Navigation

تركيا في خضم الدوّامات الأوروبية

رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان مع فايرا فيكي-فرايبرغا رئيسة ليتوانيا قُبيل اجتماع لقادة الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي في ريغا يوم 29 نوفمبر 2006 Keystone

أظهرت تركيا في الآونة الأخيرة مرّة أخرى أنها بلدٌ إشكالي بامتياز، وإذ تتقاطع فيها عوالم متعددة ومتناقضة، فإن أحدا لا يُـمكنه، بعد التجارب التي خضَـع لها المجتمع التركي على امتداد ثمانين عاما، أن يجزِم بطبيعة ما ستتّـخذه صورة وهوية هذا البلد، غدا أو بعد عقد أو عدة عقود.

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 ديسمبر 2006 - 15:01 يوليو,

فمن زيارة البابا الى تعليق المفاوضات مع بروكسل، تنخرط أنقرة بقوة في الدوّامات الأوروبية والدولية فيما ترسم العملية المتحرِّكة للمسار الداخلي صورة متلوّنة للواقع الحالي ولاحتمالاته المستقبلية.

ثلاثة أحداث أكملت "البازل" التركي في الأيام الأخيرة:

1- تركيا بلد أطلسي، وها هي تشارك في اجتماع قمّـة زُعمائه في ليتوانيا.
2- تركيا بلد متطلع إلى أوروبا، وها هي العلاقة التركية الأوروبية تشهد "حادثة سير" تجمـّد المفاوضات حول بعض العناوين.
3- تركيا أحد المراكز التاريخية الأساسية للمسيحية، وها هو البابا بندكتيس السادس عشر يزورها لأكثر من سبب.

في يوم واحد، كان المشهد التركي يحتضِـن هذه المزايا، ليُـضفي عليه أبعادا استثنائية، وتبقى تركيا في خِـضم هذه الصورة مكانا للتلاقي أو للطَّـلاق بين محاور مختلفة وثقافات متعدّدة، وما كان غير ممكن بالأمس، قد يكون اليوم ممكنا والعكس بالعكس.

رغم أن الهدف الأساسي لزيارة البابا، كان جسّ نبض بطريرك الروم الأرثوذكس في اسطنبول، بارتولوميوس حول إمكانية التقريب بين الكنيستين، الكاثوليكية والأرثوذكسية، إلا أنه لا يُـمكن تجاهُـل المعنى الإشكالي، الذي يتّـخذه المكان الذي يقصده البابا، أي تركيا.

موقف بابوي إيجابي

لقد سبق وصول البابا إلى تركيا، تصريحات اعتبرت معادية أو مُسيئة للإسلام ورسوله، وتركيا بلد مسلم بكامله، وفي الوقت نفسه، ذو نظام عِـلماني، ومع ذلك، فقد توحّـدت جميع فئاته ضد مواقف البابا، الـمُـشار إليها.

وقد توحـّد الأتراك ضد البابا أيضا، لأن للبابوية عموما، وللبابا الحالي خصوصا، مواقف دينية ضدّ تركيا، عندما رفض أن تكون تركيا في الإتحاد الأوروبي، لأنها مختلفة دينيا وثقافيا، وفي هذا ملامسة للطبقات الأساسية العميقة للوعي الجمعي للمجتمعات الأوروبية.

وإذا أُضيف لذلك الدور السلبي للكنيسة الأرثوذكسية ضد الأتراك، ولاسيما خلال حرب التحرير الوطنية، التي قادها أتاتورك بين عامي 1919-1923، لأمكن فهم الحساسية التركية ضدّ المؤسسات الدينية المسيحية من الفاتيكان إلى اسطنبول.

وفي هذا الإطار، كان الموقف السّـلبي الأولي من رئيس حكومة تركيا، رجب طيب أردوغان بعدم التقاء البابا، بذريعة أنه سيكون في قمّـة حلف شمال الأطلسي، في حين أنه لا يريد مُـلاقاة البابا مُـراعاة لحساسيات جمهوره وقواعد حزبه الإسلامية في وقتٍ تدخُـل تركيا عام الانتخابات النيابية، أما التقاءَه البابا في اللّـحظة الأخيرة، فأُدرج في إطار تفادي أي انتقاد، يصنّـفه هاربا من حوار وتصالُـح الحضارات، وقد نجح في ذلك.

لم يفُـت البابا أن يُـبادل أردوغان مبادرته الإيجابية، فذهب أبعد منه في قوله، أنه يريد أن يرى تركيا داخل الإتحاد الأوروبي. ومع أن الغالبية تضع هذا الموقف الجديد في إطار تنفيس الاحتقان، الذي يسود المجتمع التركي ضد البابا، إلا أن صُـدور مثل هذا الموقف يُعتّـبر، ولو نظريا، تحوّلا مُـهمّا في موقف البابوية، قد يكون أهم ما شهدته الزيارة.

مفاجأة توصية المفوضية

في اليوم التالي، كانت المفوضية الأوروبية تُـطلق موقفا يُـعاكس المناخ العام الإيجابي، الذي أحدثته تصريحات البابا، إذ أوصى تقريرها في 29 نوفمبر بتعليق مفاوضات العضوية مع تركيا حول سبعة عناوين، تتصل بتبادل السِّـلع والتجارة الخارجية وما إلى ذلك.

والحجة في ذلك، أن على تركيا أن تنفـّذ البروتوكول التجاري مع الإتحاد الأوروبي، وتفتح موانئها ومطاراتها أمام سُـفن وطائرات قُـبرص اليونانية، العضو الجديد في الإتحاد.

وقد تعهّـدت تركيا بذلك قبل نهاية عام 2006، لكنها طالبت بإجراءات ترفّـع العُـزلة عن قُـبرص التركية. المشكلة هنا، أن تركيا هي التي وضعت هذه المقابلة من جانبها فقط، وهو ما لا يريد الإتحاد الأوروبي القبول به.

فتح الموانئ والمطارات أمام قُـبرص اليونانية يمس عصبا أساسيا، كما بات معلوما من الشعور القومي التركي، فقبرص تعتبر خطّا أحمر بالنسبة لأنقرة ولا يمكن تقديم المزيد من الأوراق والتنازلات فيها.

المفاجأة، تمثلت في أن توصية المفوضية لم تكن متوقّـعة كثيرا في هذا التوقيت، إذ توقّـع الأتراك أن يُـترك إعلان مثل هذا القرار إلى اللّـحظة الأخيرة من قمّـة زُعماء دول الإتحاد في 14-15 ديسمبر 2006، وفي حال فشلت الجهود للوصول إلى صيغة وسط ترضي الجميع.

الأتراك وَصفوا التوصية بأنها عِـقاب قاسٍ جدّا قياسا لطبيعة المشكلة، وإذ وصف أردوغان التوصيّـة بأنها غير مقبولة، حاول أولي رين، مسؤول شؤون توسيع الإتحاد الأوروبي، التخفيف من الغضب التركي بالقول: إن هذا "لا يعني توقف القطار التركي، بل سيْـره بشكل أبطأ".

يستاء الأتراك من ان الإتحاد الأوروبي ينظر الى تركيا بعين واحدة. فالقبارصة الأتراك الذين أيدوا، في استفتاء، خطة الأمم المتحدة لحل ازمة الجزيرة بقوا خارج الأتحاد الأوروبي فيما دخله القبارصة اليونانيون رغم رفضهم للخطة. ومع ذلك فتركيا لا تطلب المستحيل بل مجرد بعض الخطوات لتخفيف الحصار الدولي على الشطر التركي من الجزيرة.

غير ان أخطر ما تتضمنه توصية المفوضية هو انه لا يمكن ختم اية مفاوضات على أي نقطة من النقاط ال27 المتبقية إلا اذا نفّذت تركيا مقتضيات البروتوكول التجاري مع قبرص اليونانية. وهو ما حدا بمعظم المراقبين الأتراك الى اعتبار أن المفاوضات بين تركيا والإتحاد قد توقفت عمليا متهمين الإتحاد الأوروبي بالإبتزاز وعدم الإلتزام بوعوده لرفع العزلة عن قبرص التركية.

إرادة من ستَـتغلّــب؟

هل يؤثر ذلك على وضع الحكومة التركية؟ لا شك أن اردوغان غير مرتاح الى تباطؤ المسار التركي تجاه أوروبا لأن هذا رهانه الأساسي، وبقدر ما يتعثر الإصلاح، تستعيد القوى المتشددة نفوذها، ومن بينها المؤسسة العسكرية.

غير ان حزب العدالة والتنمية في المقابل، لا يبدو شديد القلق، اذ ان عام 2007 سيكون عام الإنتخابات النيابية وسيكون مستعدا لإبطاء المسار الأوروبي سنة بكاملها ليضمن دخول الإنتخابات بصورة المدافع عن القضايا القومية.

وإذا كان له أن يقدّم بعض التنازلات، فبعد الإنتخابات وليس قبلها، وهي اللعبة نفسها التي لعبتها القوى الأوروبية بعدم تقديم تنازلات لتركيا. وتبدو فرنسا رأس حربة هذه القوى، خصوصا وانها عرضت موقفا متشددا يتمثل في تعليق المفاوضات حول 17 نقطة وليس سبع فقط، اي بما يشبه الوقف الكامل للمفاوضات. وتعيد الغالبية في تركيا الى ربط ذلك بالإنتخابات الرئاسية الفرنسية في أبريل المقبل ومحاولة كسب الرأي العام الفرنسي، المتحسس من عضوية تركيا في الإتحاد الأوروبي.

يدخل الطرفان، التركي والأوروبي، عام انتخابات في اكثر من مكان، لذا، لا يُـتوقع اي تقدم دراماتيكي على خط المفاوضات بين الطرفين، وسينضم عام 2007 ى العام 2006 لأنه عام آخر ضائع في العلاقات التركية الأوروبية.

إذا استُعرضت محطات سابقة في العلاقات بين الجانبين، لأمكن القول أن المشكلات الحالية ليست مستعصية على الحل، ومع تصريحات البابا حول وجود تركيا داخل الإتحاد، ربما ستكون مهمة تركيا أقل صعوبة.

وكما كانت التحولات الدولية، ولاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 واحتلال العراق، عوامل حافزة لتقارب تركيا مع الإتحاد الأوروبي، فمن غير الممكن الجزم منذ الآن بما سيكون عليه بعد سنة أو عشر أو عشرين سنة واقع اللقاءات الثنائية.

فالكثير من المحرّمات في العلاقات بينهما، قد انكسر في السنوات الأخيرة. ومن يدري، فقد يكون قرار انضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي بعد عشر أو عشرين عاما، كما يقول كاتب تركي، رهن الإرادة التركية وليس الأوروبية.

محمد نور الدين - بيروت

معطيات أساسية

انتظرت تركيا 42 عاماً لتبدأ مفاوضات العضوية، تخللتها محطات مهمة: بروتوكول 1963، الوحدة الجمركية (1996)، قبولها كعضو مرشح للإنضام (1999)، اتخاذ قرار ببدء المفاوضات (2004) ثم البدء الفعلي للمفاوضات يوم الثالث من أكتوبر (2005).

بعد الاتفاق الذي تم التوصل إليه في اللحظة الأخيرة ليلة الإثنين 3 اكتوبر 2005 لبدء مفاوضات عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، بدأ الطرفان مسيرة من المفاوضات قد تستغرق ما بين 10 و15 عاما.

End of insertion

مشكلة تركيا مع الاتحاد الأوروبي

تقع مشكلة تركيا الحالية مع الاتحاد الأوروبي في نقطتين: الأولى مسألة الاعتراف الرسمي بقبرص، والثانية طبيعة العلاقة في نهاية المفاوضات: هل هي انضمام كامل أم "شراكة مميزة"، وهو ما يفترض أن توضحه وتحدده "وثيقة الإطار".

تتصدر فرنسا، بكل تياراتها اليمينية، حملة الضغط على تركيا للإعتراف بقبرص اليونانية. الرئيس جاك شيراك، ورئيس الحكومة فيليب دوفيلبان، كما وزير الخارجية، "تفرّغوا" بالكامل لمنع بدء مفاوضات العضوية قبل اعتراف تركيا بقبرص اليونانية، ورأوا أن ذلك غير مقبول وألا يعترف بلد بأحد أعضاء منظمة يريد الانضمام إليها.

وقد ربط الكثيرون الموقف الفرنسي بمأزق الرئيس شيراك المحلي، فهو من جهة، خسر رهانه على الدستور الأوروبي بعد رفض الفرنسيين له، ويريد استعادة بعض أقدام فرنسا التي اهتزت، في الساحة الأوروبية.

ومن جهة أخرى، يدرك المزاج المعادي لتركيا في فرنسا، ويحاول أن يركب الموجة في مواجهة "منافسه" وعضو حزبه، نيكولا ساركوزي، أو على الأقل لصالح دوفيلبان، المرشح المحتمل كذلك في مواجهة ساركوزي على رئاسة الجمهورية.

(مقتطفات من تقرير للدكتور محمد نور الدين من بيروت، يوم 27 سبتمبر 2005 سويس انفو)

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.