تدفقات الحطام الجبلية: لماذا تزداد حدةً وتصبح أصعب تنبؤًا؟
في أعالي الجبال، قد يكفي هطول مطر غزير ومفاجئ لتحويل منحدر هادئ أو وادٍ ساكن، إلى نهر هادر من الطين والصخور خلال دقائق. ومع تغيّر المناخ، يُتوقّع تكرّر هذه الظواهر بوتيرة أعلى وبشدة أكبر. في هذا السياق، يشرح باحث سويسري كيف تعيد أزمة المناخ رسم خريطة المخاطر في جبال الألب.
يشغل ماركوس شتوفل كرسيًا بحثيًا جديدًا مخصّصًا لدراسة مخاطر الجبال في جامعة جنيف. وإلى جانب عدد من الباحثين والباحثات، يحذّر من مفاقمة تغيّر المناخ مخاطر الكوارث في جبال الألب بوتيرة متسارعة. فذوبان الأنهار الجليدية، وتراجع الغطاء الثلجي، وانحلال التربة الصقيعية، جميعها عوامل تُزعزع استقرار الجبال، وتزيد من احتمالات الانهيارات الصخرية وتدفقات الحطام. بل تُطلق هذه العوامل سلاسل من المخاطر المتعاقبة المهدّدة للمجتمعات والبنية التحتية.
كما هو الحال مع غيرها من مخاطر جبال الألب، يمكن أن تكون تدفقات الحطام مدمّرة ومكلفة، بل ومميتة أحيانًا. ففي صيف 2024، تسبّبت عواصف عنيفة في تدفّقات حطام واسعة النطاق في مناطق مختلفة من جبال الألب، شملت جنوب سويسرا (وادي بافونا ووادي ماجيا)، وشمال إيطاليا (وادي أوستا وبيدمونت)، إضافة إلى أجزاء من النمسا وألمانيا.
ومن المرجّح ازدياد وتيرة هذه الظواهر وحدّتهارابط خارجي مع تراجع الأنهار الجليدية وذوبان التربة الصقيعية، ما يؤدّي إلى تفكّك الرواسب على سفوح الجبال. وقد فقدت الأنهار الجليدية في سويسرا نحو 40% من حجمهارابط خارجي منذ عام 2000، ولا تزال تتقلّص عامًا بعد عام.
ويتوقع شتوفل ارتفاع الحدّ الأدنى لوجود التربة الصقيعية بين 200 و750 مترًا خلال القرن الحادي والعشرين، تبعًا لاتّجاه المنحدرات وتركيبة التربة وسماكة الجليد. وهذا من شأنه كشف مصادر جديدة للرواسب، وزيادة احتمالات حدوث تدفقات أكبر حجمًا.
المزيد
سويسرا ترفع مستوى التأهب بعد انهيارات جليدية في فايسهورن
«قد تكون القدرة التدميرية أعلى»
لم تكن تدفّقات الحطام غائبة في الماضي، لكنها كانت أقل تواترًا وغالبًا ما تقتصر على فصل الصيف. أما اليوم، فقد امتدّ موسمها بشكل ملحوظ. ويقول شتوفل: «رصدنا أحداثًا في وقت مبكر من مايو، وأحيانًا في أبريل، تمتد حتى أكتوبر، بل وقد تقع في الشتاء أيضًا».
ويستشهد بحدث وقع في يناير 2018، حين شهدت جبال الألب تساقطات ثلجية كثيفة أعقبتها فترات دافئة وأمطار إضافية. فيقول: «سجّلنا انهيارات ثلجية ضخمة، ثم فجأة تدفّقات حطام في منتصف الشتاء. كان ذلك أمرًا غير مسبوق، وقد يكون مؤشرًا لما قد نشهده بحلول نهاية هذا القرن».
ورغم تحديد مناطق الخطر في سويسرا بدقّة، قد تدفع زيادة شدة الهطول تدفقات الحطام إلى بلوغ مسافات أبعد وبقوة أكبر. ويضيف: «مع تزايد كميات الأمطار، ترتفع طاقة هذه التدفقات، وبالتالي قدرتها التدميرية».
اقرأ المزيد عن تأثير ارتفاع درجة حرارة الكوكب على التربة الصقيعية:
المزيد
انهيارات أرضية وتدفقات طينية: ارتفاع الحرارة يخل بتوازن التربة الصقيعية
تغير المناخ ليس العامل الوحيد
مع ذلك، يشدّد شتوفل على أن الرواسب ليست غير محدودة. فقد يؤدي حدث ضخم إلى تفريغ حوض كامل حتى يصل إلى صخره الأساسي، ما يستلزم وقتًا لإعادة «تغذيته» عبر انهيارات صخرية جديدة. وهذا يعني أن بعض المناطق قد تصبح أقل عرضة للخطر مؤقّتًا، رغم استمرار العواصف الشديدة.
ويقول: «هذا ما يجعل إطلاق تعميمات حول مستقبل هذه الظواهر صعبًا».
كما يؤكد أنّ تغيّر المناخ وحده لا يفسّر تصاعد المخاطر الجبلية. فيقول: «نقدّر تراوح تأثيره بين الثلث ونصف المخاطر، بينما يرتبط الجزء الآخر بتراكم البنية التحتية والقرارات البشرية، لا سيما تلك المتّخَذة في الماضي».
ويتجلّى ذلك في التحوّلات التي شهدتها جبال الألب منذ منتصف القرن العشرين، حين توسّعت المستوطنات الجبلية وازدادت كثافتها السكانية. فبعد أن كانت القرى معزولة نسبيًا قبل عام 1950، أدى ازدهار ما بعد الحرب إلى تطوير شبكات الطرق والنقل ومصاعد التزلج، ما أعاد تشكيل أنماط الاستيطان. كما أسهم النمو السكاني، إلى جانب الطفرة السياحية وانتشار المنازل الثانوية، في توسّع العمران داخل المناطق الجبلية.
تتزايد حالات الانهيارات الأرضية الصغيرة في جبال الألب بسبب تغير المناخ، لكن الأسباب الكامنة وراء الكوارث الطبيعية واسعة النطاق أقل وضوحًا. اقرأ المزيد عن هذا الموضوع أدناه.
المزيد
هل يمكن التنبؤ بالانهيارات الأرضية؟
جزء من شبكة علمية أوسع
يندرج فريق شتوفل ضمن شبكة واسعة من الباحثين والباحثات المتخصصين في مخاطر الجبال في سويسرا، تضم المعهد الفدرالي لأبحاث الغابات والثلوج والمناظر الطبيعية (WSL)، والمعهدين التقنيين الفدراليين في زيورخ (ETH Zurich) ولوزان (EPFL)، إلى جانب جامعات لوزان وزيورخ وفريبورغ.
لكن يعتمد الفريق في جنيف مقاربة مكمّلة، تركز على الصورة الشاملة بدل الاقتصار على دراسات حالة محدّدة. فبينما تنجز مؤسسات أخرى أبحاثًا دقيقة في مواقع بعينها، مثل حوض «إيلغرابن» في كانتون فاليه، يعمل فريق شتوفل على بناء قواعد بيانات واسعة لرصد الاتجاهات الإقليمية ونقاط التحول عبر جبال الألب.
وبالاستناد إلى أكثر من عقدين من البحث، يجمع الفريق بين الملاحظات الميدانية وتقنيات الاستشعار عن بُعد ونمذجة العمليات، بهدف فهم أفضل لآليات انهيار المنحدرات، ومدى انتشار التدفقات المدمرة، وتداعياتها على المجتمعات والبنى التحتية.
في ظل هذا المشهد المتّسم بتزايد المخاطر وعدم اليقين، يشدّد شتوفل على أهمية التحلي بالمرونة. فيقول: «قد تواجه بعض المناطق أوضاعًا أكثر صعوبة، بينما قد تستقر مناطق أخرى أو تبقى دون تغيير كبير لعقود»، مضيفًا أنّ التكيف مع هذا الواقع المتحوّل بات ضرورة ملحّة.
أدت كارثة بلاتن إلى بذل جهد علمي غير مسبوق لفهم ما حدث وأسبابه. اقرأ المزيد هنا:
المزيد
منحدرات غير مستقرة وقمم دافئة: العلماء يسابقون الزمن لفكّ لغز انهيار بلاتن
تحرير: غابيس بولار وفيرونيكا ديفور
ترجمة من الإنجليزية. مراجعة ومعالجة: عبد الحفيظ العبدلي
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.