قراءة في قرار العفو عن إصلاحيين سعوديين

الملك عبد الله بن عبد العزيز بعد توليه مقاليد السلطة رسمياً في الثالث من أغسطس الماضي Keystone

يثير قرار الملك عبد الله بن عبد العزيز بالعفو عن خمسة من دعاة الإصلاح السعوديين شجونا عديدة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 14 أغسطس 2005 - 08:00 يوليو,

والعفو هنا أيا كان حجمه، مقصود منه تقديم إشارة ورمز بأن العهد الجديد قادر على تجاوز الأخطاء التي وقع فيها البعض سابقا.

يثير قرار الملك السعودى عبد الله بن عبد العزيز بالعفو عن خمسة من دعاة الإصلاح السعوديين شجونا عديدة.

فمن ناحية، يعيد الحق إلى أصحابه بعد حكم قضائي قاس، لم يكن له ما يسوغه وِفق المعايير الشرعية، ومن ناحية أخرى، يلفت الأنظار إلى قضية الإصلاح فى المملكة نفسها، وحدودها المسموح بها، ويطرح سؤالا كبيرا: هل هناك خطوات قيد الإعداد قد تجد طريقها إلى التطبيق قريبا؟

نطرح هذا السؤال آخذين في الاعتبار أن تلك القضية ليست محل إجماع في الداخل، سواء في الأسرة الحاكمة أو في المجتمع السعودي نفسه، خاصة مؤسساته الدينية الرئيسة، لا من حيث التوصيف ولا من حيث الإجراءات المطلوبة، ولا من حيث الضرورة، ولا من حيث السرعة. وفي حال كهذا يصبح المرجح مزيجا بين خطوات رمزية، وأخرى محدودة.

مزيج بين تقاليد ملكية وإشارة رمزية

واقع الحال أن أحد أبعاد هذا العفو الملكي يكمن في التقاليد المعمول بها نفسها في الملكيات. فحين يأتي ملك جديد، يحرص على إصدار عفو، إما عام بحق معارضين أو جماعات معيّنة ناصبت الملك السابق العداء، أو بحق رموز وشخصيات معينة لهم امتدادات قبلية وأسرية مهمة، أو بحق رموز فكرية ودينية ودعوية.

والعفو هنا أيا كان حجمه، مقصود منه تقديم إشارة ورمز بأن العهد الجديد قادر على تجاوز الأخطاء التي وقع فيها البعض سابقا، أو أنه يرفع ظلما بدا واضحا لولي الأمر الجديد. وكلا الأمرين معمول بهما في النظم الملكية، ورأينا أمثلة عديدة لها في بدايات عهد الملك عبد الله الثاني، ملك الأردن، وكذلك الملك محمد السادس، عاهل المغرب، وفي البحرين، حين تولى الملك حمد بن عيسى آل خليفة الحكم، وأفرج عن عدد كبير من المعارضين الذين سُجنوا في عهد والده.

الحالة السعودية لا تختلف كثيرا عن هذه التقاليد الملكية التي تحرص على ربط مثل تلك القرارات بالقدرة على العفو، كما هو الحال بالقدرة على العقاب، وكلاهما دليل على ما يتمتع به الملك من سلطات واسعة، باعتباره ولي الأمر الشرعي الذي لا يجوز مناكفته أو الاعتراض على قراراته.

وجهة نظر وحكم قاسي

ومع ذلك، فإن حالة الإصلاحيين السعوديين الخمسة المعفو عنهم، تثير بُعدا آخر يتعلّق بقضية الإصلاح في المملكة، وهل يُعد العفو مثلا مقدمة لإجراءات جادة في هذا المجال؟

فالإصلاحيون المفرج عنهم، ثلاثة منهم وهم الأكاديميان، متروك الفالح وعبد الله الحامد، والشاعر علي الدميني، من الموقعين على بيان شهير دعا إلى إصلاحات سياسية واسعة في المملكة، وأثار في حينه صدى كبيرا، ليس باعتباره مجرّد وجهة نظر، وإنما لجرأة الطرح الذي تضمنه، وجاذبية الفكرة بالنسبة للكثيرين من أبناء الطبقة الوسطى السعودية التي تتطلع إلى نظام سياسي يسمح لها بمشاركة أوسع.

أما الرابع، وهو عبد الرحمن اللاحم فقد كان محاميا لهم، وانتقد أداء المحكمة التي قضت بأحكام السجن عليهم، وقضيته مازالت قيد النظر. أما الخامس، فهو الشيخ سعيد بن زعير الذي حُـكم عليه بالسجن، نظرا لأنه قدم تحليلا في إحدى الفضائيات العربية لمضمون بيان صادر عن القاعدة، ربط فيه بين الاعتداءات التي تقوم بها الولايات المتحدة في العراق، وإسرائيل في فلسطين المحتلة، وما يفعله تنظيم القاعدة، الأمر الذي اعتبرته السلطات السعودية مثيرا للفتنة، ويبث بذور الفرقة، ويبرِّر الأعمال الإرهابية، ويروج لأفكار القاعدة.

والواضح أن قضايا المعفو عنهم تدخل في باب حرية الرأي بامتياز، ومع ذلك، كانت الأحكام بالسجن عليهم قاسية، حيث تراوحت بين ستة وتسعة أعوام، وذلك في وقت كانت دعوة الإصلاح والتغيير وإعادة النظر في أوجه قصور عديدة هي السائدة رسميا وشعبيا.

وما فعله هؤلاء، هو أنهم شاركوا بما اعتبروه مساهمة عملية وفكرية للتطوير وإعادة البناء، أو توضيح لأسباب ممارسة العنف عند بعض المسلمين.

ما وراء العفو

والواضح أيضا، أنه من الصعب القول إن هذا العفو يعني الكثير في المستقبل القريب. وتعود تلك الصعوبة إلى أمور عدّة، منها طبيعة القضية التي سُجن من أجلها هؤلاء الدّعاة وفقا لما تم شرحه آنفا، وأيضا لحقيقة أن الملك عبد الله كان يُـدير شؤون المملكة فعليا كنائب للملك وولي للعهد نظرا لوضع الملك فهد الصحي، وأنه هو الذي أدار وقنّـن جملة من الإصلاحات التي لا خلاف على أهميتها.

فقد سُجن هؤلاء الإصلاحيين في وقت كانت نغمة الإصلاح والتغيير بما لا يتصادم مع الشريعة هي السائدة، ولكن دون الاتفاق العام على جوهر المطلوب بالفعل، والمدى الزمني المناسب لتطبيقه.

وكان التساؤل الذي برز في أذهان الكثيرين من السعوديين، يتعلق أساسا بالمدى الذي يمكن للمملكة أن تتحمّله في مسألة الإصلاحات المطلوبة، وهل تصل هذه الإصلاحات إلى حد قبول دعوة بعض السعوديين إلى إعادة هيكلة المملكة ونظام الحكم فيها إلى نظام ملكي دستوري، كما هو معمول به في الملكيات الأوروبية، حيث يملك الملك ولكنه لا يحكم، أو حيث تكون سلطاته مقنّنة بدستور واضح المعالم، ولرعيته حق المشاركة في الحكم وِفق ضوابط معينة، وهي جوهر العريضة التي سُجن بسببها 12 شخصية، واعتبرت من قبل أمراء نافذين في الأسرة الحاكمة عريضة غير مرغوبة، تثير الفتنة وتبيح الخروج على الحاكم، ونذير خطر يجب وأده بسرعة وقسوة معا.

طبيعة الإصلاح المطلوب

إن تأمل هذه الاتهامات، وكذلك أحكام السجن القاسية التي لحقت بحق بعض الموقعين على البيان، يظهر أمرين. أولهما، أن الأحكام القاسية التي قضت بسجن الرافضين التعهد بعدم العودة إلى مثل هذه الأفكار بمُـدد تتراوح بين 6 إلى 9 سنوات، كان مقصودا منها الردع عن المطالبة بالأفكار الدستورية الحديثة أو الدعوة إليها بأي شكل كان.

أما الأمر الثاني، فيوضح أن طبيعة الإصلاح التي استقرت عليه الأسرة الحاكمة لا يطول صلاحياتها ولا شرعية حكمها، وإنما ينحصر في القيام بعدد من الإجراءات التي تستهدف معالجة ثغرات إدارية وفنية ومالية واجتماعية ودعوية، كشفت عنها مشاركة 15 سعوديا من بين 19 سعوديا في هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة.

الأمران معا متكاملان، ويشيران إلى أن النقاش الذي شهدته الأسرة السعودية حول ما الذي يجب عمله لاحتواء الضغوط المختلفة، سواء الدافعة إلى الإصلاح الشامل أو الراغبة في إبقاء الأوضاع على ما هو عليه، قد استقر على أن هناك سقفا معيّنا لا يجب السماح بتجاوزه، وهو سقف إجراء الإصلاح وفقا لتوازنات المجتمع السعودي نفسه، وهي توازنات دقيقة، لاسيما بين الأفكار الحديثة والمبادئ الدينية، وبين دُعاة الإسراع ودُعاة الإبطاء، والأهم من كل ذلك، ألا تكون تلك الإصلاحات بمثابة خطوة في طريق ينتهي بإنهاء حكم الأسرة السعودية نفسها أو يلمح إلى التشكيك في شرعيتها، أو يذكر كائنا من كان بأن السعودية قد تسير على درب الاتحاد السوفيتى في عهد آخر رؤسائه غورباتشوف، صاحب نظرية البريسترويكا التي عجّـلت بالإطاحة بالدولة السوفيتية. ولذلك، لم يكن مسموحا ولن يكون أيضا في المستقبل أي تهاون مع من ينادون بالملكيات الدستورية.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة