تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

القانون الدولي معاناة ناجٍ من التعذيب في سوريا تسلط الضوء على عيوب في معاهدة دبلن

صورة لجلال من الخلف

لم يرغب جلال في الكشف عن هويته بسبب المخاوف الأمنية للأقارب الذين لا يزالون في سوريا.

(swissinfo.ch)

آخر مرة رأى فيها جلال ابنه الأصغر كانت عندما كان الصبي طفلاً. اليوم قارب حمّودة أعوامه الخمسة. طالب اللجوء السوري هذا عالق في قضية دولية معقّدة مرتبطة باتفاق دبلن، وهو نظام تطبقه سويسرا بشكل أكثر تشدداً من أي بلد آخر في أوروبا.

يعيش جلال في طي النسيان، وهو منذ عام 2014 غير قادر على التخطيط في حياته مسبقاً لأكثر من بضعة أشهر.

"قضيت خمس سنوات في سجن سوري والآن قضيت [تقريباً] خمس سنوات أخرى في سجن مفتوح" ، هذا ما قاله جلال لـ swissinfo.ch في نوفمبر المنصرم.

يعيش هذا الأب حياة منعزلة في استوديو صغير على مشارف لوتسيرن في وسط سويسرا. أما ابنه حمودة فيعيش مع والدته وشقيقيه، في عزلة موازية في مخيم متنقل على بعد ألفي كيلومتر في اليونان. والعلاقة بينهما تقتصر إلى حد كبير على تطبيق الواتس أب. إن العيش بدون أي إحساس بالمكان أو الزمان اللذين سيلتئم فيهما شمل العائلة مرة أخرى، يضع كلا الوالدين على حافة الانهيار العصبي.

عائلة مكونة من أم وثلاثة أطفال

تعيش عائلة جلال في مخيم بالقرب من مدينة ثيسالونيكي الساحلية اليونانية.

(swissinfo.ch)

وعلى الرغم من الجهود التي يبذلها المحامون في كلا البلدين، لم تستطع الأسرة لمّ شملها.  فأفرادها ضحايا اتفاقية دبلن التي تفضّل بموجبها الدول الأعضاء، بما فيها سويسرا، القيام بطرد الأشخاص بدلاً من تقييم حالاتهم. وبموجب نظم الاتفاقية، يمكن لسويسرا تلقائياً، ترحيل الأفراد وإعادتهم إلى أول بلد وصلوا إليه في منطقة شنغن. وككردي عانى من التعذيب والاحتجاز لفترات طويلة في سوريا، ناهيك عن إصابته بجرح خطير من جرّاء الحرب، فإن طلبه باللجوء، يستحق التقييم.

لكن جلال واجه مشكلة تقليدية - وهي مشكلة تواجه طالبي اللجوء في سويسرا وعبر أوروبا. فعند وصوله إلى سويسرا، كان أكثر ما يهم السلطات السويسرية معرفته من قصة رحلته، هو البلد الذي دخله بدايةً ضمن حدود منطقة شنغن المفتوحة في أوروبا، وليس معرفة أسباب طلبه اللجوء. وعلى هذا الأساس، صدر قرار بطرده إلى إيطاليا في أوائل عام 2015.

 وخلص جلال في لحظة من القلق العميق حول مستقبله إلى أنّ: " سويسرا لم تعش أبداً حرباً، لذا فإن السويسريين غير قادرين على التعاطف مع الأشخاص الذين يفرّون من الحرب"، وأنهم " لو كان لديهم أي تصوّر لما مررنا به لما تعاملوا معنا على هذا النحو".

ومع أن سويسرا تفخر بتقاليدها الإنسانية القوية، إلا أن السياسات المتعلقة باللجوء والهجرة قد ازدادت تشدّداً في السنوات الأخيرة كما في أماكن أخرى في أوروبا. وامتنعت أمانة الدولة للهجرة عن التعليق قائلة إنها لا تقدم تفاصيل عن الحالات الفردية وذلك لأسباب متعلّقة بـ "حماية البيانات".

