التجاذب الحزبي مُـوهن للعمل الشعبي

أثبت المغاربة في العديد من المناسبات قُدرتهم على التعبير بشكل موحّـد وحضاري على تضامنهم مع فلسطين والعراق. فهل سيتواصل هذا المدّ؟ Keystone

تنعكس الصراعات السياسية في الساحة المغربية على التحركات الشعبية ونشاطات المجتمع المدني المؤيّـدة لهذه القضية أو تلك.

هذا المحتوى تم نشره يوم 27 مارس 2004 - 18:16 يوليو,

وتكشف أطوار التحضير لمسيرة شعبية في الرباط احتجاجا على اغتيال إسرائيل للشيخ أحمد ياسين عن عُمق الخلافات التي أضحت تشقّ القوى الرئيسية المغربية.

كشف التعبير الشعبي المغربي عن إدانة واستنكار اغتيال الشيخ أحمد ياسين، الزعيم الروحي لحركة حماس، عن الوهن الذي أصاب العمل الشعبي المغربي وانعكاس الانتكاس الذي تعيشه الحياة الحزبية على هذا الشكل من العمل المجتمعي.

فمنذ الساعات الأولى التي أعقبت اغتيال قوات الاحتلال الإسرائيلي للشيخ أحمد ياسين فجر يوم 22 مارس، والتباين واضح بين مكونات الفعل السياسي المغربي في كيفية التعبير عن موقف الشعب المغربي، قبل أن يتأكّـد في الدعوة إلى تنظيم مسيرة شعبية يوم السبت 27 مارس الجاري.

من أجل فلسطين

تَـمثّـل العمل الشعبي المغربي لدعم فلسطين منذ عام 1968 بالجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني التي تضم الأحزاب السياسية الفاعلة، والنقابات العمالية، وجمعيات حقوقية وثقافية. واستطاعت هذه الجمعية، التي أسِّـست في بداية الاهتمام العربي بالكفاح الفلسطيني المسلح الذي تصاعد بُـعيد حرب يونيو 1967.

لم يكن عمل الجمعية ونشاطها مرفوضا من السلطات الرسمية، وإن أبدت أحيانا انزعاجها من موقف أو نشاط مُـحرج للجمعية، إلا أن هذه المنظمة استطاعت، وعلى مدى 34 عاما، أن تكون إطارا وحيدا يجمع كل مُـكونات العمل الحزبي المغربي.

فخلال هذه السنوات، تباينت الرؤى السياسية بين الأحزاب التي كانت افكارها تنتمي أيديولوجيا من أقصى اليسار الماركسي إلى الفكر العروبي الاسلامي. وكانت مواقف الأحزاب المغربية المُـكوِّنة للجمعية تُـجاه القضايا والتطورات السياسية المغربية تتباين، وأحيانا تتصادم.

كان بعضها يذهب في علاقته بالسلطة إلى حدّ المشاركة في الحكومة، في حين يكون بعضها الآخر يبعد في هذه العلاقة إلى حد المواجهة، لكنهم جميعا كانوا يجلسون على طاولة واحدة ويخرجون في مسيرة واحدة يدا بيد، إذا كان ذلك من أجل فلسطين.

كانت الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني نموذجا يُـقدم للفاعلين العرب في الميدان السياسي والمجتمعي العربي صورة باهرة عن كيفية التوحد حول قضية تحمل صفة التقديس ما دامت قضية عادلة، وقضية شعب مظلوم ومضطهد.

قوى سياسية جديدة

وإذا كان صانع القرار المغربي حاول في منتصف التسعينات، بعد اتفاقية أوسلو، تفكيك الجمعية لأن الفلسطينيين وصلوا، على حد تقديره، إلى حقوقهم، فإن مُـكونات الجمعية كانت تُـدرك أن ما تُـخفيه المحاولة هو فكّ الارتباط بين الشعب المغربي والقضية الفلسطينية من جهة، وتفكيك التوافق بين مُـكونات الجمعية وما يعنيه ذلك من تأثير على الحياة السياسية الداخلية، بعد أن كان واضحا أن هذه المكونات ذاهبة باتجاه تَـولّـي مسؤولية تدبير الشأن العام.

هذه الحالة المغربية التي استمرت ثلاثين عاما وكان الفاعل السياسي المغربي يقدمها نموذجا ويعتز بها، عرفت خلال السنوات الماضية حالة من التبدّد والضعف بعد بروز مكونات سياسية جديدة شغلت شيئا فشيئا حيزا معتبرا في المشهد السياسي المغربي، والمقصود تحديدا الجماعات الأصولية المعتدلة والمتشددة.

كانت البدايات في نهاية ثمانينات القرن الماضي، حين بدأت تُـسمع في نشاطات جماهيرية لدعم الشعب الفلسطيني، إن كان تجمعا أو مهرجانا أو مسيرة، شعارات تحمل صبغة أصولية.

ثم أخذت هذه الشعارات تمتدّ لتُـهيمن فيما بعد وتصبح الصوت الأعلى مع تشكيل الأحزاب الديمقراطية لحكومة التناوب عام 1998 في إشارة إلى المكانة التي بدأت تحتلها في الشارع، واتساع تأثيرها في أوساط الشباب وفي الأحياء الهامشية التي تُـشكّـل الحقل الخصب للنشاط السياسي.

الخوف من التقاسم..

بدأت التيارات الأصولية المغربية تُـطالب بحقّـها في هياكل الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني، التي يشكّـل ناشطوها السواد الأساسي من المشاركين في نشاطات الجمعية، في المقابل، كانت القوى الديمقراطية المُـهيمنة على هياكل الجمعية تأبى خوفا من أن يكون التقاسم خطوة نحو الاستحواذ.

وكانت النشاطات الجماهيرية التي شهِـدتها الساحة السياسية المغربية طوال السنوات الثمان الماضية دعما لفلسطين أو للعراق تـمر دون تصادمات أو مماحكات تؤثّـر على البُـعد المعنوي والتأثير السياسي لمختلف التحركات.

وكان النشاط الجماهيري المغربي دائما يحمل دويا هائلا، ويتسم ببُـعد حضاري، إذ كان يصعُـب تصور مئات الألوف من البشر في الشارع التجاري الرئيسي للعاصمة الرباط دون أي تخريب أو مس أو تصادم، سواء كان ذلك بين المشاركين بالنشاط أو بين المشاركين وقوات الشرطة.

وإذا كان هذا الحال استمر، فإن ما سبقه كان يتّـسم بالمشاحنة والضغوطات المتبادلة بين التيارت الديمقراطية التي واصلت هيمنتها على الجمعية والتيارات الاصولية التي شكلت فيما بينها، (دون أن تقول إنها تمثل بديلا عن الجمعية)، "المجموعة الوطنية لمساندة العراق وفلسطين".

مواجهة سياسية.. مؤجّـلة

وبعد نبـإ اغتيال الشيخ أحمد ياسين، بدأت كل جهة في إجراء الاتصالات للتفكير في كيفية التعبير عن إدانة واستنكار الجريمة بحق زعيم حركة حماس، وتعددت المقترحات من وقفة احتجاجية أمام السفارة الفلسطينية، وأمام مقر الأمم المتحدة، إلى أمسية شعرية للشاعر الفلسطيني سميح القاسم، ثم أعلنت الجهتان عن تنظيم مسيرة شعبية بالرباط يوم السبت 27 مارس الجاري.

وفيما قالت الجمعية إن مسيرتها ستنطلق في الساعة التاسعة صباحا، حددت المجموعة موعدا آخر على الساعة الثانية ظهرا، وفي الأثناء، أجريت اتصالات مكثفة بين الطرفين ليتم الاتفاق في الأخير على تنظيم مسيرة مُـوحدة بشعارات مشتركة على الساعة الواحدة ظهرا.

هذا الاتفاق أجّـل اندلاع مواجهة سياسية مُـحتملة، لكنه لم يُـنهها، لأن كل فاعل سياسي مغربي معني بالقضية الفلسطينية ويمارس من أجلها نشاطا جماهيريا، يُـدرك أنها قضية تُـشكّـل مقياسا لمدى ثقل هذا الفاعل في الحياة السياسة الوطنية وجماهيريته. لذلك، فإن كل طرف يسعى ليجعل من الجهة التي ينشط فيها، الإطار الأقوى للتعبير عن الموقف المغربي من تطورات القضية الفلسطينية.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة