Navigation

Skiplink navigation

عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء

يلعب ولي العهد السعودي الأمير عبد الله دور قائد لعملية الإصلاح تحت مظلة الملك فهد Keystone Archive

يتواصل الجدل داخل العائلة المالكة في المملكة العربية السعودية وخارجها حول الإصلاح المطلوب، وحدوده وآفاقه.

هذا المحتوى تم نشره يوم 28 يناير 2004 - 09:27 يوليو,

في الوقت نفسه، يحاول بعض معارضي الإصلاح من انتماءات متعددة استغلال بعض الهفوات أو الأخطاء لتعطيل العملية برمّـتها.

من المفارقات، أن يوم 22 يناير الذي نشرت فيه الصحف السعودية في الداخل وفي المهجر تصريحات لولي العهد الأمير عبد الله، أكّـدت السير على طريق الإصلاح، وأن لا رجعة عنه ولا انحراف به عن الشريعة الإسلامية، شهد أيضا قيام السلطات السعودية بمصادرة عدد ذلك اليوم من الطبعة العربية لجريدة الأهرام، نظرا لاحتوائه على مقال عن الحوار الوطني الدائر في المملكة، وما حدث في جولتيه الأولى والثانية، أشار إلى أن تلك الحوارات تعبّـر عن بيئة سياسية وإعلامية جديدة تشُـد المجتمع إلى مواجهة أوجه القصور المختلفة.

المقال سبَـب المصادرة لم يكن مُهاجما لما جرى، بل يدخل في عداد المقالات التي أرادت التنويه بما تشهده المملكة عبر سرد الرؤية الملكية للإصلاح وجوانبها المؤسسية المختلفة، والإشارة إلى الإدراك الذي عبّـر عنه الملك فهد حول الإصلاح المتدرج، وأن الوضع في المملكة بحاجة إلى نهضة شاملة.

ومع ذلك، تمّـت مصادرة العدد في خطوة تعبّـر عن جانب من معوقات العملية الجارية، إذ هناك من يجد في الإصلاح وفي الشفافية وفي طرح القضايا الحقيقية التي يفرضها هذا الإصلاح نفسه، ما يجب أن يُـعالج وفقا لعقلية المنع والتعمية، وكأن زمن الإنترنت والفضائيات المفتوحة والتواصل غير المحدود مع العالم الخارجي لم يفرض نفسه بعدُ على البلاد والعباد.

"عابر الأمور على حساب جوهرها"

وتبدو المفارقة أقسى نسبيا مع تلك الضجّـة التي أحدثتها مشاركة بعض السيدات السعوديات في منتدى جدة الاقتصادي، وبعضهن طرحن رؤى لسيدات أعمال سعوديات حول مشكلات اقتصادية واجتماعية يعانين منها.

ونظرا لأن المشاركة كانت مباشرة ودون حواجز، كالدوائر التليفزيونية المغلقة، وإحداهن، وهي ليلى العليّـان، نُـشِـرت لها صورة وُصفت بالمختلسة، وفيها ظهرت حاسرة الرأس وغير محجبة، حسب التقاليد السعودية.

فقد اعتُـبر الأمر خروجا عن كل تقاليد المجتمع، ودفعا به إلى أتون التخريب والهلاك والمفاسد العامة، إذ أن اختلاط الرجال بالنساء، حسب بيان أصدره مُـفتى المملكة، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، محرم ظاهر، وأنه "أصل كل بلية وشر، وأعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب كثرة الفواحش والزنا".

وقسوة المفارقة هنا لها أكثر من جانب. فبينما كان منتدى جدة الاقتصادي مليئا بأفكار مهمة حول أمور شتى تخُـص المملكة وغيرها، وكانت فيها مساهمات السعوديين من رجال ونساء مثقلة بالهموم والأفكار البنّـاءة، لم يبق في الذاكرة سوى صورة لسيدات حاسرات الرأس، ومنظر لاختلاط يجمع بين رجال ونساء غالبيتهم وغالبيتهن من جنسيات غير سعودية.

