تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

كارثة إدارة الكوارث في الدول العربية

عندما تقع الكوارث فعليا في البلدان العربية، عادة ما يتم اكتشاف وجود مشاكل مُـزمنة تتعلق بعدم القدرة على التعامل مع الأزمة

(swissinfo.ch)

داخل معظم الدول العربية، في كل وقت تقريبا، تُـوجد دورة دراسية تُـنظم في مكان ما تحت إسم "إدارة الأزمات"

لكن عندما تقع الكارثة فعليا، يتم أحيانا اكتشاف وجود كارثة أخرى تتعلق بعدم القدرة على التعامل معها

لقد تعرّضت العديد من الدول العربية خلال السنوات الأخيرة لعدد من الكوارث الكبرى، التي دفعت الحكومات إلى الاهتمام بتلك المشكلة، ليس فقط بفعل الخسائر المادية والبشرية والمآسي الإنسانية التي تنتُـج عنها.

لكن بفعل الضربات العنيفة التي توجهها تلك الكوارث لبنية الدولة، يتضمّـن ذلك اقتصادها القومي وأمنها العام وجهازها الإداري، على غرار ما حدث بشأن زلازل الجزائر العنيفة، وفيضانات المغرب والسودان، وحوادث مصر المتكررة، بل أن وقائع محدّدة كحوادث القطارات، وغرق السفن، وهجوم الجراد، وانهيارات المباني، تلقي بظلال ثقيلة على كفاءة الحكومات وسياسات الدول وتوجهات الرأي العام.

النظرية والتنفيذ

لكن الصورة العامة لتلك المسألة، تبدو معقّـدة قليلا. فهناك مؤشرات حقيقية، كما سبقت الإشارة، حول وجود اهتمام واسع النطاق بدرجة مبالغ فيها أحيانا بمشكلة إدارة الأزمات، إذ يوجد حجم هائل من الكتابات المتخصصة حولها، وعدد كبير من الخبراء العاملين في المجال، وتقارير شبه دورية تصدُر من مؤسسات مختلفة، رسمية ومستقلة، بل ومراكز دراسات متخصصة في كثير من الدول، ودورات تدريبية مُـتواصلة في كل الوزارات تقريبا، بدءا بأكاديميات الدفاع والأمن، وحتى وزارات الكهرباء والري والتموين، مع وجود مراكز لإدارة الأزمات داخل بعضها.

لكن، عندما تقع الكوارث فعليا، يتم اكتشاف وجود تلك المشكلة المُـزمنة المتعلقة بعدم القدرة على التعامل مع الأزمة. فالنظرية شيء والتنفيذ شيء آخر، سواء كان ذلك في مواجهة الكوارث الطبيعية أو الكوارث الناتجة عن أخطاء بشرية، وترصد التحليلات التي تتناول تلك المشكلة في المنطقة عشرات الأسباب "الفنية" التي لا جدوى حقيقية من رصدها. فهي أشبه بالمتاهة، لكن أي إطلاع عام على أي تحقيق جرى بشأن كارثة فعلية، يوضح ما يلي:

1 – أن معظم البلدان العربية قد صاغت، أيا كان التعبير المستخدم، أفكارا بشأن ما يُـسمى استراتيجية قومية للتعامل مع الأزمات، لكنها عموما غير مُـترجمة إلى هياكل عملية مركزية. لذا، فإنه عندما تقع الكارثة، يسُـود الارتباك. فلا يوجد من أُنيطت به من قبل مسؤولية إدارتها خارج أجهزة الدولة المعتادة، وعادة ما تتحرّك القوات المسلحة للتعامل مع المشكلة إلى أن تتّـضح الأمور.

2 – أن فكرة التنبّـؤ بالأزمات عبر إنذار مبكّـر، يُـتيح الاستعداد لها من خلال تحديد سيناريوهات مُـعيّـنة، واعتمادات مالية وجهات جاهزة للتحرك لا وجود لها. فعلى الرغم من وجود خرائط تفصيلية أحيانا لطبيعة المخاطر التي تواجه المناطق المختلفة في الدول، كغرق السّـفن في المناطق الساحلية، أو انهيار الجسور في المناطق الزراعية، أو السيول في المناطق الصحراوية، فإن الكوارث تبدو دائما وكأنها تفاجئ الجميع.

3 – أن مشكلات واسعة النطاق، تظهر عند التعامل مع الكوارث التي تقع بالفعل، والتي يكون الهدف الواضح بشأنها هو تقليص الخسائر، وأعمال الإنقاذ، واحتواء الموقف، واستعادة الأوضاع الطبيعية، كعدم التنسيق بين الجهات التي يُـفترض أن تواجهها، في ظل التعددية الواسعة لها، والتنافس الشديد والحساسيات وإزاحة المسؤوليات فيما بينها أحيانا، مع قصور في كفاءة الإغاثة، من حيث سرعة ردّ الفعل والفعالية في العمل.

دراسة حالة

إن مصر، على سبيل المثال، تُـعتبر من أكثر الدول العربية تطورا في هذا المجال. فهناك اهتمام واسع بإدارة الكوارث، وهناك قاعدة بيانات شديدة التّـحديد بشأن الكوارث المتوقّـعة في كل من أقاليمها، وهناك أجهزة دفاع مدني، وإدارة طوارئ.

لكن سنوات التسعينات وصولا إلى هجوم الجراد خلال العام الماضي (2004)، شهدت وقائع شهيرة كانت لها دلالات هامة، مثل غرق العبارة سالم اكسبريس,‏ وكسر مصرف النوبارية، وزلزال أكتوبر ‏1992، وانقطاع التيار الكهربائي عن العاصمة،‏ وانهيار جزء من جبل المقطم، وحريق خط بترول مسطرد، وحريق قطار الصعيد، وجنوح بعض السفن في قناة السويس، وانهيار عمارة مدينة نصر.

وقد أثبتت تلك الحالات أن كثيرا من الكوارث التي ترتبط بأخطاء بشرية، كان من الممكن توقّـعها وتجنبها، وأنه كانت هناك دلائل كافية بشأنها قبل وقوعها، لكنها وقعت نتيجة الإهمال، وأنه بينما تطوّرت أساليب التعامل مع الكوارث المحدّدة، كانهيار العمارات أو جنوح السفن، لا تزال هناك مشكلة، عندما يتعلّـق الأمر بكارثة كبيرة، خاصة ما يتعلق بالكوارث الطبيعية، كالزلازل والسيول، على الرغم من أنها محدودة في مصر.

وقد أكّـدت كل الكوارث تقريبا أن هناك مشكلة مستعصية تتعلّـق بأجهزة إدارة الكوارث. لكن في الوقت نفسه، أثبتت تلك الخِـبرة وجود عوامل إضافية. فالمواطنين العاديين يتحرّكون بشكل سريع يكاد يكون بُـطولي أو "انتحاري" أحيانا، عندما تقع الكوارث، كما أن بعض التنظيمات غير الحكومية التابعة لبعض النقابات أو الجماعات السياسية، تتحرك أحيانا أسرع من بعض أجهزة الدولة، فيما عدا الجيش الذي يكاد يكون الجهة الأولى التي تصل إلى "مكان الحادث" قبل أية جهة مختصة.

الكوارث السياسية

المسألة هنا، هي أنه إذا وُضِـع في الاعتبار أن كوارث مصر تُـعدّ "بسيطة" للغاية، قياسا على ما يحدُث في دول عربية أخرى تتعرّض لمآسي إنسانية في بعض الأحيان، وأن إدارة الكوارث في مصر تظل متماسكة نوعا، قياسا على تلك الحالات الأخرى.

يمكن إدراك ما الذي يُـمكن أن يحدُث إذا تعرضت دولة عربية أخرى لكارثة كبيرة، على غرار ما حدث في جنوب وجنوب شرق آسيا. فعلى الأرجُـح ستكون هناك مشكلة كبيرة، خاصة وأن بنية الدول تتّـسم بالهشاشة نوعا ما في كثير من تلك الدول التي لا توجد في معظمها سوى مدينة واحدة ذات أهمية، هي العاصمة.

إن تيارا رئيسيا بين العاملين في هذا المجال في الدول العربية، يشير إلى أن المشكلة عامة، وأنها لا تقتصر على الدول العربية. فالتحقيقات التالية لأحداث 11 سبتمبر داخل الولايات المتحدة أثبتَـت أن هناك جوانب قُـصور كُـبرى في أساليب عمل مؤسسات دولة تتمتع بإمكانيات هائلة، وأن مأساة موجات المد الأخيرة في المحيط الهادي، توضّـح أن غضب الطبيعة قد يأتي بأعنف من قدرة البشر على التعامل معه، حتى بالنسبة لدول كنمور آسيا، لكن هذا التيار ذاته يؤكّـد أن قدرة الدول العربية على استيعاب التداعيات السلبية لمثل هذه الكوارث الكبيرة، أقل من الجميع، باستثناء إفريقيا جنوب الصحراء.

لكن، تظل ثمّـة قضية مُـثيرة في المنطقة العربية تتم الإشارة إليها، كحالة خاصة بالإقليم، هي الكوارث السياسية. فالدول العربية لا تتعرّض عادة لتلك الزلازل القوية التي تشهدها دول شرق آسيا أو حتى المناطق المجاورة في إيران وتركيا، ولا تتعرض كذلك للأعاصير العاتية التي تشهدها منطقة الكاريبي والولايات المتحدة، أو موجات الجفاف الحادة التي تحدث في الدول الإفريقية، أو حالة الصقيع في مناطق شمال العالم.

لكنها تتعرّض لنوعية من الكوارث السياسية ذات الإفرازات المعقّـدة التي ترتبط بالحروب بين الدول والنزاعات داخل الدول، ربّـما بأكثر ممّـا هو قائم في أية منطقة في العالم حاليا، على غرار ما يحدُث حاليا في العراق والصومال والسودان والجزائر والمناطق الفلسطينية، والتفجيرات الإرهابية في دول مختلفة، ويؤدّي ذلك إلى كوارث أعتى مما حدث بفعل "تسونامي" في آسيا، وهو منطق خاص نسبيا، لكنه يشير إلى زحف التسييس نحو كل المجالات داخل المنطقة العربية.

د. محمد عبد السلام - القاهرة


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×