ما الذي تعنيه عبارة ”صناعة سويسرية“ حقًا؟
تفرض سويسرا قيودًا صارمة على استخدام عبارة ”صناعة سويسرية“ (Swiss Made) لحماية سمعة منتجاتها، المرتبطة عالميًا بمعايير الجودة العالية. لكن مؤخّرًا، نجحت شركة تصنيع الأحذية، ”أون“، في تخفيف هذه القواعد. فماذا يعني ذلك؟ وهل تتأثر سمعة المنتجات السويسرية بذلك؟
في نهاية شهر مارس، أصدر المعهد الفدرالي السويسري للملكية الفكرية (IPI) بيانًا توضيحيًا للممارسات المعتمدة. وتضمّن البيان الموجزرابط خارجي بندًا أثار جدلًا في البلاد. فمن الآن فصاعدًا، يجوز تسويق المنتجات الحاملة لعلامة ”صناعة سويسرية“، حتى في حال عدم إنتاج جزء أساسي منها داخل البلاد.
وبدايةً، يجدر التنوية إلى علامة “صناعة سويسرية” (Swiss Made)، المكافئة لعلامة “صنع في” (Made in) في غالبية دول العالم. ورغم وجود علامة “صُنع في سويسرا” (Made in Switzerland)، فمعاييرها وشروطها مختلفة.
ما هي قيمة علامة ”صناعة سويسرية“؟
تواظب الحكومة السويسرية على حسابات معيارية لتقدير قيمة علامة ”صناعة سويسرية“، المميزة باستخدام العلم السويسري. وتحقق البلاد حاليًا نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي بفضل السمعة الجيدة لمنتجاتها.
وردًا على استفسار من موقع ”سويس إنفو“ (SWI swissinfo.ch)، قال المعهد الفدرالي السويسري للملكية الفكرية: ”تبلغ هذه القيمة اليوم حوالي 7 مليارات فرنك“. وتدرها علامة ”صناعة سويسرية“ بسبب استعداد العملاء لدفع مبالغ أعلى مقابل المنتجات الحاملة لهذه العلامة الرامزة للجودة، والدقة، والجدارة بالثقة. وبالتالي، فلوعد العلامة التجارية بتقديم منتجات مصنوعة في سويسرا، قيمة مالية.
ووفقًا للمعهد الفدرالي السويسري للملكية الفكرية، قد تصل هذه القيمة المضافة للاقتصاد إلى 20% من سعر البيع في المنتجات الزراعية الطبيعية، والسويسرية التقليدية، وإلى 50% في السلع الفاخرة. وتشير دراسات، أجرتها جامعة سانت غالن، إلى بلوغ متوسط الزيادة في القيمة، بفضل علامة ”صناعة سويسرية“، نحو 40%.
ما الذي تعنيه عبارة ”صناعة سويسرية“؟
لوضع علامة ”صناعة سويسرية“ على المنتجات الصناعية، ينبغي إنفاق 60%، على الأقل، من تكاليف التصنيع داخل سويسرا. وتخضع صناعة الساعات لقاعدة خاصة. إذ يجب إنتاج 60%، على الأقل، من أجزاء الساعة في سويسرا، وأن تتمّ عمليات تطوير الساعات، بالإضافة إلى إنجاز أهم مراحل التصنيع، فيها أيضًا.
أمَّا في قطاع الأغذية، فيُشترط أن يأتي 80% من وزن المواد الخام من داخل سويسرا. وتُستثنى الشوكولاتة من هذا الشرط، إذ لا تتوفر المكسرات، والكاكاو بكميات كافية، أو قد لا يتوفران فيها مطلقًا. وفي المقابل، يجب أن تكون الوصفة، وعملية التصنيع ”سويسريتين“.
ويسري قانون ”السويسرية“ (Swissness)رابط خارجي منذ عام 2017، ويهدف إلى حماية العلامة التجارية، ”سويسرا“، على نحو أفضل من ”المستغلّين.ات“ المستفيدين.ات من سمعة البلاد دون وجه حق. ويصفه البعض بالحدّة ”كالسكين السويسرية“، ولذلك طالت تبعاته شركات معروفة.
فقد اضطرت شركة تصنيع شوكولاتة ”توبليرون“ إلى إزالة صورة ”جبل ماترهورن“ السويسري من عبواتها بعد نقل الإنتاج إلى سلوفاكيا. كما عدّلت شركة تصنيع حلوى الأعشاب، ”ريكولا“، وصفاتها للحفاظ على حقها في استخدام ”صناعة سويسرية“. وتصل العقوبة المعتمدة لمخالفة القانون إلى السجن لمدة قد تبلغ خمس سنوات.
لكن ثمة مناطق رمادية تقع خارج نطاق تطبيق قانون ”السويسرية“. إذ تستخدم الولايات المتحدة تسمية ”الجبنة السويسرية“ باعتبارها وصفًا عامًا للجبن ذي الثقوب، لا بوصفها دلالة على دولة المنشأ، ولا تُعامل بوصفها منتجًا محميًا. وبالمثل، لا تُعد تسمية ”لحم غراوبوندن“ (Bündner Fleisch) ضمانًا لكونه سويسريًا، بل تُستخدم في الغالب للدلالة على وصفة لحم بقري مجفف في الهواء.
ووفقًا لدراسة حديثة في ألمانيا، يتفاوت فهم التعريفات الدقيقة لدى المستهلكين والمستهلكات. ومع ذلك، يدرك معظم الناس إشارة عبارة ”صُنع في“ إلى بلد الإنتاج.
ما الذي تغير في علامة ”صناعة سويسرية“ الآن؟
ينصّ المعيار الجديد لاستخدام العلامة السويسرية على إمكانية استخدامها إذا كان المنتج مدعومًا ببحثٍ أو تطويرٍ وتصميم سويسريَّين، حتى لو تم تصنيعه في الخارج. لكن في هذه الحالات، يجب صوغ العبارة على نحوٍ مثل ”تصميم سويسري“ (Swiss Engineering)، أو ”بحث سويسري“ (Swiss Research).
وتنص الشروط الجديدة على ما يلي: ”يجب وضع العلم السويسري بين الكلمتين بالضبط، وألا يتجاوز طول ضلع المربّع حجم الخط المستخدم“. ومع ذلك، لا يزال يتعيّن توضيح المعنى الدقيق لمصطلحي ”تصميم سويسري“ (Swiss Engineering)، و”بحث سويسري“ (Swiss Research). وعلى الأرجح، سيحدث ذلك عبر المحاكم.
لماذا جرى تعديل قانون ”السويسرية“ الصارم؟
قال المعهد الفدرالي السويسري للملكية الفكرية، الجهة المقدّمة للتعديلات على القانون، إنّها تهدف إلى تخفيف الأعباء عن الشركات السويسرية. فدفع استمرار قوة الفرنك، وارتفاع الرسوم الجمركية الأمريكية، كثيرًا منها إلى نقل أجزاء من إنتاجها إلى الخارج. وفي المقابل، ظلّت مراحل مهمة من عملية القيمة المضافة خلال عملية الإنتاج، مثل البحث والتطوير والتصميم، تُنجز داخل سويسرا. ولهذا السبب، ترى الشركات في مواصلة الإشارة إلى ”الهوية السويسرية“ لمنتجاتها مصلحةً لها، مشروعة.
ومن أمثلة ذلك شركة ”فيكتورينوكس“ (Victorinox)، المصنّعة للسكين السويسرية الشهيرة. وتمتلك الشركة أيضًا خطًا لإنتاج حقائب وأمتعة السفر، تُطوَّر تصاميمها في سويسرا، لكنها تُصنَّع في الخارج. وحتى الآن، التزمت الشركة بقواعد قانون ”السويسرية“ عبر وضع شعار يشبه العلم السويسري على الحقائب، ولكن على خلفية سوداء. وفي المستقبل، قد تحمل هذه الحقائب شعار العلم السويسري الحقيقي ذي الخلفية الحمراء.
من الجهات المستفيدة من القواعد الجديدة؟
في المقام الأوّل، يُعدّ توسيع نطاق قانون ”السويسرية“ انتصارًا لشركة تصنيع الأحذية، ”أون“. فقد أطلقت علامةً تجارية عالمية جديدة لأحذيتها الرياضية، وتبلغ قيمتها السوقية للشركة نحو عشرة مليارات فرنك سويسري، وتشغِّل آلاف الموظفين والموظفات، منهم.هنّ أكثر من ألف في سويسرا. لكن بشكل أساسي، يتمّ إنتاج الأحذية في فيتنام.
ومع ذلك، وضعت الشركة العلم السويسري على الأحذية، ما دفع المعهد الفدرالي السويسري للملكية الفكرية إلى اتخاذ إجراءات ضدها على الصعيد العالمي. وبعد تصاعد هذا النزاع في نهاية عام 2025، هدّدت برفع دعوى قضائية. وعلى إثر ذلك، أصدر المعهد توضيحًا لممارساته. لكن لا يتعلق الأمر، وفقًا لمتحدّث باسمه، بـ”قانون أون“، بل بتوضيح للممارسات ينطبق على الجميع.
وبالتالي، تفيد القواعد الجديدة عديد الشركات الأخرى. ومن أمثلتها، شركة تصنيع الملابس الداخلية، ”كاليدا“ (Calida). إذ كانت تُنتج في سويسرا في السابق، لكنها نقلت الإنتاج الآن بشكلٍ أساسي إلى المجر، ولم يتبق في سويسرا سوى قسم التطوير. وترحّب الشركات ذات القصص المشابهة بعودة العلم السويسري، بوصفه وعدًا بالجودة العالية لمنتجات علامتها التجارية، بما يزيد من قيمتها.
من الجهات الخاسرة من القواعد الجديدة؟
من الصعب التكهّن بالجهات الخاسرة. لكن الاستياء بين الشركات المستثمِرة كثيرًا في السنوات الأخيرة لتلبية متطلبات قانون ”السويسرية“، كبير. فمثلًا، أبقت شركة ”في-تسوغ“ (V-Zug) المصنّعة لأدوات المطبخ إنتاجها في سويسرا، على ارتفاع تكاليف الإنتاج فيها، للحفاظ على العلم السويسري جوهرًا لعلامتها التجارية.
وصرّح مدير التسويق في الشركة لصحيفة ”نويه تسورخر تسايتونغ“ (NZZ)رابط خارجي قائلًا: ”نتوقع أن يؤدي القرار إلى إضعاف العلامة التجارية السويسرية، وإلحاق الضرر بموقع سويسرا الصناعي“. وبالنسبة إلى الشركات المنتجة داخل سويسرا، يعتبر التوسيع في القواعد ”إسداء معروف يضرّ أكثر مما ينفع“.
كما بقيت شركة ”ترموبلن“ (Thermoplan)، المصنّعة لآلات القهوة، وفيّة لسويسرا لأسباب تسويقية. وقال رئيسها، أدريان شتاينر، لصحيفة ”نويه تسورخر تسايتونغ“ (NZZ): ”بالنسبة إلينا، القرار مخيّب للآمال. شعار العلم السويسري وعدٌ، وهو مرتبط حقًّا بمعايير جودة صارمة“. ويرى تعرّضها الآن للإضعاف.
ماذا سيحدث الآن؟
من معارضي تعديل القانون أيضًا توماس ميندر، رجل الأعمال في مجال صحة الفم، الذي اشتهر عام 2013. وذلك عند نجاحه، بمفرده إلى حدّ كبير، في تمرير مبادرة شعبية حدّت من رواتب طواقم الإدارات العليا، ”مبادرة مكافحة الاستغلال“. والآن، يفكر مرة أخرى في إطلاق مبادرة شعبية ”لحماية السويسرية، وشعار العلم السويسري“.
وتلقَّى البرلمان مقترحات بشأن القانون. ومن الناحية القانونية، ستخضع القاعدة الجديدة الخاصة بقانون ”السويسرية“، للمراجعة أيضًا. وقال رجل الأعمال، روبرتو مارتولو، لصحيفة ”بليك“رابط خارجي: ”إذا سمحنا بهذا التوضيح للممارسات، فستنخفض قيمة ’صناعة سويسرية‘ بشكل كبير“. وكان قد أعاد مؤخرًا إحياء العلامة التجارية السويسرية التقليدية، ”كونزلي“ (Künzli)، المنتِجة لأحذيتها في الخارج، وتحديدًا في البرتغال.
وتملك ”كونزلي“ منتجًا، ونموذجًا تجاريًا، قريبين من ”أون“، لكن موقفها من وضع العلم السويسري على الأحذية مختلف تمامًا. فيتجاوز الجدل حول الصليب الأبيض على خلفية حمراء الاقتصاد، ومؤشراته، بكثير.
تحرير: مارك لويتينيغّر
ترجمة: أحمد محمد
مراجعة: ريم حسونة
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.