السياسة السويسرية

تشتهر سويسرا، البلد المؤسس للصليب الأحمر، بتقاليدها الإنسانية. إلا أن سياستها المتعلقة باللجوء أصبحت سياسة متشددة بشكل متزايد، على مدى العقد الماضي. كما أن الأحزاب اليمينية، وخاصة حزب الشعب السويسري المناهض للمهاجرين، نشطت بشكل خاص في هذا المجال. وعزّز الشعب هذا الاتجاه في عام 2016، عندما وافق على تشديد شروط الاستقبال لطالبي اللجوء والإسراع بإجراءات تقديم الطلبات. وستدخل إجراءات اللجوء بوتيرة معجّلة حيّز التنفيذ في مارس من العام المقبل. ومنذ عام 2015، كانت أمانة الدولة للهجرة (SEM) أكثر صرامة في فحص طلبات اللجوء، خاصة مع المتقدمين الإريتريين. هذا التشدّد، المدعوم من البرلمان، حاربته المنظمات الممثلة للمهاجرين.

نهاية الإطار التوضيحي

كابوس سوري

ويعود جلال بالذاكرة إلى سوريا في عام 2004، فيقول إنه وجد نفسه على قائمة المطلوبين من النظام السوري بتهمة المشاركة في احتجاج يطالب بحقوق أكبر للأقلية الكردية في البلاد. على أثر ذلك، وبعد ثلاث سنوات، أي في عام 2007، تم استهدافه هو ووالده في هجوم بالسكاكين من قبل الشبيحة الموالين للنظام، حيث أصيب جلال بـ12 طعنة، بينما قتل والده على الفور.

وبحسب روايته، فإن نشاطه من أجل حقوق الأكراد زجّ به خلف القضبان. وقد احتُجز في سجن في مدينة حلب الشمالية، حيث كانت إحدى المهام المروعة العديدة المفروضة عليه، هي تنظيف غرفة الطابق السفلي، المستخدمة في عمليات الإعدام - عقابًا للمتهربين من الخدمة العسكرية. وكان لا يزال وراء القضبان عندما اندلعت ثورة شعبية ضد الرئيس السوري بشار الأسد مهّدت لمجازر وحرب واسعة النطاق.

ويقول إنه تمكن في نهاية المطاف من الهروب خلال هجوم للمتمردّين على السجن. واستغل هذه الفرصة ليفرّ إلى تركيا، ولكنه اضطر بعد ذلك إلى العودة إلى سوريا لاقتراض أموال، دفعها للمهرّبين مقابل إيصال أسرته إلى أوروبا. في تلك الرحلة، أصيب بجروح من جرّاء قنبلة يدوية، ولم يتمكن أي من الجراحين، سواءً في العيادة الميدانية التي عالجته في ذلك اليوم أو في سويسرا في وقت لاحق، من استخراج جميع شظاياها.

الوصول إلى أوروبا

وبالرغم من هذه الإصابة البالغة، استقل سفينة مبحرة من مدينة مرسين الساحلية التركية وسافر مع مئات آخرين إلى إيطاليا. كانت فترة مكوثه في إيطاليا قصيرة ولكنها كانت كافية لتأخذ السلطات بصمات أصابعه - وهو الأمر الذي كان سبباً في دعم القرار السويسري بترحيله.

يقول جلال، الذي فضل سويسرا على ألمانيا لأن شقيقيه كانا أصلاً يعيشان في دولة جبال الألب: "وضعتنا السلطات الإيطالية في حافلات وأخذتنا مباشرة إلى محطة القطار في ميلانو، لنتمكن من مواصلة العبور إلى أوروبا". ويستدرك: " العودة إلى إيطاليا تعني البدء من الصفر، والله وحده يعلم كم سنة ستمر قبل أن أرى زوجتي وأطفالي".

تصفّح القوانين السويسرية والدولية

غابرييلا تاو وبوريس فيجكستروم هما محاميا جلال في المركز السويسري للدفاع عن المهاجرين (CSDM)، وهي منظمة تركز على الدفاع عن حقوق المهاجرين. وقد نظر CSDM في قضيته وحملها إلى لجنة مناهضة التعذيب (CAT) في الأمم المتحدة، التي قامت بدورها بإيقاف قرار طرده إلى حين صدور حكم بشأن موضوع الدعوى.

وفي أكتوبر الماضي، وخلال مقابلة مع فيجكستروم في مكتبه الصغير في جنيف، حيث ينتظر العشرات في ممرات الدرج، على أمل الحصول على مساعدة قانونية، قال هذا الأخير إنه وزملاءه المحامين "حذرون للغاية" في اختيارهم القضايا التي يترافعون عنها، وإنهم لا يقبلون سوى ملفات عدد قليل من المهاجرين كل عام، وهي الملفات التي يشعرون فيها أن هناك إجهاضاً حقيقياً للعدالة.

وعن الموقف السويسري بشأن قضايا اللجوء التي وصلت إلى لجنة مناهضة التعذيب، قال: " إنهم حسّاسون للغاية إزاء أية قيود محتملة قد تفرض على عمليات الترحيل إلى إيطاليا، وفقاً لإجراءات نظام دبلن".

وتشتهر سويسرا بكونها تستخدم نظام دبلن، بكفاءة عالية، وهي كفاءة تعتبرها منظّمات حقوق الإنسان، بما في ذلك منظمة العفو الدوليةرابط خارجي، كفاءة ميكانيكية "عمياء"، تمارس القمع على الأفراد الأكثر ضعفاً. ويرغب المجلس السويسري للاّجئينرابط خارجي بأن تقوم سويسرا بالتوقف عن إرسال طالبي اللجوء الضعفاء إلى إيطاليا لأن "الاستقبال اللائق غير مضمون هناك".

في عام 2017، أجرت سويسرا 2297 عملية تحويل ملفات هجرة، بموجب نظام دبلن الثالث، إلى البلاد المجاورة: إيطاليا وألمانيا وفرنسا؛ وتلقت 885 عملية تحويل من تلك البلدان، بحسبرابط خارجي المجلس.

ويلاحظ فرانشيسكو ماياني، وهو خبير في سياسة وقوانين اللجوء الأوروبية، أن "سويسرا تبرز كواحدة من أكثر البلاد المطبقة لنظام دبلن، على الرغم من أن حجم المهاجرين، على سبيل المثال، أصغر بكثير من حجمهم في ألمانيا". ويضيف: " تعد سويسرا واحدة من البلدان التي سجّلت باستمرار أعداداً أكبر من عمليات الترحيل إلى البلدان الأخرى مما سجّلته من عمليات الاستقبال من البلدان الأخرى."

ومع ذلك، فهناك بندان في لائحة دبلن الثالثة يحثّان على اتباع نهج أكثر مرونة؛ الأول هو بند السيادة، والآخر هو البند الإنساني.

نظام دبلن

يمنح بند "السيادة" الوارد في المادة 17 (1) من نظام دبلن للدول الأعضاء إمكانية دراسة أي طلب يتم تقديمه لهم، لا سيما لأسباب إنسانية أو لدواعي الرأفة.

وبموجب "البند الإنساني" الوارد في المادة 17 (2) من نظام دبلن، يجوز للدول الأعضاء أن توافق على نقل المسؤولية إلى دولة غير مسؤولة بموجب الاتفاقية، من أجل إبقاء أو إحضار اللاجئ أو اللاجئة وجمعهم بأقاربهم.

نهاية الإطار التوضيحي

وقد أخبرت الأمانة السويسرية للهجرة  swissinfo.ch أنها تطبق "بند السيادة" عندما يكون الترحيل "مخالفاً لأحكام إلزامية من القانون الدولي أو عند وجود أسس إنسانية تشير إلى أن الترحيل يعد، بشكل خاص، اجراءً صارماً".  كما رفضت الفكرة القائلة بأنها تطبق لائحة دبلن "بطريقة عمياء".

وفي مقابلة أجريت معه عبر الهاتف، قال مياني، وهو عضو في كلية الحقوق في جامعة لوزان، "إن روح نظام دبلن برمته تطرح إشكالية كبيرة". "هناك اتجاه غالب يعتبر أنك إذا أبعدت ملتمسي اللجوء، فإنك ستفوز باللعبة، أما إذا قبلتهم، فإنك ستخسر اللعبة. وهذا بالطبع يُدخل الكثير من التشوهات إلى العملية".

في رسالة وجّهت في أكتوبر الماضي إلى مقرر الامم المتحدة الخاص حول التعذيب، نيلز ميلتسر، أوضح المركز السويسري للدفاع عن المهاجرين CSDM مخاوفه بشأن "الترحيل المنهجي لضحايا التعذيب وغيرهم من طالبي اللجوء الضعفاء، بموجب نظام دبلن، من سويسرا إلى دول الاتحاد الأوروبي حيث أنظمة اللجوء المختلّة التي تعرضهم إلى خطر حقيقي للمعاملة اللاإنسانية والمهينة ".

وأوضح متحدث باسم الأمانة السويسرية للهجرة (SEM)، أن سويسرا ترغب في إصلاح نظام دبلن الثالث بحيث تكون الإجراءات "أسرع وأكثر كفاءة"، وفي منع الهجرة الثانوية، وتوزيع تحمّل المسؤوليات بين البلدان بشكل أكثر عدلاً. وقال المتحدث "إن سويسرا تتخذ هذا الموقف بانتظام على المستوى الأوروبي، وفي المحادثات الثنائية مع ممثلي الحكومات الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي".

ليس واحداً، ولكن اثنين من إجراءات دبلن

ولعل أفضل ما يمكن أن يحدث لجلال في الوقت الحالي، لكي يستطيع جمع شمل أسرته، هو قرار سويسري يمنحه حق اللجوء. إلا أن الخطورة تكمن في طول مدة العملية. فالأسرة واقعة بين قضيتين متشابكتين متعلقتين بنظام دبلن - واحدة لطرد جلال من سويسرا إلى إيطاليا، وأخرى تسعى فيها اليونان لجمع شمل الأسرة في سويسرا.

يقول مايكل كينتزل، الذي يعمل مع مجموعة مساعدة اللاجئين في اليونانرابط خارجي، والتي تقدمت بطلب لسويسرا لتولي عائلة جلال: "في بعض الأحيان، قد يستغرق لم شمل الأسرة بموجب اتفاقية دبلن، ما يصل إلى عامين أو ثلاثة أعوام، في الوقت الذي يجب أن تتحرك فيه الأمور بسرعة أكبر". لقد تم رفض الطلب ويجري الآن استئناف الحكم.

البقية في طي النسيان، تماما مثل جلال

وعندما سُئلت أمانة الدولة السويسرية للهجرة عن القضية، قالت إنها تأخذ في الحسبان الحجج التي قُدمت في القرارات التي اتخذتها لجنة مناهضة التعذيبCAT التي حكمت مؤخرًا لصالح طالب لجوء إريتري وناج من التعذيب، مر بظروف مماثلة. وأضافت: "إذا وصلت الأمانة السويسرية للهجرة (SEM) إلى نتيجة مفادها أن نقل شخص ما إلى دولة ملتزمة باتفاقية دبلن من شأنه أن يعرضه للخطر، فستتم إجراءات اللجوء في سويسرا".

وأخيراً، وبعد فترة قصيرة من اتصال سويس إنفو swissinfo.ch، قررت الأمانة السويسرية للهجرة (SEM)، دراسة طلب اللجوء الخاص بجلال رغم أنّ "معطيات قضيته لم تتغير" كما أشار فيجكستروم. معقباً بأنها "أخبار رائعة بالنسبة له، ولكنها تؤكد على تعسف النظام بأكمله".

ومما يزيد من عبثية الأمر، كما أضاف، أن المدعي العام في لوتسرن أبقى على قضيّة جارية ضد جلال، متعلقة بالدخول غير القانوني إلى الأراضي السويسرية والإقامة غير القانونية.

وسواء أكان ذلك القرار الذي اتخذته السلطات السويسرية في الاستماع إلى إفادة جلال، عشوائياً أم لا، فقد غمره بشعور جديد بالعزم، وبالأمل لانطلاقة جديدة في سويسرا.

في الصباح البارد من يوم 12 ديسمبر، التقى جلال بمحامٍ من كاريتاس سينضم إليه خلال جلسة الاستماع. وقد جاء مستعداً بجميع وثائقه، بما في ذلك الأشعة السينية ودفتر السجل العائلي.

وقال جلال أخيراً لـ swissinfo.chرابط خارجي: "ربما تسير الأمور في النهاية على ما يرام وأستطيع أن أرى عائلتي"، وبدا متوتر الأعصاب من النتيجة المحتملة لجلسة الاستماع، وأيضاً من الظروف الصعبة التي تواجه أمه وشقيقه في استمرارهما في العيش في سوريا التي مزقتها الحرب. وأنهى حديثه قائلاً: "كل ما يمكنني فعله هو إخبار قصتي، وهم يملكون الآن كل الأدلة".

Neuer Inhalt

Horizontal Line


تابعُونا على إنستغرام

تابعُونا على إنستغرام

تابعُونا على
إنستغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك