من هم ضحايا المكارثية السويسرية؟

3 مارس 1990: مظاهرة احتجاجية قام بها "تجمع ضد الدولة المتطفّلة" بالقرب من القصر الفدرالي، مقر الحكومة السويسرية. Keystone / Str

بين خمسينيات ونهاية ثمانينيات القرن الماضي، تجسست الحكومة السويسرية على العديد من المنظمات اليسارية والناشطين والسياسيين اليساريين، الذين لم يكن لدى الكثير منهم جوازات سفر سويسرية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 10 فبراير 2020 - 11:00 يوليو,
ماتّيا لينتو Mattia Lento

اكتشاف فضيحة الملفات السرية  أو الملفات، في نهاية عام 1989، أوقع المؤسسات السويسرية في أزمة خطيرة، فقررت الحكومة الفدرالية، ردا على الانتقادات اللاذعة، التعاطي مع القضية ومحاولة توضيح حقيقة نظام المراقبة الذي كان ساريًا حين ذاك.

وفي غرة مايو 1990، عهدت الحكومة للمؤرخ جورج كرايس، وخبيريْن قانونييْن آخريْن، بمهمة إعداد تقرير حول الملفات السرية الفدرالية ونظام أمن الدولة أيامها، ونُشرت الوثيقة تحت عنوان "حماية الدولة السويسرية إبان الفترة من 1935 إلى 1990"، لتؤكد الحقيقة التي كانت معروفة للكثيرين، وهي أن جهاز المراقبة الخاص بالدولة قد أصبح منذ بدء الحرب العالمية الثانية، وتحديدا منذ بداية الستينيات، أداة تجسس تستهدف، بشكل خاص، الأشخاص والمنظمات ذوي التوجه اليساري.


بعبع الشيوعية

وسعى التقرير إلى تسليط الضوء على طبيعة الأشخاص المدرجة أسماؤهم في السجلات، وأيضًا على طبيعة السجلات نفسها، والتي لم يكن جميعها داخلا ضمن مراقبة الأنشطة السياسية.

ويتبع نصف الملفات المتعلّقة بالأنشطة السياسية، أي ما يعادل خمس مجموع الملفات، لمواطنين سويسريين، وأكثر من الربع لأجانب مقيمين في سويسرا، وحوالي الخمس لأشخاص يعيشون خارج سويسرا ويكونون في زيارة لسويسرا، وهم في الغالب من مواطني دول الكتلة الشيوعية، بالإضافة إلى عدد قليل من طالبي اللجوء.

تعود الملفات السرية الخاصة بسويسريين إلى منتسبي الحركات الشبابية ودعاة السلام والحركات النسوية وأنصار البيئة، بالإضافة إلى العديد من قادة ونشطاء حزب العمل، بينما استحوذ الإيطاليون على نصف ملفات الأجانب المقيمين في سويسرا، نظرا لتغلغل الحزب الشيوعي الإيطالي في صفوف المهاجرين الإيطاليين.

كان من بين أبرز الأشخاص الذين تم استهدافهم بالمراقبة، الناشط الشيوعي الشاعر والنقابي والمعلم والمُنشّط الثقافي ليوناردو تزانيير (1935-2017)، وهو شخصية ذات حضور وأهمية في وسط المغتربين الإيطاليين في سويسرا، تعقّبته الشرطة الفدرالية وكذلك شرطة زيورخ لعشرات السنين، وقد تحدّث في العديد من المناسبات حول موضوع الملفات السرية داعيا إلى دراسة العلاقة بين الرقابة الاستخباراتية وسياسة الهجرة إبان الفترة بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، والتي كان من نتائجها طرد العديد من المهاجرين الشيوعيين من سويسرا، فضلا عن التسبب لآخرين في مشاكل بشأن العمل، وبشتى الطرق، والتي منها صعوبة الحصول على فرصة عمل.

"حتى أنا وأخي، يوم كنا صغارا، كنا نعلم بأن المخابرات تتجسس على أبينا"

End of insertion

واتهم ليوناردو تزانيير الشرطة السويسرية بأنها لم تفهم مطلقا الطبيعة الديمقراطية للشيوعية التي تنتمي إليها شريحة كبيرة من العمال الإيطاليين في سويسرا، وهو ما أكده أيضا باولو بَرتْشيلّا، مؤرخ الهجرة الإيطالية إلى سويسرا، حيث قال: "لم يكن في وسط الجالية الإيطالية المهاجرة في سويسرا، عدد كبير من ذوي الميول الثورية، ولا حتى عدد من المقربين إلى الحزب الشيوعي الإيطالي في وسط قادة المنظمات السياسية الثقافية الإيطالية، إلا أن الانضمام إلى الحزب الشيوعي كان له تأثير كبير على العلاقة مع العمل ومع المنظمات النقابية المحلية، وعلى القدرة على التحشيد من أجل المطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية".

المكتبة الايطالية

وفي أواخر الأربعينات، نظم الشيوعيون الإيطاليون في سويسرا أنفسهم في اتحاد، واضطرهم حظر الأنشطة الشيوعية على الأراضي السويسرية إلى العمل السري لغاية الثمانينات.

ولم تكن أعداد العمال الإيطاليين الذين تعرّضوا للطرد بالهيّنة، فقد كانوا بالآلاف، وعمّت أجواء الخوف في صفوف المهاجرين الإيطاليين لاسيما الناشطين السياسيين منهم، ولهذا قرر الحزب الشيوعي الإيطالي، في فترة الخمسينيات والستينيات، أن يعزز مكانته في سويسرا، فعهد بالمهمة إلى ساندرو رودوني، من سكان كانتون تيتشينو، وأحد الناشطين في حزب العمل.

وحيث أن ساندرو رودوني سويسريا، ولذلك لم يكن عرضة للترحيل، ومنه أصبح أحد الشخصيات المركزية للحزب الشيوعي الإيطالي في سويسرا، وتمكن من إشراك العديد من العمال الإيطاليين في النشاط السياسي، وفي عام 1961، افتتح رودوني مع زوجته لِزيتّا، المكتبة الإيطالية في الحي رقم 4 في زيورخ، والتي لا تزال قائمة حتى اليوم تقاوم عصر الرقمنة، بينما كانت فيما مضى من أكثر الأماكن رصدا من قبل المخابرات السياسية في زيورخ، بل وأيضا من جانب بعض الفضوليين من الأشخاص العاديين.

افتتاح المكتبة الإيطالية في زيورخ في عام 1961. Per gentile concessione di Matteo Rodoni


ولا تزال الأرملة لِزيتّا رودوني تبث الروح في تلك المكتبة الصغيرة، وترفض التحدّت عن تلك الحقبة التي تعتبرها فصلًا مؤلمًا من فصول حياتها، في حين قال ابنها ماتيو رودوني: "حتى أنا وأخي، يوم كنا صغارا، كنا نعلم بأن المخابرات تتجسس على أبينا، ولم نتخيل أبدًا، ما اكتشفناه لاحقًا، حين استلم أبونا، في عام 1990، 14 كيلوغراماً من الملفات الأمنية المتعلقة به وبنا جميعا بشكل غير مباشر".

"كنا محاطين"

ومن الأشخاص الذين كانوا يحيطون بساندرو رودوني، برنو كَنِّلُّتُّو، الذي جاء صبيا عمره 18 عاما إلى زيورخ، في خمسينات القرن الماضي، للعمل في البناء. وقد التقيناه في مكان تاريخي في زيورخ شاهد على الهجرة الإسبانية والإيطالية، وما يزال يحمل ذكريات الماضي الشيوعي.

برونو كَنِّلُّتُّو: "المخبرون من أصل إيطالي لم يكونوا قلّة، ولم تكن معاداة الشيوعية مقتصرة على السويسريين". Mattia Lento


كان برنو كَنِّلُّتُّو يعلم جيدًا بأنه مراقب أمنيا، يقول: "عندما تشاهد الشخص نفسه أكثر من مرة خارج المنزل، لاسيما في يوم السبت أو الأحد، تدرك فورًا بأنك ملاحق، وأتذكر أننا اضطررنا لمغادرة أحد الاجتماعات فرادى لعلمنا بوجود عدد من رجال المخابرات الذين يحوّطون المنزل".

ويذكر برنو كَنِّلُّتُّو أيضًا، بأنه اكتشف جاسوسا: "كان شخصا إيطاليا يتكلم الألمانية بطلاقة، وكان دائمًا يحضر اجتماعاتنا، وفي يوم من الأيام وجدته بالصدفة في مركز الشرطة يترجم أقوالي، فأعداد المخبرين من أصل إيطالي ليست قليلة، ولم تكن معاداة الشيوعية مقتصرة على السويسريين ".

ويظهر ممّا بين أيدينا من ملفات أمنية خاصة بالشرطة في زيورخ، بأن تعقّب الرجل بدأ منذ عام 1966، باعتباره عضوا في نادي "ميكيل آنْجِلُو" للثقافة والفنون في زيورخ، ولم تُغلّق ملفاته السرية إلا في عام 1986، حين ألقى خطابا بمناسبة يوم العمال العالمي، بعد أن أصبح رئيسا لاتحاد "سِييّْ Sei" النقابي، وتقول العبارة المدوّنة في سجلّه الأمني بهذا الخصوص: "ألقى برنو كَنِّلُّتُّو خطابا في ميدان "هِلفيتسيا بلاتز Helvetiaplatz" في الحي 4، ولم يحصل ما يخل بالنظام مما يستوجب الذكر".

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة