تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الحب في زمن الإنترنت

ألحب عبر الانترنت

(swissinfo.ch)

نظرة فلقاء فتعارف فزواج. إذا كانت هذه هي معادلة الحب في زمن الرومانسية، مع اختلاف درجات وأساليب التعارف المسموح بها وفقا للتقاليد المجتمعية السائدة، فإن ابتكار الإنترنت أدخل عنصرا جديدا في المعادلة السابقة غابت معها حواس النظر والسمع والنطق في التلاقي، وحلت شاشة الكمبيوتر محل اللقاء الفعلي.

الأسلوب المباشر الذي يفترض لقاء الجنسين وجها لوجه كان ولازال الأسلوب الأكثر انتشارا واستخداما حتى اليوم في إقامة العلاقات العاطفية. لكن سنة التغير في الحياة وبروز الابتكارات التكنولوجية بدأت تفرض نفسها حتى على أساليب اللقاء بين الشباب. جهاز الكمبيوتر دخل حلبة التواصل وتحولت معه شبكة الإنترنت الإليكترونية إلى أداة فعالة لإلغاء حاجز المكان ، وبه اصبح من الممكن العثور على شريك أو شريكة الحياة.

هل ترغب في الزواج؟ هل تشعر بالوحدة؟ كلها أسئلة تطرح في شبكة الإنترنت الإليكترونية وانبثقت معها خدمات وشركات تسعى إلى توفير الخيارات والبدائل لإرضاء الزبون. بعض هذه الخدمات أصبح متوافرا في العالم العربي ، مثل مواقع الزواج والتعارف والحوار الإسلامية والعربية، والتي حلت على ما يبدو محل الخاطبة في الجمع بين الجنسين. فهل يمكن بالفعل إقامة علاقة بين شخصين عبر شاشة الكمبيوتر؟

قصة زواج عربية عبر الإنترنت

فراس النابلسى وزوجته سوزى شابان سوريان تزوجا عام ثمانية وتسعين في الولايات المتحدة. قصة حبهما قد تبدو على رغم جمالها عادية. شاب وشابة، تجمعهما الهوية والثقافة العربية، قررا الزواج لتلتحم الجذور في المهجر. عنصر التجديد أو الغرابة في حكايتهما هو في الأسلوب الذي من خلاله نمت عاطفة الحب التي جمعتهما. فقد تعرفا على بعضهما من خلال شبكة الإنترنت.

فراس هو طالب جامعي قدم إلى ولاية فيرجينيا في منتصف التسعينات للتخصص في مجال إدارة الأعمال. أما زوجته فهي ولدت في الولايات المتحدة لأبوين سوريين وكانت قبل تعرفها على زوجها تدرس في جامعة في ولاية شيكاغو وتبلغ من العمر آنذاك ثمانية عشره عاما. وبالرغم من المسافة الفاصلة بين فيرجينيا وشيكاغو تمكن ألاثنان من التعارف عام ستة وتسعين من خلال موقع للحوار المباشر، الدردشة.

التفكير في الزواج لم يكن واردا في ذهن كل من فراس وسوزى. فالمسألة برمتها بدأت عن طريق الصدفة. تشرح سوزى ظروف لقائها بزوجها: "لقائي بفراس جاء عن طريق الصدفة. فقد لفت انتباهي موقع على الشبكة أنشأه صديق لفراس ووضع فيه إعلان عن قناة سوريا للحوار المباشر، وهى قناة مخصصة للأشخاص من ذوى الأصول السورية. تحولت إلى الموقع مباشرة ووجدت عدة أشخاص يتحاورون معا. كانت هذه هي المرة الأولى التي تحاورت فيها من خلال موقع للدردشة. تحدثت في البداية مع شخصين، الأول اصبح صديقا لزوجي أما الشخص الثاني فكان فراس، زوج المستقبل."

الحوار الأول بين فراس وسوزى كان حاسما في استمرارهما في التحاور فيما بعد. تقول سوزى:"في الليلة الأولى التي تحاورنا فيها، تحدثنا... أو تكاتبنا بالأحرى عبر شاشة الإنترنت لمدة أربع ساعات. نعم.. أربع ساعات. فقد كان الحوار ممتعا جرى فيه الوقت في تسابق ونحن غير عابئين به. ولو أردت الصدق، فقد شعرت بنوع من الإحراج أو الغرابة، فقد كنت أكاد أكون الفتاة الوحيدة المشاركة في قناة سوريا.. طبعا الوضع تغير ألان، حيث تزايدت أعداد الفتيات ممن يشاركن في قنوات الدردشة بصورة كبيرة. لكنني أحسست آنذاك بنوع من عدم الارتياح. ربما لحداثة الأسلوب. كان من المهم جدا أن أتأكد من نوعية الأشخاص الذين أتحاور معهم ومن نواياهم، فقد يسعى الشاب في حديثه إلى الوصول إلى أغراض غير شريفة. فالحذر واجب."

ضرورة الحذر أو التمييز هي الخاصية الأولى التي يؤكد كثير من الخبراء على ضرورة التحلي بها عند الدخول في حوارات عبر مواقع الدردشة. فمالذي جعل سوزى، في ظل عدم خبرتها بقنوات الحوار وصغر سنها، مالذى جعلها تثق بفراس رغم كل شئ؟ ترد:"لقد طرح الكثيرون هذا السؤال علي، والإجابة مرتبطة بمقدرة الإنسان على التمييز، فإذا كان المرء معتادا على استخدام مواقع الحوار فإنه سَيكون مع الوقت خبرة تؤهله لمعرفة نوعية الأشخاص التي يحادثها..... الفرق في حالتي أنا، هو أنني كنت استخدم قناة للحوار لأول مرة في حياتي. ولذا لم أكن في البداية متأكدة من حكمي عليه. أعطيك مثلا للتوضيح... الكثير من الشباب عندما يتحاورون مع فتاة على شبكة الإنترنت يستفسرون منها عن شكلها وهيئتها. هذا أول ما يخطر على بالهم. لكن فراس لم يفعل ذلك، كان اهتمامه الأساسي بشخصي وكياني كإنسانه... وهذا جعلني اشعر بالارتياح والثقة به."

بعد حوارهما الأول أستمر الاثنان في استخدام قناة الحوار، والكتابة أيضا عبر البريد الإليكتروني، لفترة سبعة اشهر متواصلة لتنشأ بينهما صداقة قوية قوامها احترام متبادل. لكن مشاعر أخرى بدأت في البروز. عند سؤال فراس النابلسى عما إذا كان خلال فترة السبعة أشهر من التواصل الكتابي عبر الإنترنت قد أدرك فرادة وخصوصية شخصية سوزى أجاب:"طبعا. كان هذه الإحساس دائما متواجد. وكان هذا هو السبب الذي شجعني أن أسعى بعد تلك الفترة إلى التعرف عليها شخصيا وأتخذ قرارا بالسفر إلى ولايتها للقائها. إعجابي بها كان لسببين، الأول متعلق بشخصيتها وصدقها وعفويتها.. أما الثاني فيرتبط بكونها عربية تعيش في الولايات المتحدة ومتمسكة بتقاليدها العربية..... أما كيف تمكنت من رؤيتها من خلال الأسطر التي كتبتها.. فقد حدث ذلك من خلال نقا شاتنا حول مواضيع متعددة ومختلفة.. كان هناك لقاء فكرى واضح بيننا وتشابه كبير في آراءنا ... كما ذكرت من قبل، لم نفكر نحن الاثنان في الزواج عن طريق الإنترنت... حدث ذلك بدون قرار مسبق.. مثل أي شخصين تقابلا وأعجبا ببعضهما البعض."

ردة فعل الأهل

العلاقة التي ربطت بين فراس النابلسى وزوجته سوزى مرت بمراحل متعددة. فقد بدأت بصداقة قوية تطورت عبر الشهور إلى إعجاب سرعان ما تحول إلى شعور خاص يقترب من الحب. لكن الخوف من تدمير علاقة الصداقة بينهما منعهما من البوح بتلك المشاعر. ثم انقلب الحال. تحكى سوزى:"التحول حدث بعد سبعة اشهر عندما طلب فراس أن يقابلني لأول مرة. وببساطة شديدة قال لي إنه يفكر في الزواج منى. كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة لي.. بل إنني لم أتمالك نفسي من الضحك لأنه كان قد أكد لي في السابق أنه لا نية لديه فى الزواج في الوقت الحالي. وبطبيعة الحال شعرت بالفرحة، وقلت له إنه لا مانع لدى، لكن كان على أولا الحديث مع والدي.. وهنا كانت الصعوبة الأساسية."

مبعث الصعوبة كان فى أسلوب لقاءهما. فلم يكن اللقاء عبر شبكة الإنترنت وسيلة متعارف عليها آنذاك. تشرح سوزى: "كان اللقاء عبر الإنترنت أمرا غير عادى. كان نادر الحدوث بين السكان العرب في ولاية شيكاغو. ما أعنيه أنني قبل زواجي كنت أعيش مع أهلي في منطقة أغلبيتها من الأسر العربية ... وبطبيعة الحال فإن بيئتنا محافظة تتمسك باحترام تقاليدنا وعادتنا العربية. ولكون الجميع يعرف الجميع فقد كان من السهل انتشار الإشاعات. ومن هذا المنطلق لم يرغب أهلي في إثارة الأقاويل حولي."

لكن الانزعاج الذي واجهت به أسرة سوزى خبر علاقتها بفراس ورغبتهما في الزواج كان سببه أيضا أن فراس وسوزى بالرغم من حواراتهما المتواصلة لمدة سبعة اشهر عبر الإنترنت، لم يلتقيا وجها لوجه على الإطلاق. والاهم، لم يسعيا حتى إلى تبادل صورهما لمعرفة الشكل الخارجي لشريك حياة المستقبل. هذه النقطة أثارها والد سوزى:"سألني آبي إذا كان فراس قد رأى صورتي. فأجبته بلا. فقال أبى، ربما من الأفضل أن ترسلي له صورتك. سألته: لماذا؟ أجاب: الشاب سيقطع مسافة طويلة ويسافر من ولاية فرجينيا إلى ولاية شيكاغو، فمن الأفضل أن يعرف على الأقل شكل من سيطلب يدها."

تبادل الصور جاء مؤكدا لمشاعر فراس وسوزى لكنهما حرصا على اخذ الأمور بهدوء. فالاحتمال كان كبيرا في أن لا يعجب أحدهما بالأخر عند لقاءهما وجها لوجه. تشرح سوزى:"نعم لقد تعرفنا على بعضنا لفترة كافية، لكن ذلك تم عبر الإنترنت. لم نتمكن لذلك من التعرف على طريقتنا في الحديث أو الكلام، في التعبير عن أنفسنا، لم نتواجد معا في مكان واحد من قبل ولم نعرف كيف يتفاعل الأخر عند الحديث... لذلك اتفقنا أنه في حال انعدام القبول أو الانسجام عند لقاءنا وجها لوجه أن نظل بالرغم من ذلك أصدقاء."

كل هذه شكوك ثبت عدم صحتها. فقد حدث القبول من الوهلة الأولى وتقدم فراس طالبا يد سوزى من والدها. وتم الزواج.

إيجابيات ومحاذير

سوزى نابلسى ترى أن هناك إيجابيات عديدة للأسلوب الذي التقت به زوجها... أسلوب التحاور والتعارف عبر شبكة الإنترنت. من هذه الإيجابيات أن عنصر الشكل الخارجي يتراجع في أهميته. إذ تتاح الفرصة للفرد للتعرف على شخصية الطرف الأخر وطبائعه وصفاته بعيدا عن تأثيرات الجمال والجسد. وهو أمر هام جدا، تقول سوزى، لأنه يؤدى إلى خلق بيئة ملائمة لبذر التوائم العقلي والروحي. أما فراس النابلسى، فهو يشدد على أهمية الحرص عند استخدام هذا الأسلوب. فقد يشتمل على خطورة كبيرة جدا خاصة وأنه من الصعب الثقة بشخصية المحاور في حال عدم معرفة الإنسان بالأخر بصورة جيدة. وحدثت قصص كثيرة خدع فيها المحاور الطرف الأخر وانتحل شخصية لا تمت إليه بصلة.


رأى علمي في علاقات الحب والزواج عبر الإنترنت

يرى الدكتور يحي الرخاوى، أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة، أن أسلوب الزواج عبر الإنترنت له جوانب إيجابية وسلبية. إيجابيا، أتاح هذا الأسلوب مجالا جديدا للشاب والشابة للالتقاء والتحاور. فقديما كانت فرص اللقاء تنحصر في مكان العمل والدراسة أو المناسبات الاجتماعية. أما اليوم، فقد أصبحت فرص التعارف كبيرة جدا وببمجرد الضغط على لوحة مفاتيح الكمبيوتر. لكن المشكلة في هذا الأسلوب تبدأ عندما يسعى الفرد إلى استبدال العلاقة الإنسانية الحسية والواقعية بعلاقة إليكترونية بحتة رافضا إكمال الطريق إلى أخره، أي إتمام العلاقة وتتويجها بالزواج. ويدلل الدكتور الرخاوى على حالات يعرفها استغنى فيها الأشخاص بالعلاقة الإليكترونية عن الوجود الحي الحميم والقريب للإنسان وفضلوا البقاء في عالم من الخيالات والأوهام بعيدا عن الواقع.

وماذا عن مصداقية أسلوب التحاور والتعارف عبر الإنترنت لاسيما وأن الكتابة عبر شبكة الإنترنت تتيح المجال للفرد لاختيار كلماته وربما تزو يقها. ألا يخلق ذلك توقعات مسبقة ربما لا تكون واقعية عن الشريك لدى الطرف الأخر؟

يرد الدكتور الرخاوى بأن عامل المصداقية يطرح في كل المجالات، في السياسة وكرة القدم وكذا في الإنترنت . لذا يتوجب على المتلقي أن يدرب عقله الناقد على التمييز بين الغث والسمين عند التحاور مع الطرف الأخر. ويلفت إلى أن استخدام ملكة التمييز والنقد يظل افضل من اللجوء إلى الخاطبة التي قد تسعى إلى تزو يق الواقع بحثا عن عمولتها، وعلى الباحث مسئولية الاختيار، فالإنترنت، يضيف الدكتور الرخاوى، لم يسهل علينا فقط إمكانية الحصول على المعلومات بل وضع على عاتقنا مسئولية اختيار وفرز هذه المعلومات.


إلهام مانع

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك