تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

أكثر من ورطة لأمريكا في العراق

تمر القوات الأمريكية في العراق بظروف عصيبة تزيد من الصعوبات التي تواجهها إدارة بوش

(Keystone)

لا يزال المسؤولون في إدارة الرئيس جورج بوش يرفضون الاتهامات الموجهة لهم بسوء التقدير والخطأ فيما يتعلق بالعراق بعد الحرب

وتواجه الإدارة الأمريكية انتقادات حادّة في الكونغرس وفي وسائل الإعلام بسبب ضُـعف أدائها في الملف العراقي.

بدأ الرأي العام الأمريكي يُـدرك أن عملية التخطيط للحرب على العراق التي دقّ طبولها المحافظون الجدد يُـمكن وصفها بأنها كانت "أم المصائب" على غرار وصف الرئيس العراقي المخلوع لهزيمته في حرب تحرير الكويت بأنها "أم المعارك".

فبعد أن وقف الرئيس بوش على ظهر حاملة طائرات أمريكية ليُـعلن انتهاء العمليات القتالية الرئيسية في العراق، تصاعدت حدة المقاومة العراقية للاحتلال، وأصبح الأمريكيون يفيقون كل صباح ليترقّـبوا كم كان عدد القتلى والجرحى الأمريكيين في اليوم الذي يكون قد أوشك على الانتهاء في العراق.

وفيما يُـدرك الأمريكيون فشل قواتهم في العثور على أسلحة الدمار الشامل، التي كانت الحجة الرئيسية لشن الحرب، ثم كقوة احتلال في حفظ النظام والأمن في العراق، وتعثر الإدارة المدنية الأمريكية في توفير الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء للشعب العراقي الذي ادّعت إدارة بوش أنها ستحرره، فُـوجئوا برئيسهم يُـطالب في خطاب وجّـهه إلى الأمة يوم 7 سبتمبر يطلب فيه من الكونغرس تخصيص 87 مليار دولار للنفقات العسكرية في العراق وأفغانستان، ولإعادة إعمار العراق، ويعني هذا الطلب أن حجم الإنفاق الأمريكي على الحرب في العراق وإعادة البناء سيصل إلى 150 ألف مليون دولار.

ورغم أن الرئيس بوش حاول تبرير ذلك الإنفاق المضاعف بأن العراق قد أصبح جبهة مركزية في الحرب على الإرهاب، فإن أغلبية الشعب الأمريكي ترى أن إدارة الرئيس بوش أساءت تقدير الوضع في العراق بعد الحرب والنفقات اللازمة لإعادة البناء.

كما اعتقدت خطأً أن بوسعها الانفراد باتخاذ القرارات بعيدا عن الإجماع الدولي، والنتيجة التي سيتحملها المواطن الأمريكي، إذا تمكن الرئيس بوش من الحصول على مبلغ 87 مليار دولار، ستكون زيادة العجز السنوي في الميزانية الأمريكية إلى قرابة 525 ألف مليون دولار، بعد أن كانت الميزانية الأمريكية قد حققت فائضا قدره 127 ألف مليون دولار قبل استلام بوش الحكم، ويُـسلّـم مفاتيح استراتيجياته الخاصة بالسياسات الخارجية والدفاعية لمخططين من المحافظين الجدد دفعوا بالولايات المتحدة إلى أكبر ورطة منذ حرب فيتنام.

هكذا عاد الشعب الأمريكي بذاكرته إلى أواخر الستينات في عهد الرئيس الراحل ليندن جونسن، عندما اضطرته النفقات المتصاعدة لحرب فيتنام وما صاحب ذلك من تنامي العجز في الميزانية الأمريكية إلى زيادة الضرائب المفروضة على الشعب الأمريكي.

لذلك، يتساءل خبراء الاقتصاد الأمريكي هذه الأيام ومن خلفهم دافعو الضرائب الأمريكيون، كيف سيتمكّـن الرئيس بوش من المُـضي قُـدما في سياسته الخاصة بتخفيض الضرائب، في وقت تضاعفت فيه الاعتمادات المطلوبة لعراق ما بعد الحرب، وتحول الفائض في الميزانية إلى عجز يزيد عن 500 مليار دولار؟ بل تُـظهر توقعات مكتب المحاسبة بالكونغرس إلى أنه لو فاز الرئيس بوش بفترة رئاسية ثانية سيصل العجز في الميزانية الأمريكية في نهاية فترته الرئاسية الثانية إلى 1900 مليار دولار!

الورطة السياسية

ويُـشير أحدث استطلاع لآراء الشعب الأمريكي حول طلب الرئيس بوش 87 مليار دولار إضافية لتمويل النفقات الدفاعية في العراق وأفغانستان وإعمار العراق إلى رفض بلغت نسبته 61% لذلك الطلب.

كما بلغت نسبة المعارضين للطريقة التي يتعامل بها بوش مع الاقتصاد الأمريكي إلى 56% ممن استطلعت آراؤهم، حيث يعتقد 6 من بين كل عشرة أمريكيين أن توفير فرص العمل وحفز النشاط الاقتصادي المُـتباطِـئ في أمريكا يُـشكّـلان أولوية متقدمة على الحرب ضد الإرهاب.

وأعربت نسبة كبيرة من الأمريكيين عن اعتقادها بأنه لو قرر الكونغرس الموافقة على تخصيص الاعتمادات المالية الإضافية التي طلبها الرئيس بوش للعراق، سيتعيّـن على أعضاء الكونغرس التراجع عن التخفيضات التي أقروها في الضرائب.

ويرى المحللون في تلك الاستطلاعات إشارة قوية لأعضاء الكونغرس بأن الشعب الأمريكي ليس راغبا في منح الرئيس بوش شيكا على بياض للنفقات المتضاعفة لعملية حفظ السلام في العراق.

ولذلك، صرح السناتور الديمقراطي كارل ليفين، العضو البارز في لجنة القوات المسلحة التابعة لمجلس الشيوخ، بأن أي اعتماد تتم إجازته من الكونغرس للعراق، يجب أن يتم اقتطاعه من اعتماد بقيمة 350 ألف مليون دولار تم تخصيصه لتمويل خفض الضرائب على الشعب الأمريكي استجابة لطلب من الرئيس بوش في شهر يونيو الماضي.

كما قال السناتور الجمهوري تشاك هيغل، عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، إن إدارة الرئيس بوش ستواجه مناخا في الكونغرس الأمريكي يختلف تماما عن أجواء الثقة والمساندة التي سادت في العامين الماضيين بسبب ما وصفه السناتور هيغل "بالأداء المزري للإدارة فيما يتعلق بالتخطيط لعراق ما بعد الحرب، وهو أداء جعل الشعب الأمريكي يتوقّـع إجابات من إدارة بوش على أسئلة محددة سيطرحها ممثلوه في الكونغرس بمجلسيه". وأضاف السناتور الجمهوري أنه يجب على الرئيس بوش أن يُـدرك أن الشعب الأمريكي يُـطالبه بتوسيع نطاق المشاركة الدولية في جهود إعادة إعمار العراق.

ولم يقتصر الهجوم والانتقاد للورطة المالية والأمنية التي وقعت فيها الولايات المتحدة في العراق على أعضاء الكونغرس. فقد واصل الساعون إلى الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لهم في انتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة توجيه انتقادات لاذعة لإدارة الرئيس بوش، إذ قال السناتور جون كيري إن لجوء الرئيس بوش لطلب 87 مليار دولار إضافية هو ثمن غطرسة إدارته وسوء تقديرها، وهو أمر سوف يستمر. ووصف النائب الديمقراطي، المرشح لانتخابات الرئاسة، ديك غيبهارت أداء إدارة بوش فيما يتعلق بالعراق بالفشل المُـخزي الذي يستوجب تشكيل تحالف دولي حقيقي لإنجاز المهمة في العراق.

الورطة الدبلوماسية

وعندما أدركت إدارة الرئيس بوش فشلها في الانفراد بعراق ما بعد الحرب، ورغم التصريحات التي استبعدت أي مشاركة دولية بعد أن بذل الجنود الأمريكيون الدم، وقدم الشعب الأمريكي المال لإتمام الغزو، وهي تصريحات تلت الشعور الزائف بالانتصار على جيش لم يحارب، وإسقاط رئيس لم تتمكن من العثور عليه رغم عرض مكافأة بقيمة 25 مليون دولار لمن يقدم معلومات تؤدي لاعتقاله، عادت تتخفى بأوراق التوت وراء مشروع جديد قدمته لمجلس الأمن لحث المجتمع الدولي على المشاركة بقوات متعددة الجنسيات في عمليات حفظ السلام في العراق وبأموال في إعادة الإعمار مقابل توسيع دور الأمم المتحدة في العراق.

ولمّـا لم يقبل المجتمع الدولي بالمشاركة بسبب إصرار واشنطن على منطق طلب الاستغاثة من الغرق في المستنقع العراقي مع الإصرار على الحفاظ على عجلة القيادة وتقرير مستقبل كل شيء في العراق على هوى إدارة بريمر المدنية كسلطة مدنية للاحتلال، اجتمع وزراء خارجية الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن بمبادرة من الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان في جنيف في محاولة فاشلة لتضييق هوة الخلاف بين منطق الانفراد الأمريكي الذي تدعمه بريطانيا، ومواقف الدول الأخرى وعلى رأسها فرنسا، وهي مواقف تنحصر في مطالب مشروعة بسرعة نقل السلطة إلى الشعب العراقي من خلال تشكيل حكومة عراقية مدنية انتقالية تتولى بالتدريج صلاحيات السلطة التنفيذية بما في ذلك التصرف السيادي في ميزانية العراق، والنشاط الاقتصادي، وتقدم تقاريرها إلى مجلس الأمن وليس إلى السلطة المدنية للاحتلال، وصياغة دستور جديد للعراق وإجراء انتخابات بحلول الربيع القادم.

