Navigation

الدروس العسكرية للأسبوع الأول من حرب لبنان

شرطي إسرائيلي يعاين أثار القصف الذي تعرضت له بناية في حيفا يوم 17 يوليو 2006. Keystone

لن يعود "مسرح عمليات" الشرق الأوسط إلى ما كان عليه بعد حرب "يوليو 2006" الدائرة في لبنان.

هذا المحتوى تم نشره يوم 20 يوليو 2006 - 08:02 يوليو,

فقد أفرزت تلك "الحرب غير التقليدية" خلال أسبوعها الأول، دروسا عسكرية محيّـرة ستمارس تأثيرات هامة على عمليات صنع القرار والتخطيط العسكري.

لقد أفرزت تلك "الحرب غير التقليدية" خلال أسبوعها الأول، دروسا عسكرية محيّـرة ستمارس تأثيرات هامة على عمليات صنع القرار والتخطيط العسكري، وإدارة العمليات مستقبلا في انتظار الدرس الأكبر الذي قد يمثل انقلابا حقيقيا في مفاهيم استخدام القوة المسلحة بالمنطقة، وهو "النتيجة النهائية" للحرب.

لقد كان الشرق الأوسط عبر تاريخه الحديث "مسرح عمليات" أكثر منه نظاما إقليميا. فقد تغيّـرت حدوده الجغرافية عدّة مرات، تبعا لحركة الجيوش ونتائج الحروب، وكانت لكل حرب، نظامية أو غير نظامية جرت على ساحته، دروس مستفادة أو غير مستفاد منها، لكن المشكلة أن حروب الإقليم – التي لم تتوقف أبدا – كانت تغيّـر أشكالها عبر الزمن.

ولقد انفجرت خلال السنوات الأخيرة موجَـة من الحروب اللا متماثلة Asymmetrical Wars. فجيوش حديثة تُـقاتل جيوش تقليدية، وقوات نظامية تواجه ميليشيات مسلّـحة، ومؤسسات أمنية تقاوم شبكات إرهابية، ويستخدم كل طرف عناصر تفوقه في ظل قواعد اشتباك مختلفة، وهنا تكثر أخطاء التقدير، وتتعقّـد ألعاب الحرب، وتُـسيطر حالة عدم يقين، والأهم أنه تحدث المفاجآت.

مفاجآت الحرب

ولقد جاءت كل مفاجآت حرب لبنان تقريبا من جانب "حزب الله". فعلى الرغم من وجود قناعة مستقرة بأن حزب الله قد حقق إنجازا تاريخيا في جنوب لبنان بالضغط العسكري المحسوب المتواصل على إسرائيل، بما أدّى إلى انسحابها من جانب واحد عام 2000، إلا أن أحدا لم يكن يتخيّـل أن حزب الله قادر بالفعل على اختراق "المحرمات العسكرية" التي بدت وكأنها مسلّـمات لفترة طويلة.

لقد أحيطت العسكرية الإسرائيلية خلال مسيرة الصراع بمجموعة من الأساطير على غرار "الجيش الذي لا يُـقهر"، و"الداخل غير العميق بعيد المنال" و"جيش الموجة الثالثة" الصغير الذكي، وقد تعرّضت بعض تلك الأساطير لتحديّـات كبرى، كما حدث في حرب أكتوبر 1973، إلا أن بعضها مستمر، على الأقل لأنه لم يُـختبر، وقد تولّـت عمليات لحزب الله هذه المهمة، فيما شكّـل مفاجأة حقيقية. فدبابة شديدة التطور تدمّـر لدى أول تحرك لها خارج حدود إسرائيل، وقطعة بحرية (سعر 5) لديها مقاومات متقدمة تستهدف من الشاطئ.

لكن الأكثر أهمية على الإطلاق، هو قيام حزب الله بمهاجمة مُـدن الداخل الإسرائيلي، كطبرية وحيفا وعكا، حتى عمق كبير، وإحداث خسائر حقيقية باستخدام صواريخ تعتبر – وفق التقييمات العسكرية التقليدية – "أسلحة إزعاج"، ليظهر عمليا أن إسرائيل تعاني نقاط ضعف قاتلة، وأنه لا يوجد دفاع غير قابل للاختراق، وهي دروس ستؤثر على تصوّرات إسرائيل لأمنها مستقبلا، وتصوّر الدول الأخرى لحدود الممكن وغير الممكن معها.

أدى ذلك إلى نتائج مباشرة. فقد تمّـت قراءة الموقف بسرعة من جانب العواصم المناوئة، فتحولت سياسة دمشق فجأة من صيغة "لن ننجر، وسنرد على أي عدوان في الزمان والمكان الملائمين"، إلى صيغة "إننا سنردّ مباشرة، وبدون حدود". وصدرت تصريحات إيرانية تتحدّث عمّـا قد يُـلحق بإسرائيل من أذى شديد إذا هاجمت سوريا، في ظل ما بدا أنه اقتناع بأن أية إستراتيجية تعتمد على الأسلحة المضادة للدبابات والسفن، وأية أسلحة – ولو غير متطورة – قادرة على ضرب الداخل الإسرائيلي، يمكن أن تمثل رَدْعا مُـلائما. فالقضية ليست الموازين الرقمية أو نوعية التسليح، وما يجعل الأسلحة فعّـالة أمور أخرى أحيانا.

لكن لكي توضع الأمور في نِـصابها، فإن هناك حدودا عملية لمثل تلك "الدروس". فالقضية ليست تعرّض إسرائيل، لكن قدرتها على الرد. فمن الممكن إيذاء إسرائيل بشدة، لكنها تظل قادرة على الرد بعنف، وبشكل غير متناسب، كما أن المسألة برمّـتها لا ترتبط بعملية واحدة لضرب سفينة أو إسقاط طائرة أو استهداف مدينة، على نحو يثير حماس الرأي العام، وإنما بـ "حرب" شاملة طويلة لا يؤدّى فيها ضرب سفينة حربية إلى إنهاء الحصار البحري أو يؤدّى إسقاط طائرة إلى وقف الغارات الجوية، وقد لا يؤدّى فيها استهداف مدينة إلى انهيار في الداخل، كما تتناثر معلومات بأن المسألة أكبر من "حزب الله" وأن هناك مساعدات شبه نظامية إيرانية.

إلا أن الفكرة، رغم ذلك، تظل صحيحة، وهي أن "المحرّمات العسكرية" لم تعد قائمة، وأن سيناريوهات الحروب أصبحت مفتوحة، وأنه أصبح لدى المخطّـطين العسكريين حاليا ما يمكن أن يفكروا فيه طويلا.

مقررات تقليدية

ولقد كانت هناك مجموعة من الدروس التقليدية التي يمثل كل منها "حكمة شائعة"، لكن أحيانا يتجاهلها القادة، وتكون النتيجة في العادة مشكلة من نوع ما يصعب تداركها، منها ما يلى:

أولا، أن أي طرف يمكن أن يبدأ الحرب، لكن لا يمكنه أن ينهيها، وهو الدرس الذي يُـفترض أن حزب الله قد تعلمه بمجرّد اتّـضاح طبيعة الرد الإسرائيلي "الشامل" على عملية خطف الجنديين، وستبدأ إسرائيل في إدراكه شيئا فشيئا مع تطور الأعمال القتالية وطول فترة الحرب. فمشكلة الحروب هي أنه إذا كان طرف ما يمكنه أن يُـسيطر على سلوكه، فإن من الصعب بالنسبة له أن يُـسيطر على سلوك الآخرين، وبالتالي، فإنه يجب دائما أن يعرف ما يفعله، وأن يفكّـر فيما ينتظره، وأن يتوقّـع الأسوأ، فلا يوجد شيء في الحروب يتّـسِـم بالاعتدال.

ثانيا، أن الحرب أكبر من أن تترك للجنرالات، وهو الدرس الذي ستعاني منه إسرائيل في المرحلة القادمة. فحكومة "المدنيين" في إسرائيل قد رضخت نسبيا لضغوط وخُـطط الجنرالات فيما يتعلق بتوسيع نطاق الحرب، واستهداف بنية لبنان بصورة غير مبررة عسكريا، في ظل تعرض "الكرامة الحربية" الإسرائيلية لتحدّ غير مسبوق، لكن المفترض أن النتائج السياسية هي محدِّد حاكم كبير، وما يحدث حاليا ليس كذلك، فما يبدو ضروري عسكريا، أصبح ضارا سياسيا، وقد تؤدّي "أساليب الجنرالات" إلى تأمين إسرائيل عسكريا، لكنها ستؤدّي إلى توترات عنيفة تعمّـق السؤال الخاص بإمكانية التعايش معها في المنطقة، فالسياسة تنتظر بعد أن تسكُـت المدافع.

ثالثا، أن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى، وهو درس تجاهله حزب الله إلى حدّ كبير، عندما خاض حربا يوجد جدل حول "دوافعها". فمن الممكن القيام بعمليات في إطار سياسات الآخرين، وِفق النظرية الشائعة على الساحة العربية، لكن يصعُـب إطلاق حرب لاعتبارات لا ترتبط بمتطلّـبات مسرحها المباشر، كما لا يمكن الاستمرار في إدارتها بطريقة يبدو فيها اهتمام المقاتلين وكأنه لا يتركز دائما على النتيجة المطلوبة للحرب، وإنما على مجرد المعركة، وسوف تستمر "تلك الحِـكمة" أو منطقها العكسي، في إفراز نتائج غير تقليدية في ظل تصاعد الاتصالات الخاصة بوقف إطلاق النار. فتعقيدات السياسة تبرز أكثر كلما طال مدى الحرب.

لكن يظل أهم درس تقليدي في التاريخ القصير لحروب الموجة الأخيرة، يتعلّـق بنتائج الحرب. فلم تعد هناك انتصارات مدوية أو هزائم ساحقة في المواجهات المسلحة، وقد بدا أحيانا أن إسرائيل تأمل في الخروج بانتصار مدوي عبر القضاء على حزب الله أو نزع سلاحه على الأقل، كما أن حزب الله تحت الضغط قد يفكّـر بمنطق "النصر أو الشهادة" ليبدأ في إثارة حالة فزع دون اهتمام بما يدور حوله، أيا كانت النتائج، في ظل أنه يواجه معركة بقاء، ولا يزال هذا الدرس قيْـد الاختبار، لكنه لن ينتظر طويلا.

دروس خاصة

إضافة إلى ذلك، أوضحت حرب لبنان بعض الدروس الخاصة التي توجد خلفية لها في كثير من الحروب التي شهدتها ساحة الشرق الأوسط، لكنها بدأت في التقدم نحو الواجهة في "الحروب اللا متماثلة" التي شهدتها المنطقة في الفترة الأخيرة، كحالة العراق، والتي أدّت إلى كبْـح جِـماح دُول أو تيارات أو جماعات مختلفة كانت تفكّـر في أهداف تالية، أو تستسهل استخدام القوة المسلحة، أو تفخَـر بقدرتها على الإيذاء الإقليمي، أو تحارب معارك صغيرة يائسة داخل الدول، أو لديها أوهام قوة.

أحد تلك الدروس، هو أنه لا يجب الرّهان على السيناريوهات الممكنة أو المتصورة في كل الأحوال. فلم يعد من الممكن الارتكان تماما إلى الحسابات المستندة على خِـبرات قديمة أو تقديرات واثقة أو معلومات تبدو وكأنها مؤكّـدة، فالأقوال التي تنبّـه الأطراف المقبلة على احتمالات حرب أو التي تنوي تصعيد القتال أو التي تنتظر الجولة التالية بأن "تحذر مما لا تعرفه" أو أن "ما تنتظره قد لا يحدث"، أصبحت عناوين رئيسية للتخطيط العسكري حاليا، وهو ما واجهه الجيش الإسرائيلي وحزب الله معا منذ البداية، وسوف يظلا يواجهانه للنهاية، مهما بلغت تصوراتهما لدقّـة التقديرات الخاصة بقدرات وخسائر وإرادة ونوايا الطرف الآخر.

يرتبط بذلك درس خاص آخر شائع حتى في مباريات كرة القدم، وليس فقط في المعارك الحربية وهو "احترم الخَـصْـم"، وكثيرا ما يقرر عسكريو الحروب النظامية القديمة في المنطقة أنهم كانوا يتعاملون مع تلك الجُـملة القصيرة بجدّية، لكن في مثل تلك الحروب السيئة التي يقودها متعصّـبون أو تصل تفاعلاتها إلى المساس بالكرامة أو الاحترام أو المعتقدات أو حتى الأوهام، ربما يوجد تساؤل ما حول مدى حدوث ذلك، وثمة مؤشرات على أن هناك احترام اضطراري للخصوم في الحرب الحالية، لكن ربما لا يتم التعامل بنفس الجدّية مع ذلك الدرس بنفس القدر على الجانبين.

هناك أيضا الدرس الشهير الذي تعلمته الولايات المتحدة في العراق، وهو أنه يجب التخطيط للفشل بمثل ما يتم التخطيط للنجاح، والمشكلة أن أحدا في إسرائيل لا يتصوّر، حتى نهاية الأسبوع الأول على الأقل، أن الحرب قد تنتهي بنتيجة أخرى غير تلك المستهدفة بشكل عصابي، وإن كانت بوادر بعض الواقعية قد بدأت في الظهور، وليس لدى أحد فكرة محدّدة حول الكيفية التي يمكن أن يخطّـط بها حزب الله للفشل أو "تجرّع السم"، حسب تعبير الإمام الخمينى، في ظل ما يبدو أنه حتى تاريخه إنكار لوجود مشكلة تتعلّـق بدولة "جميلة" تدمّـر بشكل مفزع ومنظم، رغم إمكانية أن يكون الحزب لا يزال لديه كثيرا من المفاجآت.

على أي حال، سيظل هناك في النهاية ذلك الدرس الصّـارم الذي لم يتمكّـن أحد من تجاهله أبدا لفترة طويلة، في أي حرب، والذي ستتّـضح أهميته القصوى في المرحلة القاسية القادمة، واسمه "واجه الحقائق".

د. محمد عبد السلام - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.