The Swiss voice in the world since 1935
موجز شخصي

سجّل الدخول لإضافة مواضيع إلى موجزك.

سجل الآن
قائمة المفضلة

سجّل الدخول لإضافة مقالات إلى قائمتك المحفوظة.

سجل الآن

هيلين سميث… أول سويسرية على سطح المريخ

هيلين سميث في صورة ذاتية.
هيلين سميث في صورة ذاتية. zvg

بعد انتهاء يوم عملها، كانت إليز مولر، ابنة جنيف، تسافر بخيالها إلى المريخ. ثم جاء باحث ودوّن حالتها، فتحولت إلى شخصية شهيرة باسم هيلين سميث. هذه حكاية سويسرية مبدعة، غريبة بقدر ما هي آسرة.

في العقود التي سبقت عام 1900، كان المريخ يشغل مخيلة الناس في أنحاء العالم. والسبب أن علماء فلك اعتقدوا أنهم رصدوا على سطح هذا الكوكب الصحراوي شبكة من القنوات.

وساد الاعتقاد آنذاك بأن حضارة متقدمة وحدها قادرة على إنشاء نظام ري يمتد على مستوى كوكب بأكمله.

رسومات تخطيطية لقنوات المريخ وضعها بيرسيفال لويل، أحد أبرز من روّجوا لهذه النظرية في الولايات المتحدة.
رسومات تخطيطية لقنوات المريخ من إعداد بيرسيفال لويل، الذي نشر هذه النظرية في الولايات المتحدة. zvg

وسرعان ما تكاثرت التصورات بشأن شكل سكان المريخ. البعض تخيلهم شبيهين بالبشر، فيما منحهم البعض الآخر أجنحة. أما لدى الكاتب هربرت جورج ويلز، فتحولوا إلى أدمغة عدوانية ضخمة ذات مجسّات تغزو الأرض.

آنذاك، لم تكن الحدود واضحة بين الخيال الأدبي والطرح الذي يُقدَّم باعتباره علميًا. فأهل العلم كتبوا الروايات، وأهل الأدب خاضوا في علم الفلك.

هيلين سميث… رؤى من المريخ

وسط الأسماء المعروفة التي كانت ترسم صورًا متخيَّلة للمريخ آنذاك، برزت أيضًا امرأة من جنيف: هيلين سميث.

كان اسمها الحقيقي كاثرين إليز مولر، وولدت عام 1861 في مارتيني بكانتون فاليه. وبين عامي 1894 و1900، أدارت نحو 150 جلسة لتحضير الأرواح. غير أن رؤاها عن المريخ هي التي منحتها شهرة عالمية.

وكانت النزعة الروحانية، أو الاعتقاد بإمكان التواصل مع أرواح الموتى، تعيش أوجها في أوروبا آنذاك. وكانت مجموعات مغلقة تجتمع في جلسات يُفترض خلالها الاتصال بعالم الأرواح.

وفي قلب تلك الجلسات كانت تقف “الوسيطة الروحية”، وهي امرأة تدخل في غيبوبة وتتواصل، بحسب الادعاء، مع العالم الآخر. فبعض الوسيطات كنّ يفسرن مثلًا أصوات الطَرق باعتبارها رسائل من أرواح مشاغبة، فيما تترك أخريات أيديهن تتحرك على الورق وكأن أرواحًا هي التي تملي عليهن ما يكتبن.

عالم الأرواح… طريق إلى التحرر

ولافتٌ أن النساء شكّلن نسبة كبيرة من هؤلاء الوسطاء. ففي القرن التاسع عشر، كان يُنظر إلى المرأة بوصفها شديدة الحساسية، لكنها غير مؤهلة لأن يكون لها صوت مؤثر ومستقل في المجتمع. لذلك، مثّل ادعاء التواصل مع الأرواح، بالنسبة إلى بعض النساء، شكلًا من أشكال التحرر.

وتكتب المؤرخة كلودي ماسيكوت، التي تناولت الوسيطات الروحيات في أحد كتبها: “حتى وإن كانت الوسيطة تتحدث باسم الآخرين، فقد أُتيحت لها فرصة التعبير عن نفسها، واحتلت موقعًا مؤثرًا، في حين كان سيُطلب منها في ظروف أخرى أن تظل صامتة”.

وتجسد قصة هيلين سميث هذا النوع من الصعود الاجتماعي أيضًا، وإن كان عبر أصوات مستعارة لشخصيات شهيرة متوفاة.

ففي النهار، كانت تعمل في متجر للأقمشة في جنيف. أما بعد انتهاء الدوام وأيام الأحد، فكانت تستقبل الضيوف في صالون منزلها، الذي أولته عناية كبيرة، للقاء عالم الأرواح.

وكان الكاتب فيكتور هوغو أول روح قالت مولر إنها تواصلت معها. وكان هوغو قد توفي قبل ذلك بسنوات قليلة، وكان هو نفسه من أنصار الروحانية في حياته.

وفي مراحل لاحقة، بدأت مولر تعيش، بحسب روايتها، حيوات سابقة كانت فيها أميرة هندوسية تارة، والملكة ماري أنطوانيت تارة أخرى.

المريخ… اهتزازات وضباب وألوان!

في أواخر القرن التاسع عشر، شغلت الناس مسألة التواصل مع سكان المريخ.

أما اتصال سميث بالمريخ فجاء ودون تخطيط، بحسب روايتها، في عام 1894، عندما استضافت امرأة كانت تأمل في التواصل مع ابنها الذي توفي في السابعة عشرة.

المزيد
القمر الاصطناعي لوصف الكواكب الخارجية كيوبس

المزيد

سويسرا في كل مكان في الفضاء

تم نشر هذا المحتوى على على المريخ وعلى القمر وفي الأقمار الصناعية المتجهة للمشتري وفي اتساع السماء: التكنولوجيا السويسرية متواجدة في كل مكان في الفضاء.

طالع المزيدسويسرا في كل مكان في الفضاء

لاحقًا، روت سميث أنها تبعت ضوءًا ساطعًا في الأعلى، ثم أخذ جسدها يرتجف بقوة إلى حد شعرت معه بأن قلبها يكاد يتوقف. بعد ذلك وجدت نفسها وسط ضباب تتغير ألوانه، قبل أن تشعر فجأة بأرض صلبة تحت قدميها: لقد وصلت إلى المريخ.

ومنذ ذلك الحين، أخذت تتجول مرارًا على سطح المريخ في جلساتها اللاحقة. وكان ذلك، على وجه الخصوص، مصدر سعادة للسيدة ميربيل، إذ قالت سميث إن ابنها المتوفى عاد في صورة جديدة وأصبح دليلها في ذلك العالم الغريب.

إنسان المريخ في بيئته المريخية (رسم)
وهكذا رسمت هيلين سميث كائنًا من المريخ في بيئته المريخية. zvg

ولم يكن سكان المريخ في رؤى سميث غريبي الهيئة إلى حد كبير. فقد كانوا يشبهون البشر، غير أن النساء والرجال يرتدون الزي نفسه.

وكانوا يتنقلون في “عربات بلا خيول ولا عجلات، تنثر الشرر أثناء انزلاقها”، أو يستخدمون مركبات تشبه الصواريخ الفردية، وفق ما دوّنته سميث.

ووفق وصفها، لم تكن طبيعة المريخ تختلف كثيرًا عن طبيعة الأرض. لكن الأكثر إثارة للاهتمام كانت رسوماتها لعمارة الكوكب، ونباتاته، وحشراته.

منظر لمريخ، رسمته هيلين سميث.
منظر للمريخ، رسمته هيلين سميث. (مكتبة جنيف) zvg

وفي عام 1896، بدأت سميث تتحدث وتكتب بلغة غريبة أطلقت عليها اسم “المريخية”.

وللوهلة الأولى، بدا أنها لا تشبه اللغات المعروفة، وأنَّ لها قواعد خاصة بها. حتى عالم اللغة الجنيفي فرديناند دو سوسير حضر عددًا من الجلسات لدراسة هذه الظاهرة اللغوية. لكن التحليل أظهر في نهاية المطاف أنَّ بنية اللغة “المريخية” كانت متأثرة إلى حد بعيد باللغة الفرنسية.

عينة من خط هيلين سميث باللغة "المريخية".
عينة من خط هيلين سميث باللغة “المريخية”. zvg

غير أن الصوت الذي جعل هيلين سميث معروفة عالميًا لم يكن هذه المرة صوتًا قادمًا من عالم آخر، بل صوت رجل يعيش على الأرض. فقد وصلت رؤاها إلى جمهور واسع بفضل كتاب لعالم النفس الجنيفي تيودور فلورنوا بعنوان “من الهند إلى كوكب المريخ”.

موضوع لبحوث علم النفس

على مدى سنوات، تابع فلورنوا جلسات سميث ووثّقها. وهو أيضًا من منح إليز مولر الاسم المستعار “هيلين سميث”، الذي اشتهرت به في العالم. وبالنسبة إليه، كانت إليز مولر موضوعًا للدراسة النفسية.

ويحتل كتاب فلورنوا موقعًا لافتًا في تاريخ علم النفس، إذ صدر عند منعطف القرن العشرين، في الفترة نفسها تقريبًا التي ظهر فيها كتاب سيغموند فرويد الشهير “تفسير الأحلام”.

كانت الروحانية تقول إن الأشباح تسكن بيوتنا وإن بإمكاننا مخاطبتها. أما فرويد فذهب، بالمعنى المجازي، إلى أننا لسنا أسيادًا كاملين في “بيوتنا” الداخلية، لأن رغبات لا واعية تحركنا، وأن التحليل النفسي يتيح لنا التواصل معها. واتخذ فلورنوا مسارًا وسطًا بين الطرحين. فهو لم يرَ في رؤى سميث رسائل آتية من المريخ أو من عالم آخر، بل وسيلة تتيح لها التواصل مع عالمها الداخلي.

وصاغ على هذا الأساس نظرية “الكريبتومنيزيا” أو “الذاكرة الخفية”، ومفادها أن اللاوعي قادر على استعادة معلومات مخزنة في أعماق الذاكرة بصورة تلقائية، دون أن يدرك الشخص مصدرها.

شهرة عالمية

هيلين سميث تزوجت من تيودور فلورنوي.
هيلين سميث تزوجت من تيودور فلورنوي. zvg

يعج تاريخ علم النفس بقصص نساء طواهن النسيان باعتبارهن مريضات مجهولات، بينما تحوّل الرجال الذين وصفوا حالاتهن إلى أسماء كبيرة في تاريخ العلم.

وإلى حد ما، كان هذا أيضًا مصير إليز مولر. فقد نشب خلاف بينها وبين فلورنوا، إذ رفضت تحليله الذي تعامل مع تجربتها من منظور مرضي. كما تبعثر معظم أعمالها بعد وفاتها، وتفرقت مقتنياتها ووثائقها في أماكن مختلفة، رغم أنها أوصت بأن تؤول إلى مدينة جنيف،.

لكن بعد صدور كتاب فلورنوا، لم يمض وقت طويل حتى بدأت صحف محلية، حتى في أبعد المناطق، بنشر أخبار رؤى سميث.

بل إن بعض الصحف أعادت تفسير تعاونها مع العالم فلورنوا بطريقة توحي بأن رؤاها قد تكون حقيقية بالفعل. وفي عام 1900، نشرت صحيفة St. Louis Post-Dispatch الأمريكية مقالة عنوانها: “علماء يعتقدون أن هيلين سميث، وهي فتاة سويسرية، زارت المريخ”.

اهتمام متأخر من عالم الفن

ولفتت سميث أيضًا انتباه راعية فنون أمريكية ثرية. فقد تكفلت المليونيرة الأمريكية ماري جاكسون بمنحها دخلًا منتظمًا حتى نهاية حياتها.

«زهرة المريخ» لهيلين سميث.
«زهرة المريخ» لهيلين سميث. zvg

وفي ما بعد، تحولت سميث إلى شخصية ملهمة لأشخاص من عالم السريالية. فمع اهتمامهم الإبداعي باللاوعي، لم يكن مستغربًا أن يفتتنوا بالسائرين أثناء النوم، وبالأشخاص الذين يتحدثون لغات غير مألوفة، وبالوسطاء الروحيين.

وفي عام 1933، احتفى أندريه بريتون، أبرز منظّري الحركة السريالية، بسميث بوصفها ملهمة “الكتابة التلقائية”، وهي أسلوب يقوم على الكتابة بحرية دون رقابة واعية صارمة.

وحظي إرثها الفني بتكريم آخر عام 2022 في بينالي البندقية للفنون، حيث عُرضت لوحاتها عن المريخ ضمن معرض “عُصارة الأحلام” (The Milk of Dreams).

أما أكثر أصداء عالم هيلين سميث إثارة للاهتمام في الفن المعاصر، فربما يظهر في عمل الفيديو «nimiia cétiï» للفنانة الفنلندية يينا سوتيلا.

فقد درّبت سوتيلا شبكة عصبية على “اللغة المريخية” التي ابتكرتها سميث. وتولّد الشبكة في الفيديو لغة وكتابة جديدتين تتفاعلان مع حركات بكتيريا Bacillus subtilis. وقد اختارت سوتيلا هذه البكتيريا شريكًا في عملية “الوساطة” لأنها، من الناحية النظرية، قد تكون قادرة على البقاء حية على سطح المريخ.

محتويات خارجية

تحرير: بالز ريغندينغر

ترجمة عن الإنجليزية. راجعته وعالجته: ريم حسونة

قراءة معمّقة

الأكثر مناقشة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية