Navigation

هل تهدّد أزمة المناخ حقوق الإنسان فعلا؟

تتهم جمعية "مُسِنّات من أجل المناخ'' (هنا خلال اجتماع للجمعية العمومية في عام 2017) الحكومة السويسرية بعدم القيام بما يكفي بشأن سياسة المناخ. Keystone / Lukas Lehmann

قد تشكل الدعوى القضائية، التي رفعتها جمعية سويسرية أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، سابقة في أوروبا والعالم. إذ يتهم تجمّع للنساء المسنّات سويسرا باتباع سياسة مناخية تنتهك حقهنّ في الحياة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 09 ديسمبر 2020 - 11:00 يوليو,

"لقد علمنا منذ فترة بضرورة معالجة أزمة المناخ بشكل عاجل، ولكننا لم نفعل شيئًا، "إذا تخلّف السياسيون عن القيام بعملهم، يتعيّن على المحاكم أن تتدخّـل. ما هو على المحك هنا يشمل الحقوق الأساسية في الحياة والصحة"، كما تقول آن مارر، الرئيسة المشاركة للجمعية السويسرية "مُسنّات من أجل المناخ" لـ swissinfo.ch.

في آخر شهر أكتوبر 2020، عادت السيدة السبعينية (72 عامًا) من ستراسبورغ بعد أن عرضت "بحماس متّقد وأمل كبير" مجموعة شكاوى أمام مبنى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قد تكون مجرد مبادرة رمزية، ولكنها مشفوعة بتحرك قوي وملموس، تمثّل في رفع دعوى قضائية ضد إخفاق سويسرا بشأن حماية المناخ، أمام هيئة قضائية دولية عليا.

مارر ، التي تشعر كامرأة مسنّة أن حياتها بشكل خاص مهددة بسبب الاحترار العالمي، أعربت عن اعتقادها بأن سويسرا، ومن خلال السعي لتحقيق هدف مناخي غير كاف، تنتهك الحق في الحياة الذي نصّ عليه الدستور الفدرالي والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وتقول مبررة موقفها: "إنه ليس عملا أنانيّا. إذ أنه لو فزنا فسوف يكسب الجميع".

الرئيستان المشاركتان لجمعية "مُسِنّات من أجل المناخ'' (آن مارر ، على اليسار، وروزماري فيدلر - فالتي) أمام مقر المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في مدينة ستراسبورغ الفرنسية يوم 27 أكتوبر 2020. Keystone / Leandre Duggan

من أجل فهم الدوافع التي حدت بتلك المرأة المسنّة للتوجّه إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ، يتعيّن علينا العودة بضع سنوات إلى الوراء، وتحديدا إلى 24 يونيو 2015، يوم أن صدر حكم وُصف بأنه "ثوري".

مثال هولندا

تتذكر آن مارر، النائبة السابقة عن حزب الخضر (يسار) في مجلس النواب: "كنت عضوة في البرلمان في برن، وكنا نناقش قانون ثاني أكسيد الكربون الجديد وكيف أن السياسة المناخية لم تحرز تقدما".

وتضيف مارر: "استلهمنا الفكرة من هولندا"، في إشارة إلى قرار المحكمة الجزئية في لاهاي، المنبثق عن قبول مطالب مجموعة مكونة من 886 مواطنًا تدعمهم مؤسسة "أورجيندا Urgenda" المدافعة عن البيئة، والذي ألزم الحكومة الهولندية ببذل المزيد من الجهد لتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وكانت تلك هي المرة الأولى التي تجبر فيها المحكمة الدولة على الامتثال للاتفاقيات المناخية الدولية. وفي ديسمبر 2019، أيّدت المحكمة العليا الهولندية الحكمرابط خارجي.

وتشرح آن مارر قائلة: "هولندا مهددة بشكل مباشر بارتفاع مستوى سطح البحر، وهي مشكلة من الواضح أننا لا نواجهها هنا في سويسرا. لكن بلدنا وسلسلة جبال الألب متأثرة بشكل خاص أيضًا. فالأنهار الجليدية بصدد الذوبان ويُفاقم ذوبان الجليد الأبدي خطر حدوث انهيارات أرضية، وهو ما يُشكل تهديدًا للقرى ولسكان المناطق الجبلية".

وفي شهر أغسطس 2016 ، تأسست جمعية "مُسنّات من أجل المناخرابط خارجي" بمساعدة من منظمة السلام الأخضر، وتوضح مارر قائلة: "لا يُمكن رفع دعوى جماعية في سويسرا، ولذلك أسّسنا جمعية تحشد الأفراد من الفئة الأكثر تأثرا بتداعيات تغيّر المناخ وخاصة بموجات ارتفاع الحرارة".

