الحملة الإنتخابية تصطدم بعزوف التونسيين

رغم غياب التشويق والمنافسة الحقيقية، تحرص السلطات التونسية منذ عام 1956 على إجراء الإنتخابات في مواعيدها المقررة swissinfo.ch

لم يبق سوى القليل عن يوم 24 أكتوبر الذي سيتوجه فيه التونسيون إلى صناديق الاقتراع، بغرض التصويت لولاية رابعة للرئيس بن علي تمتد لفترة خمس سنوات أخرى.

هذا المحتوى تم نشره يوم 19 أكتوبر 2004 - 17:28 يوليو,

والمعروف، أن حزب التجمع الدستوري الحاكم سيحصل على 80% من المقاعد البرلمانية، فيما تتقاسم الأحزاب المشاركة في الانتخابات بقية المقاعد.

المعضلة التي واجهت ولا تزال الحملة الانتخابية ومرشحيها، كونها تدور بعيدا عن اهتمامات المواطنين التونسيين. فهؤلاء الذين نادرا ما شغلتهم أمور السياسة، لا يجدون وقتا ولا رغبة لحضور اجتماع انتخابي، حتى لو كان هذا الاجتماع منعقدا في مكان قريب منهم.

إنه رمضان الموزع بين صوم النهار، وزحمة الأسواق وحركة المرور، ثم إفطار وارتخاء ثم صلاة وسهرة عائلية أو بإحدى المقاهي، لذلك فلا مجال للسياسة، خاصة إذا كانت هذه السياسة تكرارا لشريط مألوف، ونتائج معلومة سلفا.

ومع ذلك، حاولت جميع الأطراف المشاركة في الحملة التي انطلقت يوم 10 أكتوبر أن تُـلفت انتباه التونسيين بوسائل مختلفة، إذ نزل الحزب الحاكم بكل ما تحمله الدولة من ثقل. فغير مشهد الشوارع من خلال تعليق مئات الآلاف من الأعلام الحمراء والبنفسجية، وصور مرشحي التجمع الدستوري الديمقراطي، وفي مقدمتهم الصور العملاقة للرئيس بن علي.

لا أثــر يُـذكـر

جاءت ضربة البداية مع خطاب مطول، استعرض فيه الرئيس بن علي برنامجه الانتخابي الذي تضمن 21 نقطة و188 إجراء في مختلف القطاعات. كان خطابا مفعما بالثقة، لم يتضمن مفاجآت ذات طابع سياسي، ولم يقدم وعودا ترضي، ولو جزئيا الأوساط الديمقراطية الاحتجاجية، التي تجاهلها بشكل كامل، ولم يرد على اتهاماتها وهجومها الشامل على كل مقومات نظام الحكم.

وهكذا، حافظ الخطاب الرسمي على استمراريته وإعطاء الأولوية للملفات الاقتصادية والاجتماعية، حيث سيحتل موضوع البطالة صدارة الأولويات خلال المرحلة القادمة. أما بالنسبة للنظام السياسي، فإن القائمين عليه يعتقدون بأن ملامحه وخصائصه قد اكتملت منذ عام 1994، ولم يعد، حسب اعتقادهم، في حاجة إلى إصلاح أو مراجعات جوهرية. لهذا اكتفى الخطاب الرئاسي بتقديم وعود بـ "إعطاء دفع جديد للديمقراطية المحلية" ومزيد "دعم صحافة الأحزاب" و "دفع المبادرة الخاصة في قطاع الإعلام" وتقديم "تسهيلات للجمعيات".

في المقابل، تكاد حملة بقية المرشحين للرئاسة (وهم محمد بوشيحة عن حزب الوحدة الشعبية ومنير الباجي عن الحزب الإجتماعي التحرري ومحمد علي الحلواني من حزب التجديد عن "المبادرة الديمقراطية") أن تُـختتم دون أن يكون لها أي أثر يُـذكر على الحياة السياسية التونسية.

وإذا كانت الصحافة المحلية (غير الموضوعية وغير المتوازنة في تغطيتها للحملة) قد حملتهم فشل ذلك، وتغافلت عن التذكير بأنهم لا يتمتعون بنفس إمكانيات مرشح الحزب الحاكم، حيث لم تخصص لهم وسائل الإعلام سوى مساحات صغيرة، ولم تتبرع لهم التلفزة بفائض خارج الحيز الزمني الذي يضبطه القانون الانتخابي، ولم تنظم مناظرات بين المرشحين، ولم تخصص أية برامج لتحليل مواقفهم وبرامجهم.

شيء من النقد

باختصار، لم يحصل حوار أو سجال سياسي، مما أضفى على الحملة طابعا رتيبا، حيث تتجاور البيانات الانتخابية، ولا تتقاطع أو تتحاور. هذا لا يمنع المراقب من أن يلاحظ الضعف الذي اتصفت به بعض تدخلات هؤلاء المرشحين الذين زادوا من تعميق الحيرة حول إشكالية البديل السياسي، وإن كانت مشاركة مرشح "البديل الديمقراطي" (محمد علي الحلواني) قد تميّـزت بالجرأة والتحدي، رغم حديثه عن "انسداد الأفق وطغيان الصوت الواحد". كما تمكن هذا المرشح من تنظيم بعض الإجتماعات العامة الناجحة نسبيا، حيث عبر عدد من الشخصيات الفكرية والنشطاء عن دعمهم لترشحه ووصفوا مبادرته بأنها "جريئة" وتستحق المساندة لمواجهة الخيار الذي وصفوه بـ "رئاسة مدى الحياة".

وفي هذه الأجواء، اخترقت بعض الأصوات الجدار السميك للإذاعة والتلفزيون الرسميين مثل مرشحي "حركة التجديد" (الشيوعي سابقا) و"الحزب الديمقراطي التقدمي" الذين سُـمح لهم بنوع من النقد الموجّـه لمرشح الحزب الحاكم وللأوضاع السياسية من غياب حرية التعبير والصحافة.

كما أن بعض التونسيين الذين استمعوا لمرشحي بعض أحزاب المعارضة يطالبون عبر الإذاعة والتلفزيون بسن عفو تشريعي عام وإطلاق سراح المساجين السياسيين وعودة المغتربين لم يصدّقوا آذانهم أو ظنوا بأن هذه الأصوات تصلهم من قنوات خارجية قادمة من بعيد.

في انتظار التحول الديمقراطي

من جهة أخرى، حاول المعارضون المطالبون بمقاطعة الانتخابات إبلاغ أصواتهم إلى التونسيين من خارج الحدود، سواء من خلال التجمعات التي نظموها في كل من باريس وجنيف، أو من خلال بعض الفضائيات العربية.

لقد عملوا على تجاوز خلافاتهم، ولو بشكل مؤقت، وسعوا إلى إقناع مواطنيهم بعدم المشاركة فيما يطلقون عليه "المهزلة الانتخابية". ورغم أن نداءاتهم الموجّـهة من خلال قنوات "الجزيرة" و"العربية" و"الحرة" قد وصلت للبعض بشكل متقطع، إلا أن أسبابا كثيرة متداخلة ومعقدة قد لا تسمح للكثير من التونسيين بالاستجابة لنداءاتهم.

لا يختلف اثنان حول ضعف المعارضة وفشلها حتى الآن في التنسيق بين فصائلها أو بالأحرى بين قادتها، لكن المراقبين العارفين بالساحة التونسية لا يمكنهم تحميلها لوحدها مسؤولية الانحسار الذي تعاني منه.

فالانتخابات الديمقراطية تُـعطي فرصا متكافئة، وتوفر مناخا مختلفا، ومع ذلك، ستجد هذه المعارضة نفسها مضطرة بعد غلق قوس هذه الانتخابات لتُـعيد النظر في أساليبها، وأن تفكر بشكل أكثر جدية في البحث عن استراتيجية للتغيير تكون مختلفة كثيرا عما قامت به إلى حد الآن، فلا يمكن أن يتحقق تحول ديمقراطي عميق بمعارضة هزيلة ومشتتة.

صلاح الدين الجورشي - تونس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة