The Swiss voice in the world since 1935
أهم الأخبار
أهم الأخبار
نقاشات
أهم الأخبار
النشرة الإخبارية

مشروع سيرن بميزانية 19مليار دولار: هل ينجح وسط عالم يزداد اضطرابًا؟

مختبر سيرن
لماذا تهيمن المادة على المادة المضادة في الكون؟ يسعى مركز سيرن (CERN) إلى معرفة السبب. Fabrice Coffrini / AFP

يحظى مشروع سيرن لبناء المصادم الدائري المستقبلي بإجماع داخل الأوساط العلمية. لكن لا يزال تأمين تمويله اللّازم غير محسوم. وفي عالم يزداد اضطرابًا، يواجه مركز أبحاث فيزياء الجسيمات أكبر اختبار في تاريخه، الممتد 70 عامًا.

قرب جنيف، يسعى المختبر الأوروبي لأبحاث فيزياء الجسيمات (سيرن)، إلى فتح مرحلة جديدة في تاريخه. فقد حظي مشروعه لبناء المصادم الدائري المستقبلي، جيل مصادمات الجسيمات التالي، بدعم المجتمع العلمي، بعد اجتيازه دراسة جدوى شارك فيها 1،500 خبير وخبيرة. كما أوصى مجتمع الفيزياء الأوروبي رسميًا باعتماده، بوصفه المصادم الرائد المقبل.

ومع استعداد مجلس سيرن لعقد جلسة خاصة في بودابست خلال مايو، يبدو المدير العام للمركز، مارك تومسون، واثقًا من حصول المشروع على الضوء الأخضر. ويقول: “هناك إجماع مطلق وواضح، داخل مجتمع فيزياء الجسيمات على تمثيل المصادم الدائري المستقبلي، الخيار الأنسب للمضي قدما”.  لكن لا يزال تأمين التمويل اللازم للمشروع غير محسوم.

وتبلغ كلفة مرحلته الأولى 15 مليار فرنك سويسري، أي نحو 19 مليار دولار. ومن المتوقَّع أن يأتي نصف هذا المبلغ من مساهمات الدول الأعضاء. ويأمل تومسون في تخصيص الاتحاد الأوروبي 3 مليارات يورو، أي 2،7 مليار فرنك سويسري، في عام 2027. وفي ديسمبر الماضي، تعهّدت جهات مانحة من القطاع الخاص، بتقديم 860 مليون يورو. ولكن لا يزال سيرن بحاجة إلى نحو 4 مليارات فرنك سويسري إضافية. وتسعى المنظمة إلى سدّ هذه الفجوة عبر مزيد التبرّعات الخاصة، ومساهمات من دول غير أعضاء.

وإذا نجح سيرن في تأمين التمويل وبدء المشروع، فقد يمهّد الطريق لاكتشافات علمية جديدة، ويجذب أجيالًا جديدة من علماء فيزياء الجسيمات إلى جنيف. لكن تبدو خطة التمويل المطروحة متفائلة، في ظلّ التحديات التي تشهدها العلاقات الدولية حاليًّا.

تصدعات جيوسياسية

تبلور التعاون العلمي الدولي المتيح لبناء مصادم الهدرونات الكبير خلال تسعينات القرن الماضي، في سياق عالمي مختلف تمامًا. ورغم دعمها المشروع من حيث المبدأ، أبدت ألمانيا، أكبر مساهم سنوي في ميزانية سيرن، تحفظات على آلية التمويل المقترحة. إذ رفضت استخدام ميزانيّة الاتّحاد الأوروبي متعدّدة السنوات، لهذا الغرض.

تتناول مقالات هذه السلسلة الأوضاع الراهنة لأكبر مختبر لفيزياء الجسيمات في العالم؛ من طموحاته العلمية، وجهوده للحفاظ على دوره ملتقًى دوليًا لفهم كوننا.

أمَّا المملكة المتحدة، أقدم الدول الأعضاء في سيرن وموطن تومسون، فتعتزم خفض تمويل برامج فيزياء الجسيمات بنسبة 30%. وتهدد هذه التخفيضات أوجه التعاون القائمة مع سيرن، بما فيها تجربة مقررة على نسخة مصادم الهدرونات الكبير المطوَّرة.

وفي الولايات المتّحدة، دأبت إدارة الرئيس ترامب على تقليص تمويل البرامج العلمية. ولا تبدو فيزياء الجسيمات أولوية لدى البيت الأبيض، مقارنة بالذكاء الاصطناعي أو تقنيات الحوسبة الكميةرابط خارجي. ورغم أنّها ليست دولة عضوًا في سيرن، بنت الولايات المتّحدة شراكة قوية مع المركز على مدى سنوات. ويشكّل الباحثون، والباحثات، من الولايات المتحدة أكبر مجموعة بحثية داخله، إذ يشارك نحو 2،000 منهم في مشاريعه. كما ساهمت واشنطن في تمويل عدد من التجارب، منها تقديم نحو 80 مليون فرنك سويسري لتطوير مغناطيسات جديدة للنسخة المطوّرة من مصادم الهدرونات الكبير. ويقول تومسون: “أنا واثق من استمرار العلاقة بين سيرن، والولايات المتحدة”.