وسارع وزير الخارجية الأمريكي بوصف التصور الفرنسي الذي تدعمه روسيا والصين بأنه تصور يتّـسِـم بعدم الواقعية، حيث ترى واشنطن ضرورة التدرج في تسليم السلطة للعراقيين، وتُـصر على ألا تتخلى عن دور رئيسي في مسار نقل السلطة للعراقيين استنادا إلى اعتقاد واشنطن بأنه ليس بوسع الأمم المتحدة تولي تلك المهمة.

وأمام استمرار الخلافات، قرر وزير الخارجية الأمريكي الوقوف بنفسه على ما تم إحرازه من تقدم في العراق ليتمكّـن من التفاوض على جدول زمني لنقل السلطة للعراقيين يشكل حلا وسطا بين التمهل الأمريكي وما تراه واشنطن تسرعا فرنسيا.

التوافق الصعب

وتمهيدا لعودة وزراء الدول الخمس للاجتماع في نيويورك قريبا، أعلنت ألمانيا التي تساند التصور الفرنسي استضافتها لقمة ثلاثية يوم السبت 20 سبتمبر في برلين تضم المستشار الألماني غيرهارد شرودر والرئيس الفرنسي جاك شيراك ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير ممثلا لوجهة نظر قوات الاحتلال في العراق، وستسعى ألمانيا للوساطة بين الطرفين في محاولة لتسوية الخلافات بشأن مستقبل العراق.

وتأتي هذه القمة قبل ثلاثة أيام فقط من الخطاب الذي سيُـلقيه الرئيس بوش أمام الدورة الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي سيكرر فيها طلب المشاركة الدولية في العراق. وتمهيدا للأجواء في الأمم المتحدة، ستوزع الولايات المتحدة على أعضاء مجلس الأمن خلال الأيام الثلاثة القادمة نسخة معدلة من مشروع القرار الذي يدعو للمشاركة الدولية في مهمة حفظ الأمن في العراق وإعادة بنائه مع توسيع دور الأمم المتحدة في عراق ما بعد الحرب.

ولا يخفى على المجتمع الدولي أن اللّـجوء الأمريكي لطلب المساعدة جاء انطلاقا من تصاعد القلق الشعبي الأمريكي إزاء تزايد الخسائر بين صفوف القوات الأمريكية، وعجز عائدات البترول العراقية عن الوفاء بالأموال الضخمة المطلوبة على وجه السرعة، بالإضافة إلى ديون مترتبة على العراق تصل إلى أكثر من 135 ألف مليون دولار، فيما يقدر السفير بول بريمر رئيس الإدارة المدنية في العراق تكاليف توفير مياه نظيفة للشرب في العراق لوحدها بـ 16 ألف مليون دولار خلال السنوات الأربع القادمة، ولا تتوفر لديه اعتمادات مالية كافية لإدارة الوزارات العراقية المختلفة.

ولئن اجتازت إدارة الرئيس بوش الورطة الدبلوماسية وأفلحت في إقناع المجتمع الدولي بالتعاون في مقابل الاستجابة بشكل معقول ومقبول للمطالب الفرنسية، فلن يُـسفر ذلك عن تدفق فوري للقوات المتعددة الجنسيات والتبرعات السخية من الدول المانحة، إذ لا يتوقع خبراء وزارة الدفاع الأمريكية أن يزيد عدد القوات المتعددة الجنسيات عن 15 ألف جندي، ويُـدركون أن المهام المحفوفة بالمخاطر ستبقى من نصيب القوات الأمريكية.

وقد لخص السناتور الديمقراطي، كنت كونراد، العضو البارز في لجنة الميزانية التابعة لمجلس النواب الأمريكي خلاصة الورطة المالية التي تواجه الولايات المتحدة حاليا بقوله "إن مبلغ الـ 87 مليار دولار التي طلبها الرئيس بوش تم تقديره على أساس افتراض أن الدول المانحة ستقدم باقي احتياجات إعادة الإعمار وتقدر بـ 42 ألف مليون دولار، بينما كل ما تلقّـته الولايات المتحدة من تلك الدول هو 300 مليون دولار من كندا، مع العلم بأن إجمالي التعهدات من تلك الدول لم يزد عن ألفى مليون دولار".

محمد ماضي - واشنطن


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×