الملامح المتعددة لجنيف الدولية.. رؤية من الداخل

تُظهر هذه اللقطة صورة لمدينة جنيف تختلف تمامًا عما هو مُشاهدٌ في الحي الدولي الذي يحتضن قصر الأمم والعديد من الوكالات الأممية والمنظمات الدولية. في الأثناء، يظل السؤال المحوري مطروحا على الجميع: في ظل استمرار جائحة كوفيد – 19 ووجود تحديات أخرى، هل ستستمر الأموال في الوصول؟ © Mark Henley/panos Pictures

تعتبر جنيف الدولية مهمة لما يُعرف بالدبلوماسية متعددة الأطراف على مستوى العلاقات الدولية، كما تستمر الحكومة السويسرية في الترويج لهذه المنصة والاستثمار فيها في مرحلة تواجه فيها تغيرات وتحديات غير مسبوقة. بالمناسبة، كيف ينظر إليها العاملون فيها؟ 

هذا المحتوى تم نشره يوم 08 سبتمبر 2020 - 11:00 يوليو,
مارك هينلي (الصور)

يقع المقرّ الأوروبي للأمم المتحدة في قلب الحي الدولي لمدينة جنيف. يقول المصور الفوتوغرافي المستقل مارك هينلي، الذي يمتلك مكتبًا صغيرًا هناك، والذي تُعرض صوره ضمن هذه المقالة: "ما زلت أعتقد أن الذهاب إلى القصر يشبه العبور عبر المرآة، إنه يشبه عالم بلاد العجائب"، ويضيف: "إنه مبنى مدهش، بل متاهة فيها ممرات وسلالم مخفية. من الواضح أن الأمور ليست طبيعية في الوقت الحالي. فالمبنى - الذي أفرغه وباء كوفيد من سكانه - يتردد الصدى في جنباته!".

مراسل swissinfo.ch فريديريك بورنان، الذي يعمل من داخل مبنى الأمم المتحدة منذ سنوات عديدة، لديه رؤية مختلفة. "عندما أعبُر بوابة قصر الأمم، أدخل منطقة تتمتع بوضع قانوني خاص، تُحرس كما ينبغي من طرف رجال أمن يرتدون زيا شبيها بزي ضباط شرطة نيويورك. يبدو الأمر كما لو أنني غادرت سويسرا إلى بلد آخر، بلد جميع البلدان".

يقول المصور الفوتوغرافي مارك هينيلي إن الدخول إلى قصر الأمم (المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف) يُشبه إلى حد ما "أليس في بلاد العجائب". © Mark Henley/panos Pictures

بالإضافة إلى وباء كوفيد – 19 وهجمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الدبلوماسية متعددة الأطراف، يواجه قصر الأمم تحديات أخرى. حاليا، يجري تجديده بمبلغ 836.5 مليون فرنك، نصفها مموّل بقروض بدون فائدة من طرف الحكومة السويسرية وكانتون جنيف. كما يجري تشييد مبنى جديد داخل مُجمّع الأمم المتحدة تبلغ قدرته الاستيعابية 700 شخص.

يقول المصور الفوتوغرافي مارك هينلي: "ترافق أعمال التجديد تغيّرات، ومثل أغلب الناس هنا، لست مؤيّدا لها بشكل خاص"، ويضيف "سيتعيّن على موظفي الأمم المتحدة الانتقال إلى نظام (المكاتب المُرتحلة) والمساحات المفتوحة، التي يكرهونها. ولا يُساعد على ذلك حقيقة أن هذه فكرة قد تجاوزها الزمن بالفعل. وغني عن القول أن هذا (التوجّه) ليس من الحكمة في سياق كوفيد!".

الأفضل والأسوأ

بالإضافة إلى بعثات الأمم المتحدة ووفود الحكومات من جميع أنحاء العالم، تستضيف جنيف الدولية العديد من المنظمات غير الحكومية الدولية والمؤسسات الأكاديمية، مما سمح بظهور ما يُسميه البعض "نظام بيئي خصب" للبحث وصنع القرار على المستوى الدولي.

وفي الوقت الذي قد تتعرض فيه بعض المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة نفسها للتهديد بسبب تداعيات الجائحة، تدعم الحكومة السويسرية منصات استشرافية جديدة في جنيف، مثل "المبادرة الرقمية السويسرية" و"مؤتمر جنيف للعلوم والإستشراف الدبلوماسي" الذي يُشكل جزءا من مُركّب التكنولوجيا الحيوية الذي يضمّ العديد من الشركات الناشئة.

يقول هينلي إن المبنى المفضل لديه داخل جنيف الدولية ربما يكون قصر الأمم، على الرغم من أنه "يحبّ الكثير من الأماكن الأخرى مثل قاعة الجمعية العامة في مقر منظمة الصحة العالمية، والبهو الضخم في مقر منظمة العمل الدولية، أو أيضا قاعة الاجتماعات الجديدة في مقر منظمة التجارة العالمية، ذات الجدران المبطنة الشبيهة بحقيبة يد من طراز (غوتشي)".

التمثال المُقام خارج المبنى الذي يحتضن منظمة التجارة العالمية في جنيف مكان رائع لأخذ حمام شمس! © Mark Henley/panos Pictures

بدوره، يقول الصحفي فريديريك بورنان: "بصفتي من هواة الاسمنت المسلح، لديّ ميل خاص لمبنى منظمة الصحة العالمية للمهندس المعماري جان تشومي.. إنه مبنى ضخم وخفيف في نفس الوقت، ويمكن رؤيته من بعيد بفضل المنتزه الذي يحيط به".

ويضيف معلقا أنه على الرغم من أن جنيف مدينة صغيرة، إلا أنها تضم العديد من الأحياء، ولكل منها طابعه الخاص.. ذلك أن "الأجواء السائدة في الحي الدولي غير موجودة في باقي المدينة، لكن ما يفتقر إليه هي أماكن الحياة الاجتماعية. هذا الفراغ النسبي من البشر لا يخلو من بعض السحر. إذ يمكن للمرء التجوال هناك كما لو كان في فيلم مشوّق".

تطوير على مدى عدة سنوات

واحدة من المؤسسات الأكاديمية الرئيسية في جنيف الدولية هي المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية، الذي ظهر للوجود في "فيلا بارتون" التاريخية في عام 1938. وقد احتاج في ظل نموه المطرد إلى تأمين مزيد من المساحات.

اليوم، تجري أنشطة وبرامج المعهد بشكل رئيسي في مبنى زجاجي حديث يطل على خط السكك الحديدية. ويشرح جوست باولين، أستاذ القانون الدولي في المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية، أنه يتم حاليا أيضًا تشييد "سكن طلابي جديد وضخم" في الشارع المُحاذي.

ويتابع قائلاً: "مشاريعنا العقارية هي إرث من مديرتنا السابقة، التي غيّرت الأوضاع تمامًا.. لقد بدأ الأمر في عام 2008. كنا قد تحصلنا للتو على "فيلا بارتون"، وكانت إقامات الطلاب تتوزع على جميع أنحاء المدينة. أما الآن، فهناك الكثير من الفضاءات المفتوحة كما تسود أجواء حرم جامعي بشكل أكبر بكثير".

أما المدرّسون فلديهم مكاتبهم الخاصة، ولا يُخفي باولين أنه يُحبّذ العمل فيها، ويضيف: "لم أكن أتصور أبدًا أن بإمكان المباني أن تُحدث فرقًا كهذا".

مشاركة