النساء أكثر تضررا من الرجال

في سياق متصل، أشار المكتب الفدرالي للصحة العامة إلى أن الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا هم الأكثر تضررًا من موجات الحر. ففي خلال موجة الحر في صيف عام 2003 ارتفع معدل الوفيات في صفوف هذه الفئة من السكان بشكل حاد، وتم تسجيل 975 حالة وفاة مبكرة في سويسرا، وأكثر من 70 ألف حالة وفاة في كامل أوروبا، وأظهرت الدراسات التي استشهدت بها منظمة الصحة العالميةرابط خارجي أن النساء أكثر عرضة للخطر من الرجال.

كبار السن، وخاصة المُصابون منهم بأمراض مُزمنة، هم الأكثر عرضة لموجات الحرارة بسبب ما يصيبهم من انخفاض منبهات العطش لديهم، وزيادة الحساسية للحرارة، وتراجع في كفاءة آليات التنظيم الحراري الذاتي. Keystone / Jean-christophe Bott

ومع أن جمعية آن مارر تدرك أن كبار السن من الرجال، والمرضى والأطفال، يُعانون، هم أيضًا، من موجات الحر ومن تأثيرات الاحتباس الحراري، إلا أن التركيز على فئة المُسنّات، أو على فئة معينة، لا يرمي إلا للزيادة من فرص النجاح القانوني وبالتالي: "يعود بالفائدة على الجميع" ، على حدّ قولها.

طلبات مرفوضة

تحرص جمعية "مُسناّت من أجل المناخ" على عدم إضاعة الوقت، فبعد نحو شهرين فقط من الاجتماع التأسيسي، تقدمن بطلب رسمي إلى السلطات الفدرالية مفاده أنه يتوجّب على سويسرا - بحلول عام 2020 - خفض انبعاثاتها بنسبة 25٪ على الأقل بدلاً من العشرين بالمائة التي حددتها الحكومة، وأن تتعهد بالتزامات أكثر طموحًا لعام 2030، وإلا فإنه لن يتم الوصول - وفق تحذيرهن - إلى تحقيق هدف إبقاء مستوى الاحترار العالمي دون معدل درجتين مئويتين، مما قد يعرض صحة وحياة النساء المسنّات للخطر.

"إذا تخلّف السياسيون عن القيام بعملهم، يتعيّن على المحاكم أن تتدخّـل"

آنّا مارر، جمعية "مُسنات من أجل المناخ"

End of insertion

من جانبها ، قررت وزارة البيئة والنقل والطاقة والاتصالات عدم الاستجابة لطلب المتقدمات، الأمر الذي دفعهن إلى استئناف قرار الوزارة أمام المحكمة الإدارية الفدرالية.

لكن، ما حصل هو أن المحكمة الإدارية الفيدرالية رفضت الاستئناف بدعوى أن النساء اللاتي تزيد أعمارهم عن خمسة وستين عامًا لسن الفئة الديموغرافية الوحيدة التي تتأثر بعواقب تغيّر المناخ، لكنّ الناشطات المسنّات رفضن الاستسلام، وقمن برفع القضية إلى المحكمة الفدرالية.

"يجب على العدالة أن تتدخل"

هذه المرة، جاء رفض القضية من طرف أعلى السلطات القضائية في سويسرا، وإن كانت أسباب الرفض مغايرة. إذ اعتبر القضاة أن هدف الدرجتين المئويتين لا يزال أمامه مشوار طويل وبالتالي فإنه من المبكّر جدا القول بأنه لن يتحقق، ولذلك كان من السابق لأوانه أن تنظر العدالة في القضية.

علاوة على ذلك، ترى المحكمة الفدرالية أن مثل هذه الطلبات لا يجب التعامل معها من خلال المحاكم ، وإنما من خلال الأدوات والطرق السياسية والديمقراطية.

"لقد خاطبنا الشعب أكثر من مرة عبر العديد من المبادرات الشعبية، وآخرها، من حيث الترتيب الزمني، تلك المتعلقة بالأنهار الجليدية [التي ستُطرح على الاستفتاء الشعبي خلال السنوات القادمة - التحرير]، ولكن عند مرحلة معينة، إذا لم تقم السياسة بعملها وإذا كانت تتعامل مع المبادرات بمشاريع مضادة مخفّفة، عندئذ يجب على العدالة أن تتدخّل"، كما تقول آن مارر.

وتابعت بالإشارة إلى أن القضاة في سويسرا لم يمتلكوا - مع الأسف - الشجاعة الكافية لمعالجة قضية أساسية، وهي احترام الحقوق الأساسية في مجال المناخ: "لهذا السبب ذهبنا إلى ستراسبورغ".

في الحقيقة، لا بد من الإشارة إلى أن جمعية "مُسنّات من أجل المناخ" السويسرية التي تضم في صفوفها حوالي 1700 امرأة في سن التقاعد، هي من أوائل الجمعيات التي طرحت على أنظار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إشكالية البيئة وحقوق الإنسان، لكنها ليست الوحيدة التي طرقت أبواب المحاكم.

الدعاوى القضائية حول العالم

يقول هاري م. أوسوفسكي، عميد كلية الحقوق الدولية في ولاية بنسلفانيا، نقلا عن وكالة رويترز رابط خارجي للأنباء: "تتزايد أهمية المحاكم كمقصد لمعالجة قضية تغير المناخ"، فمنذ عشرين عامًا كانت هناك عشرات الدعاوى القضائية المتعلقة بالمناخ حول العالم ، أما اليوم فهناك 1600 قضية منها 1200 في الولايات المتحدة وحدها.

وعلى إثر القضية الهولندية، رُفعت العديد من الدعاوى القضائية ضد الحكومات المحلية في كندا وكولومبيا وألمانيا وفرنسا وبلجيكا وبريطانيا والنرويج ونيوزيلندا والهند والمكسيك، هذا على سبيل المثال لا الحصر، وقد نجح بعضها بالفعل.

ففي أواخر شهر يوليو 2020، أمرت المحكمة العليا الأيرلندية الحكومة بمراجعة سياستها المناخية معتبرة إياها بأنها غير كافية، و 19 نوفمبر الماضي، وجّه مجلس الدولة الفرنسي (المحكمة الإدارية العليا) إنذارًا نهائيًارابط خارجي إلى حكومة باريس، يمنحها ثلاثة أشهر لإثبات إمكانية تحقيق هدف خفض الانبعاثات (-40٪ بحلول عام 2030).

"لا بد لنا من تعزيز قدرة المحاكم الدولية على إصدار القرارات بشأن المسائل البيئية"

سيراينا بيترسن، المنتدى السويسري للسياسة الخارجية

End of insertion

وتقول آنا مارر: "بشكل عام، الجميع يعمل في إطار تشريعاته الوطنية، لكننا نشكل شبكة عالمية كبيرة".

وعلى غرار جمعية "مُسنات من أجل المناخ"، توجّهت مجموعة نشطاء من الشباب البرتغاليين إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ، حيث قامت برفع دعوى قضائية بشأن المناخ ضد 33 دولةرابط خارجي من بينها سويسرا، متهمة إياها بـ "التعدي على حق المكوث في الهواء الطلق والعيش دون قلق"، بسبب ما تنتجه من انبعاثات مضرة.

من جهتها، ألحظت سيراينا بيترسن، المديرة المشاركة لبرنامج "الدبلوماسية والجهات الفاعلة الدولية" ضمن المنتدى السويسري للسياسة الخارجية (Foraus)، إلى أن "معظم الاتفاقيات المناخية والبيئية لا تزال غير كافية لمعالجة المشاكل البيئية الوشيكة والملحة"، وأن المفروض تعزيز سيادة القانون البيئي، ومن أجل تحقيق ذلك "لا بد لنا من تعزيز قدرة المحاكم الدولية على إصدار القرارات بشأن المسائل البيئية، وزيادة وضوح ونطاق المبادئ القانونية البيئية، فضلا عن احترام القرارات وتنفيذها"، وفق ما كتبته.رابط خارجي

سابقة في أوروبا والعالم

في انتظار بتّ المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن قبول القضية من عدمه، والذي قد يتبعه إصدار حكم قد يستغرق سنوات، تُعرب آن مارر عن ثقتها وتقول: "يبدو أن المحكمة أصبحت تأخذ العلاقة بين حماية المناخ وحقوق الإنسان بجدية أكبر، يوما بعد يوم، كما أن المفوضة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليه صرّحت رابط خارجيبأن تغيّر المناخ يشكل تهديدًا لحقوق الإنسان وأنه يجب على الدول حماية سكانها".

بدوره، يعتقد جورج كلينغر، أخصائي المناخ في منظمة السلام الأخضر السويسرية، بوجود احتمال كبير على أن تتعامل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مع الدعوى القضائية السويسرية، مما قد يشكل "سابقة في أوروبا والعالم"، على حد قوله.

هذا الرأي يشاطره راينر ج. شفايتزر، أستاذ القانون العام في جامعة سانت غالن. فعلى الرغم من أن محكمة ستراسبورغ عادة ما ترفض الغالبية العظمى من الشكاوى المعروضة عليها، إلا أنه صرّح رابط خارجيللإذاعة والتلفزيون العمومي السويسري الناطق بالألمانية SRF بأن الحالة السويسرية "ذات أهمية جوهرية لتفسير وتطبيق الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، الأمر الذي قد يجعل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تتفاعل بشكل جيّد جدا مع الموضوع" هذه المرة.

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.