تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

معاناة صحية مخيفة في العراق

اكنضاض المستشفيات يزيد معضلة نقص الأدوية والمعدات الطبية سوءً

(Keystone)

ما فتئت العديد من المنظمات الدولية تحذر من كارثة صحية كبرى في العراق حتى قبل سقوط نظام صدام حسين.

وقد زادت الأوضاع ترديا بعد ما تعرضت له المستشفيات من تدمير ونهب. كما أن غياب السلطة المركزية لا يؤشر على تحسن قريب.

يبدو الواقع الصحي والبيئي في العراق اليوم مُثقلا بأعباء شديدة الوطأة عليه وعلى مجمل العراقيين. فهو من جهة يعيش واقع الحرب الأمريكية البريطانية الأخيرة وتبعاتها الخطيرة، ومن جهة أخرى يرضخ تحت وطأة أعباء 13 عاما من حصار لم يسبق له مثيل في التاريخ، علاوة على عدم اهتمام النظام المخلوع بتردي الأوضاع الصحية مما ألحق بالمؤسسات والبنى التحتية عموما أفدح الأخطار.

وفي الواقع، فإن ثمة أوجها عديدة للمعناة في عراق اليوم. فالحالة المأساوية التي يمر بها القطاع الصحي تستلزم أكثر من وقفة وتتطلب تظافر جهود مكثفة للعودة إلى الحد الأدنى من الرعاية الصحية الملائمة للعراقيين.

ويقول الدكتور زيد عبد الكريم، مدير مستشفى اليرموك، أحد أكبر وأهم المشافي الحكومية في العاصمة بغداد، إن الوضع الصحي في تدهور مستمر وإنه يُشرف على كارثة خطيرة. ويؤكد على النقص الكبير في كل شيء، باستثناء أعداد المرضى وتنوع حالاتهم المرضية، التي تشهد وحدها تزايدا مروعا.

فهناك النقص في الموارد المالية اللازمة لإدارة وتشغيل المستشفى، وهناك نقص في الكوادر الطبية والخدمية المساعدة، وهناك نقص خطير في الأدوية المنقذة للحياة والعلاجات واللقاحات على اختلافها، فضلا عن النقص الحاصل في المستلزمات والأجهزة، وفي المعدات ومواد الطب الوقائي.

ويشير الطبيب العراقي إلى أن حدائق المستشفى تحولت، شأنها شأن حدائق مراكز صحية أخرى، إلى مدافن خلال الحرب وما بعدها، نظرا لعدم توفُّـر الوقود الكافي لتشغيل السيارات ونقل الموتى إلى المدافن المخصصة أو حفظها في الثلاجات. أما التلوث البيئي، فوحده يُمثل مأساة كبرى.

تبعات فراغ السلطة

فهناك التلوث الإشعاعي جراء المخلّـفات النووية، التي تم سرقة حاوياتها من المخازن الموجودة في مقر منظمة الطاقة الذرية العراقية في منطقة التويسة، جنوب شرق العاصمة، حيث تم تفريغ محتوياتها القاتلة في الأنهر أو في التربة، ليتم بيعها إلى الأبرياء لاستخدامها في خزن المياه أو الوقود.

ويشير الدكتور خالد عباس رشيد، مدير قسم تقنيات المياه في منظمة الطاقة الذرية العراقية، إلى عمليات نبش المدافن النووية واستخراج بعض محتوياتها، مؤكدا ارتفاع نسب التلوث الإشعاعي إلى معدلات عالية جدا، تجاوزت في بعض المناطق الحدود المسموح بها دوليا للسلامة الإشعاعية، حيث بلغت درجة الإشعاع نحو 11 ألف وحدة قياسية.

كما يشير السيد عباس رشيد إلى مضاعفات استخدام قوات التحالف الأمريكية والبريطانية لقنابل اليورانيوم المنضب، وخاصة في بعض المناطق الزراعية في جنوب العراق، حيث لوحظ وجود آثار للتلوث في المياه الجوفية والتربة التي لم تعد صالحة للزراعة.

وفيما يُطالب الخبير المائي العراقي، خالد رشيد، بضرورة التصدي السريع لمعالجة تلوث مياه الأنهار بالمياه الثقيلة من مصادر الصرف الصحي، يؤكد استحالة إمكانية معالجة المياه الجوفية، التي تسربت إليها آثار التلوث الإشعاعي الخطيرة.

وهناك أيضا مشكلة حاويات القنابل التي يتم إلقاؤها في نهر دجلة تحت مرأى ومسمع القوات الأمريكية، التي لم تحرك ساكنا. وتكفي الإشارة هنا أن بعض الأسماك تموت بعد 3 ثواني فقط من إلقائها في مياه الأنهار، هذا علاوة على مشكلة الصرف الصحي، التي تتسرب مياهه إلى نهر دجلة.

ويقول المهندس رياض نعمان، مدير مشروع "الرستمية" للصرف الصحي في بغداد، إن ملايين الناس يشربون من مياه النهر دون تعقيم، ودون أي مؤشر على قرب توفر حلول حقيقية لهذه المعضلة، مشيرا إلى أن مشروع "الرستمية" الضخم للصرف الصحي متوقف عن العمل حاليا بسبب تعرضه إلى القصف الأمريكي، إضافة إلى أن أعمال السلب والنهب طالت بعض المعدات والأجهزة.

أما فيصل الحمداني، مدير المختبر المركزي في وزارة الصحة العراقية، فيقول، "إن العديد من الحاويات التي تضم نماذج من الفيروسات الاختبارية تمت سرقتها من المختبر، وهي الآن في متناول أيدي المخربين، حيث لم يستبعد الحمداني أن يلجأ بعض هؤلاء إلى تلويث مصادر مياه الشرب من تلك الفايروسات في ظل غياب السلطة المركزية.

هناك أيضا مشكلة هروب نحو 70 مريضا من المصابين بالأيدز من مستشفى العدل الصحي شرقي بغداد، وهم في حالات مرضية متقدمة، الأمر الذي يُمكن أن يهدد بكارثة صحية بعد أن كان العراق يطبق إجراءات صارمة لمنع تسلل هذا الوباء الخطير إلى مواطنيه.

المساعدة لا تكفي

غير أن كل تلك الصورة المأساوية يُمكن أن ترافقها صورة إيجابية تبعث بعض الأمل، حتى ولو بمقدار بسيط. فهناك محاولات عربية محدودة لمد يد المعونة، تقف في مقدمتها المساعدات السعودية والإماراتية، حيث يتدفق مئات المرضى يوميا على المستشفى السعودي وعلى مستشفى الشيخ زايد في بغداد، والذي أنشئ في مستشفى عراقي أعيد تأهيله كليا، وأيضا على المراكز الأخرى التي افتتحتها جمعية الهلال الأحمر الإماراتية في البصرة والموصل، إضافة إلى مراكزها في بغداد، وكلها محاولات لا يمكن أن تقدم حلا وافيا للمعضلة الصحية في العراق، لأن حجم الضرر في القطاع الصحي من الاتساع والشمول، بحيث لا يمكن للمساعدات الإنسانية، أيا كانت، أن تعالجه، إذ لا تعدو كونها قطرة في بحر.

ويقول السيد علي الفواز، مسؤول الإعلام بوزارة الصحة العراقية، إن مستشفى الإشعاع الذري في بغداد، المخصص لمعالجة الأمراض السرطانية، قد باشر العمل أخيرا بطاقته السابقة تقريبا، بعد أن تمكن العاملون فيه من حمايته من أعمال السلب والتدمير التي عمّـت أرجاء العراق. لكنه مع تأكيده على توفر بعض الأدوية المعالجة للأمراض السرطانية، يشير إلى أن العراق، وطيلة السنوات الماضية، كان يعاني من نقص خطير في الأدوية والأجهزة والمعدات الطبية.

مصطفى كامل - بغداد


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×