجل الأول وليس الثاني، ولذلك أراد الرجل أن يستمر بلعب ذلك الدّور، من خلال ضغطه المُستمِـر على الرئيس عبدربه هادي ورفضه هو وحلفاءه في الحكومة الموافقة على القرارات الخاصة بالانتقال السياسي، وفقاً لمخرجات الحوار الوطني".

ويعزي المراقبون والمتابعون لمجريات الأحداث في الآونة الأخيرة في اليمن، بين جماعة الحوثي وحلفاء محسن إلى موقف الجنرال وحلفائه من الشراكة السياسية الجديدة، وتطوّرت تلك المُواجهات في أكثر من مكان، حتى وصلت إلى العاصمة صنعاء وانتهت بانتقال الجنرال إلى الجارة العربية السعودية، وطُـوِي عهده وبدأت مرحلة سياسية جديدة تباينت المواقف منها، خاصة بعد دخول المكوِّنات السياسية الجديدة كأطراف في التسوية، كضرورة مُلحّة وكأمر واقع فرضه تقدّم جماعة أنصار الله الحوثية وتقدّمهم في صنعاء.

اتفاق يثير العديد من المخاوف

فمن جهة، مثَّـل الاتفاق للبعض نقلة مهمّة يُعوّل عليها في الخروج من حالة المُراوغة السياسية والشروع في تدشين إصلاحات حقيقية، خاصة بعد إزاحة الجنرال محسن، لكن في المقابل يطرح دخول الحوثيين والحِراك الجنوبي كأطراف في الحكومة والمؤسسات السياسية والدستورية، كما جاء في الاتفاق، تحدياً خطيراً على العملية السياسية والشراكة فيها، لأن جماعة الحوثي فرضت نفسها بقوة السلاح، ما يُثير مخاوف عديدة لدى الكثير من الأوساط السياسية والمدنية والحقوقية، على الرغم من البنود المشدّدة على احترام الحقوق والحريات وسيادة القانون، التي وردت في الاتفاق، ويرونه استمراراً لسيْطرة المكوِّنات التقليدية الدِّينية الطائفية والقبلية والعشائرية المسلحة، ويزيد من تهميش القِوى الحاملة للمشروع المدني.

والأخطر، أنه ربما يفضي إلى تشجيع أطراف سياسية أخرى تشعر بالتهميش والإقصاء إلى خيارات القوة لفرض شراكتها السياسية كأمر واقع على السلطة، فضلاً عن أنه سيذكي الصِّراع الطائفي والجهوي في البلاد، بغضِّ النظر عن قدومه على مبرر إزاحة سياسات "خاطئة" لتأسيس سياسات أخرى على أنقاضها.

في كل الأحوال، اتفاق الشراكة الجديد بين القوى السياسية اليمنية الموقّعة، خلَّـف ارتياحاً شعبياً ملحوظاً، لأنه وضع حدّاً للحرب وفتح آفاقاً جديدة لإخراج البلاد من الأزمات المُتتالية التي دخلت فيها منذ الاحتجاجات الشعبية في عام 2011، إلا أنه في الوقت ذاته يحمل مخاطِر جِدية يشرحها الباحث والمحلل السياسي سليم الجلال على النحو التالي:

الاتفاق انتقل باليمن من مُحاصصة السلطة وتقاسُمها، إلى مُحاصصة للدولة وإخضاع النظام السياسي للجُغرافيا والهويات الجديدة المزعومة، التي ستتحكّم بمُجمل العملية السياسية، وهو ما يؤكِّده أحد بنود الاتفاق، كما يشرحه الجلال قائلاً: "البند المعني هو المتعلّق بإعادة النظر في شكل الدولة، بناءً على مخرجات الحوار، وذلك مَكْـمَن الخطورة، إذ أ ن جمال بن عمر، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة أصبح "بريمر" اليمن القادم، الذي سيخرج وِفق إستراتيجية الدول الكبرى وشبكات محسوبياتهم الداخلية يمنيا، وفق نمط واحد، هو أن السلطة كطبقة وفِئة، هي المتغيّر المستقل والخفي والأصيل في كل ما يحدث، وبهذا نكون قد وصلنا إلى نموذج "اليمننة"، الذي وإن كُنا لا نستطيع البتّ في ملامحه المُكتملة، ربما سيكون على غرار "الصوملة أو اللبننة والعرقنة".

تأجيل الأزمة وليس حلّها

ويخلّص الجلال في هذا الإطار إلى القول: أن ما يُسمّى باتفاق السِّلم والشراكة الوطنية، يخفي التأزم المُضاف ولا يُمثِّـل حلاًّ للمُشكلة اليمنية، إنما يؤخّر التشظِّي الذي تعيشه اليمن كمجتمع ودولة، قتلهما فساد السياسات وتقاسم ومحاصصة أطراف العمل السياسي للنفوذ والسلطة والثروة، على أساس إعادة ترتيب فِئوي يعيق بناء دولة الحقّ والقانون، ويُعقِّـد التحوّل الديمقراطي الذي رامته الانتفاضة الشعبية عام 2011.

على أية حال، هناك مَن يرى أن تقاسُم الحكومة المركزية القادمة، ليس سوى بداية لتأسيس ما تَوافَـق عليه أطراف الحوار الوطني، خاصة لجهة تأسيس نظام اتِّحادي (فدرالي) من ستّة أقاليم استوْعَبَـت إلى حدٍّ ما المكوّنات الجغرافية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعشائرية، وسعت إلى احتواء توتّرات الأزمات التي تنشأ في العادة داخل السلطة المركزية، وهي استحقاقات لا مفَر منها، طالما وقد أقرها المؤتمرون أنفسهم الذين يمثلون مُختلف ألوان الطيف السياسي. 

إجمالاً، يمكن القول أن الاتفاق السياسي الذي توصّل إليه أطراف العمل السياسي في اليمن، مثله مثل المبادرة الخليجية، ترجع ضرورته إلى فشل وفساد القِوى التي أتت التسويات السياسية على أنقاضها، أو كخِشية من الانزلاق في الحرب الأهلية التي تدور رَحاها في عدد من دول المنطقة، ما يجعل منها مجرّد تهدئة آنية ملغُومة قابِلة للإنفجار في أي لحظة. والأسواء منه، استمرار التوتر المُخيِّم على البلاد منذ ثلاث سنوات، دونما أفُـق سياسي. 


وصلات

×