أما الجانب الآخر، فيبدو ليس في معارضة رموز المؤسسة الدينية لدور عام في المجتمع وشؤونه تلعبه المرأة وحسب، فهذا أمر متوقّـع، إنما فيما تعكسه مقارنة بسيطة مع ما يجري في بلد مجاور وهو إيران، حيث يشهد البرلمان اعتصاما للنواب الإصلاحيين من رجال ونساء احتجاجا على قرار مجلس صيانة الدستور بحرمان آلاف من المتقدمين المحسوبين على التيار الإصلاحي من الترشيح في الانتخابات المقبلة.

فبينما تشارك المرأة الإيرانية، وفي ظل نظام إسلامي محافظ في كل أنشطة العمل العام وفقا لحالة اختلاط منضبط، توضع القيود على حركة المرأة السعودية، رغم جدارتها وحقها الطبيعي في ذلك.

والمثير في الأمر، ما تبيّـن لاحقا من أن الصورة التي ظهرت فيها السيدات السعوديات، وأثارت زوبعة اعتراض رموز المؤسسة الدينية، لم تكن للنشر، إذ كانت مجرد صورة خاصة بين مجموعة من السيدات السعوديات، والملكة رانيا، قرينة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، وهذا حقّـهن، وليس من حق أحد أن يُـصادره أو يتخذه ذريعة لوقف حركة إصلاح مطلوبة بشدة والانقضاض عليها، فيما يكشف عن حيل البعض للتمسّـك بعابر الأمور على حساب جوهرها.

تأثير رموز المؤسسة الدينية

والبارز في هاتين المفارقتين أمران: أولهما، أن معارضة عملية الإصلاح تأتي من مستويات عدة، بعضها يُـمكن وصفه بأنه مستوى إداري وسيط لم تصل إليه رسالة الإصلاح بعد، ولا يستطيع أن يجازف بعدُ باتخاذ القرارات الجريئة غير المعتادة، وما زال يفترض أن الأمور يُـمكن أن تُـدار بعقلية المنع والحجب والمصادرة، وليس بعقلية الانفتاح والحوار والمجادلة بالحُـسنى، وأن الأمور تحتمل أوجها كثيرة ومتعددة، وأن تلك هي سُـنّـة الحياة، والوقوف أمامها يعني الجمود والتكلّـس والانحسار.

وربّـما جاز القول أن صغار الموظفين بحاجة إلى إعادة تنشئة وتأهيل حتى يواكبوا ضرورات الإصلاح ومعانيه، وإلا جاءت الرياح بعكس ما يفترض، وتلك بدورها مهمة القائمين على الإصلاح من أعلى. فالأمر بحاجة إلى قنوات فاعلة، حتى تصل الأمور من قمة الهرم إلى أدنى مستوى فيه بسلاسة ووضوح.

أما البعض الآخر من معارضي الإصلاح، فهم من منتسبي المؤسسة الدينية ورموزها التي اعتادت تفسيرات وتخريجات فِـقهية مُـعيّـنة على مدى زمني طويل، وترى أن دورها يكمُـن في بلورة سياج حماية لتقاليد اجتماعية، الكثير منها لا أساس له في الشرع، ولكنه الاعتياد والمصالح الواسعة، وكلاهما يفسّـران أسبابا لمعارضة إصلاح يُـفترض بدوره تغييرا وتبديلا في كثير من أوجه الحياة العامة.

والواضح أن دور هؤلاء في تقييد عملية التغيير المنشودة مؤثر جدا، وقدرتهم على تعطيل بعض الإرهاصات الطيبة المناصرة لعملية مراجعة ذاتية من خلال منظور الثوابت الشرعية نفسها، قدرة كبيرة. ولعل في مُـحاصرة وتشويه الرأي الذي قال به الشيخ الدكتور عائض القرني من أن منع قيادة المرأة للسيارة ليست من أصل الشرع، بمعنى أنها ليست من الثوابت محل الإجماع التي تتّـصل بأصل العقيدة، مما أدى به إلى "إعادة تفسير" ما قاله سابقا، بحيث يقود إلى عدم إعمال العقل والحكمة في هذا المنع.