أمَّا روسيا، التي ظلّت شريكًا له حتى خلال الحرب الباردة، فاستُبعدت منه عقب غزو أوكرانيا. ويقول تومسون إنّ مساهماتها العلمية، والمالية، والهندسية، “كانت كبيرة”. لكنه لا يعرف ما إذا كانت موسكو ستعود إلى التعاون مع سيرن، أو متى قد يحدث ذلك؟

ورغم هذه التحديات، برز تطور إيجابي بالنسبة إلى سيرن. فقد جمّدت الصين خططها لبناء مصادم عملاق منافس بطول 100 كيلومتر، وأجَّلت اتخاذ قرار بشأن المشروع حتى عام 2030.

وتقول فيبيولا جيانوتي، مديرته لمدة 10 سنوات حتى يناير الماضي: “يمثل ذلك فرصة بالنسبة إلينا”. وأضافت، كان المشروع الصيني يملك فرصة كبيرة للانطلاق قبل المصادم الدائري المستقبلي، لو حصل على الموافقة الآن. ومنذ ذلك الحين، أبدت الصين اهتمامًا بالتعاون مع مصادم سيرن بدلًا من تطوير مشروع منافس.

أعظم آلة بنتها يد الإنسان؟ شاهد.ي الفيديو الذي أعددناه عن المصادم الدائري المستقبلي”:

معارضة من الجوار

وبعيدًا عن العواصم الأوروبية وواشنطن، يواجه سيرن نوعًا مختلفًا من التحديات يتمثل في السكان المحليين في مناطق مروره. وبقيادة مجموعة نويه 21 (Noé21)، أطلقت شبكة جمعيات سويسريّة وفرنسيّة حملة ضده. ويعترض هؤلاء على استهلاكه الكبير للكهرباء، ومخلَّفات الحفر المقدَّرة بنحو 8 ملايين متر مكعب، و“بصمة كربونية” غير واضحة.

ويقول جان برنار بيليتر، عضو مجلس إدارة نويه 21، “أتفهّم احتياجات سيرن. ولكن، لا يعني ذلك أنّ علينا قبول مشروع قد يكلّف عشرات المليارات، في وقت لا يعرف فيه أحد حجمه الفعلي، وقد يترك آثارًا بيئية في المنطقة لسنوات طويلة”.

وفي فبراير، تجمَّع نحو 100 من السكان في بريسانج، الواقعة شرق جنيف ومن المقرر استضافتها أحد مواقع المشروع. ولم يستبعد الفنان المحلي، كلود شايبي بورغو، اللجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. أمَّا كريستينا مايسنر، عضوة برلمان كانتون جنيف، فتقول: ”حصلنا على وعد بالتشاور. لكنني لم أرَ شيئا من ذلك حتى الآن”.

أنظر كيف يمكن لمصادم الهدرونات الكبير التابع لسيرن، في تغيير فهم العلماء والعالمات للكون:

المزيد
الفضاء والنجوم

المزيد

أبحاث رائدة

قفزة سيرن العملاقة المقبلة: آلة قد تفتح أسرار الكون

تم نشر هذا المحتوى على ساهم مصادم الهدرونات الكبير التابع لسيرن في تغيير فهم العلماء للكون. واليوم، يسعى المركز إلى بناء مصادم أكبر بكثير يحظى بدعم واسع داخل الأوساط العلمية.

طالع المزيدقفزة سيرن العملاقة المقبلة: آلة قد تفتح أسرار الكون

وفي مايو، من المقرر بداية سلسلة من النقاشات، والمشاورات العامّة حول المشروع تمتد أربعة أشهر، بين سيرن وسكّان المناطق المعنية. وفي بيان صحفي، انتقدت نويه 21 ما وصفته ببُدوّ الفعاليات الأولى المعلنة أقرب إلى جلسات لعرض المعلومات منها إلى نقاش فعلي.

وتقترح دراسة الجدوى التي أعدّها سيرن، إعادة استخدام مخّلفات الحفر في الزراعة، وأعمال البناء. كما تتوقّع إسهام التطورات التكنولوجية في إبقاء استهلاك الكهرباء ضمن مستويات قريبة من تلك الخاصّة بمصادم الهدرونات الكبير الحالي. وتقول، قد تنتج أعمال البناء نحو ثلث الانبعاثات الكربونية التي خلّفها أولمبياد باريس 2024. لكن يرى بيليتر أنّ هذه التقديرات لا تزال نظرية، مشيرًا إلى مشروع المصادم الأمريكي فائق التوصيل، المسرّع بطول 87 كيلومترًا وأُلغي خلال مرحلة البناء في تكساس باعتباره مثالًا تحذيريًّا.

ويقرّ تومسون بوجود فجوة بين رؤية سيرن، ومخاوف السكان. ويقول: “علينا إثبات قدرتنا على بناء هذا المشروع بطريقة تراعي المسؤولية البيئية، وتراعي مخاوف السكان”.

الخطة البديلة

وفي حال لم يتمكّن سيرن من تأمين 15 مليار فرنك سويسري، فلديه خطّة بديلة، تقضي ببناء نسخة مصغرة منه تعمل بطاقة أقلّ، وتضمّ جهازي كشف بدلًا من أربعة. ما قد يخفض التكاليف بنحو 15%، أي أكثر من ملياري فرنك سويسري.

ويقول تومسون: “ليست هذه التخفيضات بسيطة. ولكن حتى نسخة المشروع المصغّرة، تظل متقدّمة علميًّا على الخيارات الأخرى”.

وفي رأي ماريا سبيروبولو، يعكس طرح الخطّة البديلة قدرًا من الذكاء الاستراتيجي. فتقول: “هذه خطوة ذكية، لأنها تظهر أن المشروع لا يزال مطروحًا بجديّة. أما طرح خيار آخر لتقليل التكاليف فقط، فقد يؤدي إلى إضعاف مجال فيزياء الجسيمات”.

دوافع المضي في المشروع

ومن المقرّر أن يبدأ مجلس سيرن تقييمه الرسمي للمشروع خلال الربيع الحالي، على أن يتوصّل إلى قرار نهائي بحلول عام 2028. وإذا حصل على الموافقة، فقد تبدأ أعمال الحفر قرابة عام 2033، فيما تُتوقع بداية تشغيل المصادم بحلول عام 2046.

ويقول كوستاس فونتاس، رئيس مجلسه، تتجاوز أهمية المشروع أي تجربة علمية بعينها. ويوضح تعلُّق الأمر بالحفاظ على الريادة في أبحاث فيزياء الطاقة العالية، واستقطاب نخبة الباحثين، والباحثات، المستعدين للانتقال إلى أي مكان من أجل العمل في مجال طموحهم.

كما يشير العلماء إلى الفوائد الاجتماعية والاقتصادية، الممكن للمشروع توفيرها، إلى جانب مساهمته في تطوير فهم جديد لنشأة الكون. ويذكّرون بأنّ سيرن كان مكان ولادة شبكة الويب العالمية.

ويقول بيريني: “إذا تم تنفيذ المشروع، فسيضع ذلك سيرن على مسار يضمن مستقبل المركز خلال المئة عام المقبلة”.  والآن، يبقى السؤال ما إذا كانت الإرادة السياسية قادرة على مجاراة هذا الطموح العلمي.

بينما لا يزال الجدل قائمًا حول مصير المشروع الجديد، يستعدّ مصادم الهدرونات الكبير الحالي في سيرن لعملية تحديث تمتدّ أربع سنوات. ففي 30 يونيو، سيتوقّف عن العمل ضمن مشروع مصادم الهدرونات الكبير عالي الكثافة، الهادف إلى إنتاج عدد تصادمات يفوق مُتاحَ المصادم الحالي بنحو عشر مرّات.

وبالفعل، بدأ مشروع التحديث يتأثّر بالتوتّرات الجيوسياسية. فيهدّد خفض التمويل الذي اقترحته المملكة المتحدة لبرامج فيزياء الجسيمات بنسبة 30% تجربة مقرّرة على نسخته المطوّرة. وفي ذلك إشارة إلى أنّ الضغوط السياسية المواجِهة للمشروع ليست مسألة مستقبلية، بل واقعًا قائمًا بالفعل.

ودائمًا ما كان يُنظر لمشروع هاي لومي (HiLumi) باعتباره مرحلة انتقالية تُبقي سيرن في صدارة الاكتشافات العلمية ريثما تتّضح ملامح المشروع الجديد. لكن قد يتوقّف ما إذا كان سيمثّل جسرا نحو مستقبل فيزياء الجسيمات الأوروبية، أو المحطّة الأخيرة في مرحلتها الحالية، على القرارات المتّخذة خلال العامين المقبلين.

تحرير: غابي بولارد وفيرونيكا دي فور

ترجمة: حسن حرزالله

مراجعة: ريم حسونة

التدقيق اللغوي: لمياء الواد


قراءة معمّقة

الأكثر مناقشة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية