رجل في الأخبار-ترشيح المالكي للعودة إلى السلطة بالعراق يضعه في مرمى نيران ترامب
بغداد/دبي 28 يناير كانون الثاني (رويترز) – يستعد رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي على ما يبدو لعودة قوية إلى السلطة على الرغم من الاتهامات التي ظلت تلاحقه لفترة طويلة بأنه أجج الفتنة الطائفية وأخفق في منع تنظيم الدولة الإسلامية من السيطرة على مناطق شاسعة من بلاده، لكنه يجد نفسه في مرمى نيران الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وفي أحدث تدخل مباشر له في سياسة بلد آخر، حذر ترامب العراق أمس الثلاثاء من اختيار المالكي -المدعوم من إيران- رئيسا للوزراء مرة أخرى وإلا فإن واشنطن لن تساعد العراق المنتج الرئيسي للنفط والحليف الوثيق للولايات المتحدة.
وقال ترامب في منشور على منصة تروث سوشال “في عهد المالكي (سابقا)، انزلقت البلاد إلى الفقر والفوضى العارمة. يجب ألا يتكرر ذلك… بسبب سياساته وأيديولوجياته المجنونة، إذا انتُخب، فلن تقدم الولايات المتحدة الأمريكية أي مساعدة للعراق”.
ورفض المالكي تهديد ترامب وقال في منشور على منصة إكس اليوم “نرفض رفضا قاطعا التدخل الأمريكي السافر في الشؤون الداخلية للعراق، ونعتبره انتهاكا لسيادته”.
وأضاف “لغة الحوار بين الدول هي الخيار السياسي الوحيد في التعاطي وليس اللجوء إلى لغة الإملاءات والتهديد”.
وتُعد تصريحات ترامب أوضح مثال حتى الآن على حملته للحد من نفوذ الجماعات المرتبطة بإيران في العراق الذي سعى دائما للتوازن في علاقته بين أقرب حليفين له، واشنطن وطهران.
وجاءت تهديدات ترامب بعد أن قال تحالف للتكتلات السياسية الشيعية في العراق يمتلك الأغلبية في البرلمان يوم السبت إنه اختار المالكي مرشحا لمنصب رئيس الوزراء مرة أخرى.
وكان المالكي أول رئيس وزراء منتخب في العراق بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للإطاحة بصدام حسين عام 2003.
وفاجأ قرار التحالف الكثير من العراقيين الذين اتهموا المالكي باتباع سياسات طائفية لصالح الأغلبية الشيعية، والزج بالسنة للوقوع في شرك مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية الذين استولوا على ثلث العراق مع انهيار قوات الأمن.
* إعادة بناء النفوذ
شغل المالكي، وهو شخصية بارزة في حزب الدعوة الإسلامية الشيعي، منصب رئيس الوزراء لفترتين من 2006 إلى 2014، وهي فترة شهدت عنفا طائفيا وصراعا على السلطة مع السنة والأكراد إلى جانب تزايد التوتر مع الولايات المتحدة وسوء الخدمات العامة والفساد.
وتعرض المالكي لضغوط للتنحي في عام 2014 من مجموعة كبيرة من المنتقدين -الولايات المتحدة وإيران وقادة سنة والمرجع الشيعي الأعلى في العراق- بعد المكاسب السريعة التي حققها تنظيم الدولة الإسلامية في السيطرة على مناطق في العراق.
وفي عام 2015، دعت لجنة برلمانية عراقية إلى محاكمة المالكي والعشرات من كبار المسؤولين بسبب سقوط مدينة الموصل في الشمال في يد تنظيم الدولة الإسلامية.
لكن المالكي، وهو في منتصف السبعينيات من عمره، ظل لاعبا سياسيا مؤثرا، إذ قاد ائتلاف دولة القانون وحافظ على علاقات وثيقة مع الفصائل المدعومة من إيران.
ويقول محللون إنه استخدم مهارات سياسية بارعة لبناء نفوذ بهدوء من خلال علاقاته مع الفصائل المسلحة والأجهزة الأمنية والقضاء.
* المنفى والعودة
وُلد المالكي عام 1950 في قرية جناجة، وهي قرية بالجنوب بين بساتين النخيل على نهر الفرات، لعائلة منخرطة في العمل السياسي، فجده كان يكتب الشعر الذي يحمّس على التحرك ضد المحتلين البريطانيين للعراق، وكان والده قوميا عربيا.
واعتُقل المالكي لفترة وجيزة في عام 1979 قبل أن يفر هاربا بشق الأنفس من قوات الأمن التابعة لصدام. وصودرت أرض عائلته وقُتل العشرات من أقاربه خلال العقد التالي. ولم يعد لقريته إلا بعد غزو 2003.
وتعود جذوره السياسية إلى عقود مضت، وزاد ثقلها من خلال معارضته لحكم صدام حسين السلطوي ومنفاه الطويل الذي صاغ قناعاته الأيديولوجية.
وقد حُكم عليه بالإعدام في عهد صدام بسبب انتمائه لحزب الدعوة الإسلامية الشيعي المحظور حينها، وأمضى المالكي ما يقرب من 25 عاما خارج العراق، معظمها في سوريا وإيران، محرضا على إسقاط الدكتاتور.
وشأنه شأن الكثير ممن كانوا خارج البلاد، عاد المالكي إلى العراق بعد سقوط صدام ونهاية النظام الذي كان يقوده السنة والذي طالما اضطهد الشيعة والأكراد.
ولم يكن المالكي معروفا في العراق قبل عودته، لكن صار اختيارا توافقيا لقيادة حكومة ائتلافية في عام 2006.
وبعد شهور من توليه رئاسة الوزراء، وقع المالكي على أمر إعدام صدام بالحبر الأحمر، ممهدا الطريق لمسلحين ملثمين لوضع حبل المشنقة حول عنقه. وحقق المالكي هدفه الذي ظل يطمح له طوال حياته وهو انتزاع السلطة في البلاد من السنة، لكن النهج الذي اتبعه لترسيخ هيمنة الشيعة كان السبب في سقوطه.
* انقسامات طائفية
كان ينظر إلى المالكي في البداية على أنه إسلامي شيعي، إلا أن استعداده لتنحية الطائفية جانبا وإخماد العنف كان موضع شك في مذكرة مسربة من الحكومة الأمريكية.
وكتب مستشار الأمن القومي ستيفن هادلي إلى الرئيس جورج دبليو بوش في المذكرة “على الرغم من كلمات المالكي المطمئنة، فإن التقارير المتكررة من قادتنا على الأرض ساهمت في إثارة مخاوفنا بشأن حكومة المالكي”.
ومضى في سرد المشاكل بما في ذلك عدم تقديم الخدمات للمناطق السنية وإبعاد القادة العراقيين الأكثر كفاءة على أساس طائفي.
واتهمه قادة السنة بعدم القيام بما يكفي من جهود للسيطرة على الميليشيات الشيعية وبأنه ركز بدلا من ذلك على تقوية قبضته على المحافظات السنية المضطربة مثل الأنبار في غرب العراق.
وبسرعة صادمة أبدى المالكي استعداده للتحدي في عام 2011 عندما طالبت حكومته التي يقودها الشيعة باعتقال نائب الرئيس المسلم السني، وذلك بعد لحظات على ما يبدو من رحيل القوات الأمريكية في ديسمبر كانون الأول من ذلك العام.
وبالنسبة للمنتقدين، شككت تلك الخطوة في التزام المالكي بأي نوع من الديمقراطية.
ونفى المالكي أنه يتعامل مع الأمور من منظور طائفي.
وقال لرويترز في عام 2014 إنه لا يقاتل في الأنبار لأنهم من السنة وإنه قاتل أيضا فصائل شيعية. وأضاف “تنظيم القاعدة والميليشيات واحد، كلاهما يقتل الناس ويفجرهم”.
(إعداد مروة غريب وأميرة زهران للنشرة العربية – تحرير حسن عمار)