والشيخ عائض، هو من حاور من يُـعرفون بشيوخ الإرهاب وقاد بعضهم إلى مراجعة الكثير من أفكارهم وفتواهم، وهو المحسوب على المؤسسة الدينية وابنها البار، ومع ذلك تعرّض لما تعرض له من تشويه وضغط معنوي، وكأنه فعل فعلة نكراء. فما بالك بمن هم خارجها، أو كانوا أقل حظوة وشهرة، إن أرادوا فتح المجال أمام اجتهادات جديدة ومراجعة لتقاليد اجتماعية وفق نظرة شرعية جديدة لا تمس أسسه بأي حال، ولا تهدم أو تتجاوز المتفق عليه والمحسوم من أصل الشريعة الإسلامية.

دور مهم لولي العهد

الأمر الثاني، فيتعلّـق بالدور الذي يلعبه ولي العهد الأمير عبد الله، المعروف عنه حسمه ووضوح رؤيته والتفاف المواطنين من حوله، وأيضا تديّـنه وتمسّـكه بالشريعة الإسلامية الغرّاء، دون تشدد ودون تهاون، وحرصه على تماسك المجتمع، ولكن مع تطوره وتنميته، وهو دور قائد لعملية الإصلاح تحت مظلة الملك فهد، وهذا ما يعكس اتفاقا داخل الأسرة السعودية على اتخاذ خطوات عدّة، وفتح ملفات مختلفة من أجل إعادة تجديد الحياة في المجتمع السعودي بجوانبها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، والتي ثبَـتَ أنها لم تعُـد ملائمة تماما للتطور العام في الداخل وفي العالم كله.

وحين يكون ولي العهد راعيا لعملية إصلاح وحوار وطني، نكون أمام قدوة، ولكن يبدو أنها لم تصل بعدُ إلى كل التيارات والرموز في المجتمع، وهو ما يُـعيدنا مرة أخرى إلى أهمية قنوات التوصيل وأمانتها.

معترضون، ومتسرّعون

والواضح، أنه كما يوجد معارضون أو معترضون على الإصلاح كفكرة وكمحتوى، أو على بعض تفاصيله الأساسية، هناك من يريد الإسراع بالخطى، ربما على نحو قد يضر بالمسألة كلها ويستنفر القوى المضادة معا للعمل على إجهاضها.

ولعلّ في تحذيرات ولي العهد التي نُـشرت يوم 22 يناير الجاري، ما يُـشير إلى ضرورة أخذ الأمور بروية وبتحضير جيّـد، وبإعداد للمجتمع ليتقبّـل نتائج الإصلاح ويتفاعل معها بجدية.

وفي حوار منشور للأمير الوليد بن طلال قبل شهرين في صحيفة "الوطن"، وهى إحدى الصحف السعودية المعبّـرة عن تيار التجديد والليبرالية، بشّـر بأن تكون الانتخابات أسلوبا معتمدا لاختيار أعضاء مجلس الشورى، وأن تتغيّـر الكثير من القواعد المتبعة بشأن المرأة السعودية، بحيث يُـتاح لها فرصة أكبر للتعبير عن نفسها، والمساهمة في أنشطة العمل العام دون عوائق.

ومن تأكيداته، أن قرار الإصلاح والتّـغيير المُـخطّـط قد اتّـخِـذ، وأن على الجميع أن يُـدرك ذلك، بما في ذلك المؤسسة الدينية التي بات مرغوبا تجديد خطابها.

نحن إذن أمام عمل كبير بدأت عجلاته فى الدوران، من يقف معترضا سيناله بعض الضرر، ومن يتسرّع فيه سيناله ضرر مماثل، والمهم أن يتم تأهيل المجتمع ودفعه للمشاركة.

ستحدث معارضة؟ نعم. ولكن من قال أن الإصلاح، أي إصلاح، يكون بلا ثمن حتى في الملكيات التي ترعى هذا الإصلاح؟ والجميع يعرف أن الساعة لا تعود إلى الوراء أبدا أو هكذا قالت مجلة "المجلة" السعودية في الصفحة 90 من عددها رقم 1250..

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة