Navigation

حياة سويسرية

هكذا تُكافح سويسرا لضمان معاشات التقاعد للأجيال القادمة

تعد الحيلولة دون انهيار نظام التقاعد على المدى البعيد من أولويات العديد من الدول. ومن أجل القيام بذلك، تُواجه سويسرا عقبة إضافية، ألا وهي الديمقراطية المباشرة، التي تعتبر في هذا السياق تحدياً حقيقياً.

هذا المحتوى تم نشره يوم 26 أبريل 2021 - 14:53 يوليو,
(كورينا شتاف / الرسم)

يتسم النظام التقاعدي في سويسرا بالتعقيد، فهو يستند على ما يُعرف بالأعمدة أو الركائز الثلاثة: التأمين على العجز والباقين على قيد الحياة وهو عبارة عن تأمين حكومي يؤمّن تكاليف المعيشة للجميع بمعاش متواضع وبحد أدنى، ثم المعاش المهني حيث أن التأمين على الموظفين يتم بصورة إجبارية في صندوق تقاعدي، بما يضمن لهم استمرار حياتهم بنفس المستوى الذي تعودوا عليه أو قريبا منه. أما الركيزة الثالثة فهي عبارة عن ادخار اختياري، يتم التشجيع عليه من خلال اقترانه بخصم ضريبي.

هذا التوزيع يسمح بتقاسم المخاطر وهو ما يجعل النظام السويسري "نموذجًا لبلدان أخرى"، حتى وإن كان "غير مكتمل مع الأسف"، كما يقول توماس غيتشر، أستاذ قانون التأمينات الاجتماعية بجامعة زيورخ.

هذا النموذج يمنح سويسرا بالتأكيد ميزة مؤقتة، لكنه لن يُنقذها من العواقب المترتبة عن تشيّخ السكان، حيث تشير التوقعات إلى أن الأصول المتوفرة ستعجز قريباً عن تمويل معاشات المتقاعدين المُستقبليين إذا ما لم يتم اتخاذ تدابير تصحيحية. لذلك لا يتردد توماس غيشتر في التصريح بأن "القنبلة قد تم تشغيلها" بعدُ.

على الرغم من أن الحكومة السويسرية ما فتئت تؤكد على ضرورة التحرك قبل فوات الأوان، إلا أن عملية إصلاح نظام التقاعد ظلت ورشة ضخمة مفتوحة باستمرار منذ عقود، ومن المؤكد أنها لن تكتمل في وقت قريب.

نفس الحكومة الفدرالية تخلت الآن عن القيام بـ "عملية جراحية شاملة" واختارت انتهاج أسلوب "التصحيح هنا وهناك". هذه الاستراتيجية تم تطبيقها ابتداء من عام 2004، بعد أن تم رفض جميع المقترحات التي تقدمت بها في هذا الاتجاه إما من قبل البرلمان أو من طرف الشعب.

بدأت الرياح تعصف بنظام التقاعد السويسري ابتداء من المُراجعة الحادية عشرة لنظام التأمين على الشيخوخة والباقين على قيد الحياة. قبل ذلك، أدت الإصلاحات التي أدخلت على نظام المعاشات التقاعدية إلى تحسينات أو إلى تعزيز التأمين على الشيخوخة. لذلك كان من السهل الحصول على أغلبية من المُساندين في الاقتراعات. بل إن إقرار التأمين على الشيخوخة والباقين على قيد الحياة نفسه تم في إطار تصويت شعبي حيث حظي إنشاء ما أصبح لاحقا العمود الأول لنظام التأمينات الاجتماعية في الكنفدرالية بموافقة 80% من الناخبين يوم 6 يوليو 1947. وفي العام الموالي، بدأ دفع العلاوات وسط فرحة عارمة من المستفيدين.  

على العكس من ذلك، عندما بدأت مشاريع الإصلاح تقترن بتدهور في أوضاع المستفيدين من هذه التأمينات، أصبح التعامل مع آليات الديمقراطية المباشرة يتسم بقدر أكبر من الصعوبة بالنسبة للسلطات السياسية.

ما زاد الطين بلة هو أنّ الغالبية العظمى من الشباب – وهي الفئة الأكثر ميلا لاتخاذ تدابير حاسمة للحيلولة دون حدوث عجز في نظام التأمين على الشيخوخة والباقين على قيد الحياة، ولكيلا تضطر الأجيال المقبلة لدفع الفاتورة – هجرت صناديق الاقتراع. على العكس من ذلك، فإن معدل المشاركة في التصويت مرتفع في صفوف كبار السن والقريبين من سن التقاعد. في هذا السياق، ترسّخت مسألة المعاشات التقاعدية على رأس انشغالات السويسريين، في حين انهارت ثقة السكان في قدرة الطبقة السياسية على إيجاد حلول للقضايا المصيرية.

إلى أن تم دفعه إلى المركز الثاني بسبب الجائحة الصحية التي نجمت عن انتشار فيروس كورونا في عام 2020، كان نظام التقاعد يتصدر الترتيب في مقياس الهواجس التي تثير قلق السويسريين والسويسريات. في الوقت نفسه، تراجعت ثقة أغلبية السكان في الطبقة السياسية بشكل كبير. 

والسؤال المطروح الآن هو: هل سينجح صناع القرار السياسي في حشد غالبية السكان إصلاح نظام التأمين على الشيخوخة والباقين على قيد الحياة المعروف بـ "AVS21"، الذي أحالته الحكومة بعدُ إلى البرلمان، أم أن الثقة في السياسيين ستستمر في التراجع؟

المؤكد على كل حال هو أن المشروع مثير للجدل إلى أبعد حد.

فيما يلي عرض لأهم ما تضمنه من مقترحات:

واحدة من أكثر النقاط حساسية في خطة الحكومة المقبلة هي بلا شك الترفيع في سن التقاعد للنساء من 64 إلى 65 عاما. إن حق السويسريات حاليا في الحصول على علاوة تقاعدية منتظمة للشيخوخة عاما قبل الرجال يُواجه بالانتقاد من طرف من يعتبره امتيازا مقارنة ببقية بلدان أوروبا.

في المقابل، يلفت المعارضون للزيادة في سن التقاعد إلى أن النساء في سويسرا يحصلن عمومًا على أجور أقل من الرجال عندما يتم توظيفهن، وبالتالي يحصلن في المتوسط على معاشات تقاعدية أقل بحوالي الثلث من الرجال - وهي مسألة مرتبطة بالمعنى الدقيق للكلمة بصندوق المعاشات التقاعدية وليست متعلقة بنظام التأمين على الشيخوخة والباقين على قيد الحياة - وهو الموضوع الأساسي لمشروع الإصلاح.

وتكشف نظرة على التطورات الدولية أنه يتم القضاء على الفجوة بين الجنسين في هذا المجال عليها بشكل متزايد. فعلى سبيل المثال، يُمكن معاينة توجّه واضح لدى الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للسير في هذا الاتجاه.

(نقله إلى العربية وعالجه: ثائر السعدي)

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.