مُدافع مخضرم عن حقوق الانسان يتعرض للاستهداف في بلاده

"لنفترض أن الأمم المتحدة لم تكن موجودة. حينها ستكون الصراعات الدولية أكثر حدة، ولن تتم معالجة الأزمات الإنسانية، بل ستكون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أقل ضمانًا". © Keystone / Jean-christophe Bott

في عام 2020، أكمل البرازيلي باولو سيرجيو بينهيرو خمسة وعشرين عامًا من العمل في منظمة الأمم المتحدة دفاعًا عن حقوق الإنسان. فقد شغل بعضًا من أكثر المناصب حساسية في المنظومة الأممية لمراقبة الانتهاكات، وكان مقررًا خاصا لكل من بوروندي وميانمار، وأشرف طيلة ما يقرب من عقد على تسيير لجنة التحقيق في الجرائم المرتكبة في سوريا. وفي البرازيل، كان على رأس وزارة حقوق الانسان أثناء إدارة فرناندو هنريكي كاردوزو.

هذا المحتوى تم نشره يوم 16 سبتمبر 2020 - 11:00 يوليو,
جميل شحادة، جنيف

لكن – وهنا تكمن المفارقة – فإن أكبر تهديد يتعرّض له يأتي من بلده، البرازيل. فقد تم إدراج بينيرو في قائمة أعدتها وكالات الاستخبارات بتكليف من وزير العدل تشتمل على مدرسين ورجال شرطة وشخصيات انتقدت حكومة جايير بولسونارو ويُزعم أنهم كانوا أعضاء في حركات "مناهضة للفاشية". وقد نددت جماعات الدفاع عن حقوق الإنسان بالقائمة باعتبارها خطوة من شأنها إحياء مشاعر الخوف من تجسّس الدولة، وهي الممارسة التي لم تُعرف إلا خلال مرحلة الديكتاتورية العسكرية (1964 – 1985).

في مقابلة خاصة مع swissinfo.ch، تحدث عميد حقوق الإنسان في الأمم المتحدة عن التحديات التي ميّزت ربع القرن الماضي، وعن الدبلوماسية الدولية متعددة الاطراف، وعن الدور المركزي للضحايا في عمل المنظمة الأممية، وعن وضعيته في البرازيل.

swissinfo.ch:  خلال 25 عامًا من العمل في وظائف مختلفة في الأمم المتحدة، ما هو الدور الذي تعتقد أنه يمكن للمنظمة الأممية أن تلعبه بالفعل في ضمان حماية حقوق الإنسان؟

باولو سيرجيو بينهيرو: إذا ما نظرنا إلى الأمم المتحدة ككل، نجد أن حقوق الإنسان كانت منذ البداية في صميم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (الصادر) في عام 1948. فهي حاضرة في قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن. كما أن جميع وكالات الأمم المتحدة مثل اليونيسف ومنظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية وغيرها تحمي حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم وكل واحدة في مجالها. لكن أهم هيئة تقوم بفعل المزيد لضمان ذلك فهي مجلس حقوق الإنسان في جنيف من خلال مقرريه الخاصين (الذين بدؤوا) منذ عام 1979 بمتابعة أوضاع حقوق الإنسان في البلدان وبمواضيع شتى، بمساعدة المفوض السامي لحقوق الإنسان.

swissinfo.ch: هل عشت لحظة إحباط بسبب محدودية الدور الذي تلعبه المجموعة الدولية؟

باولو سيرجيو بينهيرو: وحدهم ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، الذين أفضل أن أسمّيهم بالناجين، يُمكنهم الشعور بالإحباط. أما نحن الذين نكافح من أجل أن تُصبح الانتهاكات ظاهرة للعيان ويُعاقب عليها، فلا نشعر بالإحباط إلا بسبب وجود خلل في عمل هيئات الأمم المتحدة. على مدار أكثر من 10 سنوات من انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب، فإن الخلل الكائن في مجلس الأمن الدولي كان يعني أن هذه الجرائم لا تُعرض على أنظار المحكمة الجنائية الدولية. هذا الأمر ليس محبطًا فحسب، ولكنه غير مفهوم أيضا بالنسبة للناجين من الحرب.

swissinfo.ch: لدى قيامك بمهمتك الأولى في بوروندي في عام 1995، كان هناك توقع حقيقي بإحراز تقدم من خلال ولايتك. هل نجح الأمر؟

باولو سيرجيو بينهيرو: ليس للمقرر الخاص عصا سحرية لتغيير الوضع في بلد معيّن، لكن هناك فرق بين وجود مقررين خاصين، وبين إنشاء لجنة تحقيق بعد عام 2016. إذ يشعر المجتمع المدني المحلي بأنه أقوى، تماما كما يشعر بذلك أعضاء الحكومة المعنيين بمجال حقوق الإنسان. لقد كان أفضل محاور لي خلال فترة ولايتي هناك وزير حقوق الإنسان، يوجين نيندوريرا، الذي أصبح في وقت لاحق من عام 2010 مسؤولًا بالأمم المتحدة ضمن مهام معنية في مجال حقوق الإنسان في كوت ديفوار وجنوب السودان.

swissinfo.ch: لقد أمضيت سنوات أيضًا في التعامل مع ميانمار وزعيمتها، أونغ سان سو تشي، عندما كانت لا تزال قيد الإقامة الجبرية. كيف كانت تلك الاجتماعات؟

صورة التقطت يوم 11 نوفمبر 2007 لباولو سيرجيو بينهيرو وهو يُنصت إلى ضابط أثناء قيامه بأداء زيارته إلى معبد شويداغون بمدينة يانغون في ميانمار بعد أن سمح له النظام العسكري الحاكم بزيارة البلاد لأول مرة بعد أربع سنوات في مهمة لتحديد عدد الأشخاص الذين قتلوا أو اعتقلوا منذ بدء حملة قمع دموية من طرف السلطات ضد المتظاهرين المؤيّدين للديمقراطية. Keystone / Str

باولو سيرجيو بينهيرو: كانت ميانمار حالة استثنائية، لأنها كانت حكومة عسكرية سعت إلى الاقتراب من هيئات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ومن كيانات المجتمع المدني، بل استقبلت مهمة من منظمة العفو الدولية. خلال السنوات الأربع الأولى، أي منذ عام 2001، تمكنتُ من الوصول إلى جميع الأماكن والمؤسسات التي طلبت زيارتها. لكن لم أستجب لا أنا ولا غيري من ممثلي الأمم المتحدة في البلاد بشكل مُرضٍ لهذا الانفتاح الذي أبدته الحكومة، التي لم يكن لديها أشياء قيمة لتبرزها ثم تمت الإطاحة بها. لم أعد إلى هناك إلا بعد أربع سنوات أي في عام 2007 عندما اندلعت انتفاضة قام بها الرهبان والمجتمع المدني.

swissinfo.ch: مرت الآن حوالي عشرة أعوام على الحرب في سوريا، وقد سمح التحقيق الذي تقوده بمراكمة حجم غير مسبوق من المعلومات حول الأزمة هناك. ما الذي يمكن عمله بهذه المعلومات؟

باولو سيرجيو بينهيرو: لجنة التحقيق الخاصة بالجمهورية العربية السورية ليست محكمة ولا اختصاص لها في إجراء مفاوضات سياسية. إن الهدف من هذه اللجان – على غرار اللجنة التي ترأستها منذ عام 2011 - هو التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وتوثيقها. نحن نعمل من أجل معرفة الحقيقة وهو من الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الشعب السوري.

هذا هو الغرض من التقارير المقدمة إلى مجلس حقوق الإنسان ثلاث مرات في السنة، والتي تشمل الدراسات الموضعية وجميع التدخلات في هياكل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. لقد أفادت قاعدة بياناتنا التحقيقات التي فتحها القضاء في العديد من البلدان ضد منتهكي حقوق الإنسان في النزاع. كما استُخدمت بياناتنا من قبل الآلية الدولية المستقلة الخاصة بسوريا التي تهيئ قضايا التحقيق الجنائي تمهيدا لعرضها على المحاكم يوما ما.

swissinfo.ch: لقد تحدثت حتى عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في بداية الحرب. هل يُمكن أن يوفّر هذا يومًا ما الأساس لمحاكمة دولية؟

باولو سيرجيو بينهيرو: بالتأكيد، فالبيانات التي يعتمد عليها فريقنا المكون من ثلاثين باحثًا وخبيرًا والتي تستند إليها تقاريرنا، بالإضافة إلى تدخلاتنا داخل هيئات الأمم المتحدة، ستكون قادرة على التعامل مع القضايا المعروضة أمام محاكم دولية مثل المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم في سوريا.

swissinfo.ch: يُصادف عام 2020 أيضًا مرور خمسة وسبعين عاما على إنشاء الأمم المتحدة. هل هناك ما يُحتفى به؟

باولو سيرجيو بينهيرو: هناك ما هو مدعاة للاحتفاء أكثر مما هو مثير للندم. دعونا نتظاهر بأن الأمم المتحدة لم تكن موجودة. ستكون النزاعات الدولية أكثر حدة، ولن يتم التصدي للأزمات الإنسانية، وستكون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أقل ضمانًا. كما أن الإخفاق في إنجاز مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الانسان والمعاهدات ذات العلاقة كان سيحدث بدرجة أكبر. بمجرد مغادرتها، قالت لي بريجيت لاكروا، مساعدتي كمفوض سام للبوروندي: "باولو، ما يهمّ حقًا هو ما الذي ستفعله لفائدة الضحايا. لذا، من وجهة نظر الناجين، يتوجّب علينا إحياء الذكرى لأنهم محور عملنا".

swissinfo.ch: اليوم، تقف الأمم المتحدة ونظام تعددية الأطراف على مفترق طرق، كما تُظهر ذلك جزئيا كيفية التعاطي مع وباء كوفيد – 19. هل هناك خطر حقيقي على المنظومة برمتها؟

باولو سيرجيو بينهيرو: لقد كشف الوباء بوضوح هائل عن عدم المساواة، وتمركز الدخل (لدى فئة محدودة)، وعن العنصرية التي لا تزال سائدة في جميع المجتمعات تقريبًا، في الشمال والجنوب على حد السواء. لم يُفلت أحد. أولئك الذين كانوا فقراء يزدادون فقرًا، كما زادت الرعاية الصحية لمن يُعانون من الفقر والفقر المدقع سوءا، ولم يقتصر الأمر على الرعاية السيئة للمتضررين من كوفيد - 19، ولكنه شمل الحق في الصحة بشكل عام.

لا أعتقد أنه سيكون هناك بعد الوباء تلقائيا مزيد من التضامن، مثل "نشيد الفرح" في سمفونية بيتهوفن التاسعة، ولا رعاية أفضل للمحرومين. لهذا السبب، سيكون من الضروري أن تقوم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بدلاً من حرمان المنظمة من الموارد، كما فعلوا مع منظمة الصحة العالمية، بزيادة دعمها السياسي وإسهاماتها المالية للأمم المتحدة.

swissinfo.ch: تمّ إدراج اسمك ضمن قائمة أعدتها وزارة العدل في البرازيل فيما يُشبه الملف المُعدّ ضد أولئك الذين يقومون بالتشكيك في الحكومة. كيف تقيّم ذلك؟

باولو سيرجيو بينهيرو: وضعتني وزارة العدل في قضية تتعلق بتجريم مُعاداة الفاشية. لقد كان شرفًا غريبًا أن أكون مشمولًا بها، في حين كان يكفي فتح موقع غوغل لمعرفة ما أفكر به وأقوله وأفعله في البرازيل وفي هيئات الأمم المتحدة وفي جميع أنحاء العالم. لقد كانت مبادرة مؤسفة على ما يبدو ترمي لإحياء ملفات التجسّس السياسي البغيضة للديكتاتورية العسكرية.

لحسن الحظ، منعت المحكمة الفدرالية العليا، في قرار تاريخي – اتخذته بتسعة أصوات مقابل واحد يوم 21 أغسطس 2020 - وزارة العدل من إعداد هذه التقارير حول ما يفكر فيه بعض المواطنين ويقومون به، وحظر توزيعها.

swissinfo.ch: بشكل عام، كيف يندرج تطور المعاهدات المتعلقة بحقوق الإنسان والتحقيقات في الانتهاكات المرتكبة وجدول أعمال حقوق الإنسان ضمن تاريخ الانسانية؟

باولو سيرجيو بينهيرو: للبدء من نقطة محددة، (لا مفر من القول أن) العنف ضد المواطنين كان ساريًا منذ أن تشكلت الدول، لأن الدولة كيان متناقض إذ تتركز فيه القدرة على فعل الخير للسكان من جهة، وتحتكر فيه الدولة العنف الذي يُمكنها به قمع المواطنين من جهة أخرى. الإعلانات العالمية (لحقوق الانسان) الأمريكية والفرنسية اقترحت الحد من الانتهاكات المرتكبة ضد المواطنين، والدفاع عن أولئك المُحتاجين للحماية. وكان الإعلان العالمي لعام 1948 أفضل إعلان للتعبير عن هذا الدفاع، تلته المواثيق والاتفاقيات الدولية التي جعلت هذا الدفاع أكثر دقة.

على الرغم من كل الفظائع، لقد كان القرن العشرين أعظم لحظة توطدت فيها الديمقراطية، التي لا زالت حتى الآن أفضل نظام لتجسيم حقوق الإنسان.

يُعتبر باولو سيرجيو بينهيرو، ابن مدينة ريو دي جانيرو، أحد رواد حقوق الإنسان في البرازيل وأحد مؤسسي مركز دراسة العنف في جامعة ساو باولو، حيث يعمل أستاذًا متقاعدًا في قسم العلوم السياسية، ومتعاونًا منذ فترة طويلة ضمن بعثات الأمم المتحدة. داخل المنظومة الأممية، شغل منصب المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في ميانمار، من بين مهام دولية أخرى. ومنذ عام 2011، يترأس لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا. © Keystone / Martial Trezzini

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة