تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الـمـعـادلـة التي طـُـويـت

ناخبة عراقية مقيمة في تركيا تُدلي بصوتها في مركز انتخابي مخصص للعراقيين المهاجرين في العاصمة أنقرة يوم 28 يناير 2005

(Keystone)

تتابع أنقرة بانتباه وتوجس النتائج المرتقبة للإنتخابات التي شهدها العراق المجاور في الثلاثين من يناير الماضي.

ومهما كانت تفاصيل النتائج النهائية للتصويت، يسود شعور في الأوساط السياسية والعسكرية التركية بأن المرحلة السابقة قد طويت نهائيا.

عندما رفضت تركيا، برلماناً ومؤسسة عسكرية، المشاركة في الحرب على العراق، كانت تضع نصب عينيها - إضافة إلى عوامل أخرى - الحفاظ على المعادلة التي كانت قائمة في عهد نظام صدام حسين.

فشمال العراق الكردي كان في ذلك الوقت تحت رحمة القوات التركية التي كانت أيضاً تتمتع بحرية الحركة ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني. وكانت كركوك، بتركمانها وثرواتها النفطية، خارج المنطقة الكردية وتابعة لبغداد. كما كانت وحدة البلاد، رغم شكليتها، قائمة دستورياً. بل إن العلاقات الاقتصادية كانت أكثر من جيدة بين أنقرة وبغداد.

إثر ذلك إندلعت الحرب، وسقط صدام حسين، ومعه سقطت ما كانت تسميه أنقرة "خطوطاً حمراً"، وظهر واقع جديد يشمل مزيدا من التأثير الشيعي، وتمدّد النفوذ الكردي، وتهميش التركمان، وخروج السنّة من مواقعهم السابقة.

وفي ظل الظروف الجديدة، كانت الدعوة إلى إجراء انتخابات الثلاثين من يناير 2005، إلا أنه، وعلى الرغم من التصريحات التركية المؤيدة لإجراء الانتخابات، فإن حكومة حزب العدالة والتنمية، في الواقع العملي، لم تكن تحبذ اجراءها في الظروف الراهنة. فهذه الانتخابات ستسفر عن ترسيخ المتغيّرات التي حصلت، وبالتالي ترسيخ خروج تركيا من المعادلة العراقيةبرمتها.

اعتراضات

تُختصر اعتراضات تركيا على اجراء الانتخابات بالنقاط التالية:

1 ـ ان الانتخابات في اقليم كردستان ستتحول، كما يقول عبد الله غول وزير الخارجية التركي، إلى ما يشبه الاستفتاء على استقلال كردستان وما يحمله ذلك من دلالات انفصالية تعتقد تركيا أنها تؤثر سلباً على أمنها القومي، كما صرّح نائب رئيس الأركان الجنرال إيلكير باشبوغ·

2 ـ إن الانتخابات ستكرّس اللعب بالواقع الديموغرافي في كركوك لصالح الأكراد الذين نجحوا في الاستحصال على موافقة المفوضية العليا للإنتخابات في العراق على مشاركة مائة ألف كردي مُرَحّل في انتخابات كركوك. لذلك فإن انتصار الأكراد بنسبة 68 في المائة، سوف يسبغ مشروعية قانونية للمطالبة بضم كركوك إلى المنطقة الكردية.

3 ـ واستتباعاً لذلك، فإن التركمان في المدينة، سيتعرضون، وفقاً لأنقرة للتهميش وعدم التمثل بما يناسب حجمهم.

4 ـ دعت أنقرة دائماً إلى مشاركة سنّية كثيفة في الإنتخابات حتى لا يستأثر الأكراد والشيعة بتقرير مصير العراق، سلطة ودستوراً. ولما رفض البعض من السنّة الدخول في العملية الانتخابية، كان ذلك ضربة أخرى لمصالح تركيا في العراق.

لقد كان لافتاً ارتفاع حدة الخطاب السياسي التركي تجاه مجمل مسار الانتخابات العراقية. فرئيس الحكومة رجب طيب أردوغان اتهم أميركا بانتهاك الديموقراطية وحذّر من امتداد الحريق العراقي إلى الشرق الأوسط، فيما اعتبر وزير الخارجية عبدالله غول ان لتركيا مسؤولية "منبثقة من التاريخ" تجاه المنطقة، مهدّداً من ان بلاده "لن تبقى مفترجة إزاء ما يجري في كركوك".

صياغة جديدة للموقف التركي

وفي واقع الأمر، يعرف الأتراك أنهم لا يستطيعون تنفيذ تهديداتهم. فكل فئات الشعب العراقي عارضت إرسال قوات تركية إلى العراق، والدول الاقليمية، ومنها ايران، ترفض ذلك، كما ترفض الولايات المتحدة، ثم إن مثل هذا التدخل سيضرب جهود تركيا الأوروبية ولا سيما بعد اعطائها موعداً لبدء مفاوضات العضوية.

كما أن الرجل الثاني في المؤسسة العسكرية التركية، الجنرال إيلكير باشبوغ، النائب الأول لرئيس الأركان ذكّر مؤخرا بأن أتاتورك نفسه كان قادراً على احتلال "الموصل ـ كركوك" عام 1923 لكنه "لم يفعل لأنه لم يكن يثق ما إذا كان قادراً على إنهاء الحرب" .

وهنا يُطرح التساؤل من طرف البعض عن خلفيات الخطاب التركي العالي المعترض على الانتخابات. والإجابة تكمن في أن ارتفاع النبرة تمثل تعويضا عن العجز عن التدخل أولاً، وثانياً لإخماد النزعة المعادية لأميركا وسط "سنّة" تركيا نفسها وخصوصاً قواعد حزب العدالة والتنمية ولا سيما بعد "الإبادة" التي حصلت في الفلوجة في نوفمبر الماضي؛ كما أنها رسالة إلى واشنطن للحصول على تعويضات ولو محدودة تخصّ الموقف الأمريكي من مقاتلي حزب العمال الكردستاني المتواجدين في شمال العراق، ومقايضة "السكوت" التركي اللاحق بدعم واشنطن لتركيا في استحقاقات مقبلة في قبرص والمسألة الأرمنية مثلاً.

إن موقف تركيا تجاه العراق مرشح لإعادة صوغه من جديد بعد النجاح الكبير للإنتخابات العراقية ومشاركة نسبة مهمة من العراقيين فيها· وبوادر ذلك جاءت من أكثر من مصدر: الأول لقاء اردوغان بوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس وقوله لها ان انتقاداته جاءت من منطلق "الصداقة" التركية ـ الأميركية· والثاني ظهور توجه جديد (اشارت إليه صحيفة "ميللييت") في الخارجية التركية يقول بدعم تولي جلال طالباني احد موقعي رئاسة الجمهورية أو الحكومة، لأن في ذلك دفع لإندماج الأكراد في المجتمع العراقي وإبعاد، ولو مؤقت، لخطر التقسيم·

في المحصلة، تبدو تركيا، التي اتبعت منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، سياسة "متعددة الأبعاد" ناجحة جداً مع معظم جيرانها، أمام حتمية ردم "الثغرة العراقية" في هذه السياسة عبر التخلّي عن هواجسها وذهنيتها القديمة، والإعتراف بالحقائق الجديدة وإقامة علاقات حوار وصداقة مع القوى العراقية الجديدة، والتي تمثل الأكثرية الساحقة من السكان، أي الشيعة والأكراد·

وإذا كانت الحرب العراقية كسرت المعادلة العراقية القديمة وأخرجت تركيا منها، فإن نتائج انتخابات الثلاثين من يناير 2005 طوتها نهائياً.

محمد نورالدين – بيروت


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك