بعد عام على إطلاقه… ما نجاحات “أبيرتوس” السويسري وما إخفاقاته؟
بعد مرور عام على إطلاق ”أبيرتوس“، نموذج الذكاء الاصطناعي السويسري مفتوح المصدر بالكامل، تجاوز عدد مرات تنزيله حاجز الأربعة ملايين، وبدأ يُستخدم في تطبيقات فعلية. وفي إصداره الحالي 1.5، يواصل نموذج ”أبيرتوس“ تضييق الفجوة مع منافسيه، إلا أن نقاط ضعف في أداء بعض المهام الأساسية لا تزال تحدّ من قدرته على المنافسة في سباق الذكاء الاصطناعي المتسارع.
وأُطلق ”أبيرتوس“ وسط اهتمام إعلامي واسع بوصفه نموذجًا سويسريًا للذكاء الاصطناعي يجمع بين الانفتاح الكامل والشفافية ودعم لغات متعددة، مع مراعاة قواعد حماية البيانات ومتطلبات قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي. لكن الحماس لم يدم طويلًا؛ فبعد أسابيع قليلة من إطلاقه، بدأ النموذج السويسري يتعرض لانتقادات لاذعة، ووصفه بعض المستخدمين والمستخدماترابط خارجي بأنه ”غير قابل للاستخدام“ و”عاجز عن الإجابة بشكل صحيح حتى عن أبسط الأسئلة“.
بعد مرور عام: من يستخدم ”أبيرتوس“؟
تبدو الأرقام مشجّعة، فقد تجاوز عدد مرات تنزيل نموذج ”أبيرتوس“ على منصة الذكاء الاصطناعي ”هاغينغ فيس“ (Hugging Face) حاجز الأربعة ملايين، وهو رقم يعتبره أوليغ لافروفسكي، منسّق مجتمع ”أبيرتوس“، مؤشرًا على الاهتمام العالمي بمشاريع الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر.
لكن عدد مرات التنزيل لا يعكس بالضرورة حجم الاستخدام الفعلي. وقال لافروفسكي إنه على علم بوجود ما لا يقل عن 70 حالة استخدام خارجية للنموذج، فضلًا عن أكثر من مئة نسخة مشتقة من النموذج السويسري. ويشمل ذلك مشروع ”سي-ليون“ (SEA-LION)رابط خارجي في سنغافورة، الذي كيّف بصورة مستقلة نموذج ”أبيرتوس“ ونماذج أخرى للذكاء الاصطناعي للعمل بعدة لغات تُستخدم في جنوب شرق آسيا.
وبالنسبة إلى لافروفسكي، يُعد هذا الأمر تأكيدًا مهمًا على نجاح الفكرة، وقال: ”أردنا إنشاء نموذج تأسيسي. وعندما يعمل آخرون على تحسين ’أبيرتوس‘ أو تكييفه مع احتياجاتهم، فهذا بالضبط ما كنا نطمح إليه“.
وفي يوليو، أطلق الفريق المطوّر الإصدار ”أبيرتوس 1.5“، الذي أضاف القدرة على فهم الصور وحسّن قدرات النموذج على الاستدلال، إلى جانب ميزات أخرى. ووفقًا لخريطة الطريق الرسمية للنموذج السويسريرابط خارجي من المقرر إطلاق الإصدار ”أبيرتوس 2.0“ عام 2027.
أما أولئك الذين لا يزال أداء النموذج دون مستوى توقعاتهم، فلدى لافروفسكي رسالة واضحة: لم يُصمَّم ”أبيرتوس“ لينافس ”تشات جي بي تي“؛ فهو ليس منتجًا تجاريًا مكتملًا، بل نموذج تأسيسي يمكن للشركات والمؤسسات والباحثين والباحثات تكييفه وفق احتياجاتهم. لكنه يقرّ في الوقت نفسه بأن تساؤلات لا تزال قائمة حول مدى تحوّل إمكانات النموذج السويسري إلى استخدامات عملية وقيمة ملموسة.
يمكن تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وإتاحتها بدرجات متفاوتة من الانفتاح:
مفتوحة المصدر: تكون مُعاملات النموذج المدرَّبة، أو ما يُعرف بـ”الأوزان“، إلى جانب شفرة التدريب ومعلومات عن بيانات التدريب متاحة للعموم، بما يسمح للآخرين بفحص النموذج وتعديله وإعادة إنتاجه. ومن أمثلتها ”أبيرتوس“ (Apertus) و”أولمو“ (OLMo).
مفتوحة الأوزان: تُتاح أوزان النموذج للعموم، ويمكن تنزيلها وتكييفها، لكن شفرة التدريب الكاملة ومجموعات البيانات المستخدمة لا تكون بالضرورة متاحة. ومن الأمثلة على ذلك ”لاما“ (Llama) من شركة ”ميتا“ (Meta) و”كوين“ (Qwen) من شركة ”علي بابا“ (Alibaba).
مغلقة أو مملوكة: لا تُتاح أوزان النموذج أو شفرة التدريب أو مجموعات البيانات المستخدمة للعموم. وينطبق ذلك على معظم النماذج التجارية، من بينها نماذج ”جي بي تي“ (GPT) من شركة ”أوبن إيه آي“ (OpenAI) و”كلود“ (Claude) من شركة ”أنثروبيك“ (Anthropic).
التعدد اللغوي وحماية البيانات يؤتيان ثمارهما
بدأ نموذج ”أبيرتوس“ يُستخدم بالفعل في تطبيقات عملية داخل بعض الشركات والمؤسسات. وقالت شركة ”أرتيفيشالي“ (Artificialy)، المتخصصة في حلول الذكاء الاصطناعي ومقرها كانتون (إقليم) تيتشينو، إنها تستخدم النموذج على نطاق واسع.
وقال داميانو بيناغي، رئيس قسم التعلم العميق في الشركة: ”نحن لا نقوم بأعمال خيرية. لا نستخدم ’أبيرتوس‘ لأننا مضطرون إلى ذلك، بل لأنه نموذج جيد“.
وترى الشركة أن نموذج ”أبيرتوس“ بلغ بالفعل مستوى من النضج يتيح استخدامه في بعض التطبيقات الصناعية وتطبيقات القطاع العام. وأظهرت الاختبارات الداخلية التي أجرتها الشركة نتائج جيدة خصوصًا في مجالي الترجمة والمحادثات متعددة اللغات.
وأضاف بيناغي: ”غالبًا ما نفضّل ’أبيرتوس‘ على نماذج أخرى في مهام الترجمة التي يطلبها عملاؤنا، خاصةً عندما يتعلق الأمر باللغات الوطنية الأربع في سويسرا أو بوثائق حساسة“.
ومن الأمثلة على ذلك كانتون تيتشينو، الذي قرر الانتقال إلى استخدام نموذج ”أبيرتوس“ في الترجمة الآلية للوثائق الإدارية. ويستفيد مكتب الهجرة في الكانتون من النموذج بصورة خاصة، إذ يتعامل مع وثائق شخصية بلغات متعددة، ويحتاج في الوقت نفسه إلى قدر كبير من الدقة وضمانات قوية لحماية البيانات.
وأشار بيناغي إلى أن ”احتياجات مكتب الهجرة في تيتشينو تجسّد بصورة شبه مثالية نقاط قوة النموذج“.
ويُعد التعدد اللغوي أحد المجالات التي استثمر فيها فريق تطوير نموذج ”أبيرتوس“ بكثافة؛ إذ إن نحو 40% من بيانات التدريب المستخدمة فيه مكتوبة بلغات أخرى غير الإنجليزية، وتضم مجموعة بيانات التدريب أكثر من 1800 لغة، من بينها لغات محدودة الموارد الرقمية مثل الرومانشية ولهجات مختلفة من الألمانية السويسرية. وللمقارنة، تشير تقديراترابط خارجي إلى أن نسبة البيانات غير الإنجليزية المستخدمة في نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية لا تتجاوز نحو 10%.
هل يتعامل «أبرتوس» حقًّا أكثر من 1،800 لغة؟ لقد قمنا بتحليل الحقائق والأساطير المحيطة بنموذج الذكاء الاصطناعي السويسري:
المزيد
صواب أم خطأ؟ حقائق وأوهام حول “أبيرتوس” النموذج السويسري للذكاء الاصطناعي
وكانت إتاحة ”أبيرتوس“ كمشروع مفتوح المصدر بالكامل من الأسباب التي دفعت مؤسسة ”إيه آي سنغافورة“ (AI Singapore) إلى اختياره كأساس لأحد إصدارات مشروعها ”سي-ليون“. وقال ليزلي تيو من المؤسسة في رسالة عبر البريد الإلكتروني إلى ”سويس إنفو“: ”اخترنا ’أبيرتوس‘ لأنه واحد من النماذج القليلة في العالم مفتوحة المصدر بالكامل، وهذا أمر مهم للبحث العلمي، خصوصًا عندما نحتاج إلى معرفة البيانات التي استُخدمت تحديدًا وكيف جرى تدريب النموذج“.
وللأسباب نفسها، وجد نموذج ”أبيرتوس“ تطبيقات في المجال الطبي أيضًا. ففي يونيو، كشف المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان (EPFL) عن مشروع ”ميدترون إف أو“ (MeditronFOرابط خارجي)، وهو إطار عمل مفتوح المصدر بالكامل لبناء نماذج الذكاء الاصطناعي للاستخدامات السريرية، يعتمد بدوره على ”أبيرتوس“.
فجوة الأداء لا تزال قائمة
تعتبر شركة ”أرتيفيشالي“ أن الإصدار 1.5 من نموذج ”أبيرتوس“ شهد تحسنًا ملحوظًا في مجالات الترجمة وفهم الصور والاستدلال، لكنها لا تزال ترى مجالًا لمزيد من التطوير.
وقال بيناغي: ”فيما يتعلق بقدرات التنفيذ المستقل، وعلى الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزه نموذج ’أبيرتوس‘، فإنه لم يصل بعد إلى مستوى النماذج الأخرى مفتوحة الأوزان“. وتستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي التي تتمتع بقدرات على التنفيذ المستقل إنجاز مهام تتطلب سلسلة من الخطوات بصورة مستقلة، مثل مقارنة الرحلات الجوية وحجزها.
وتظهر الفجوة أيضًا في اختبارات الأداء المعيارية التي نشرها الفريق المطوّر لنموذج ”أبيرتوس“ نفسه؛ فالنموذج الأصلي والأكبر حجمًا، الذي يضم 70 مليار مُعامل، لا يزال متأخرًا بفارق كبيررابط خارجي عن نماذج مفتوحة الأوزان مماثلة له في الحجم، خصوصًا في مهام البرمجة والرياضيات والاستدلال.
وترى وكالة ”ليب“ (Liip) الرقمية، ومقرها زيورخ، أن ”أبيرتوس“ لا يزال متأخرًا عن النماذج التجارية، رغم أن الإصدار 1.5 أسهم في تقليص الفجوة. وكانت الوكالة قد اختبرت النموذج ضمن أداة البحث بالذكاء الاصطناعي ”زوري سيتي جي بي تي“ (ZüriCityGPT)، التي طورتها للإجابة عن أسئلة السكان.
وقال جوزيف كروكنبرغ، رئيس مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي في ”ليب“، إن الإصدار ”أبيرتوس 1.5“ يقدم إجابات أكثر فائدة، ويتبع التعليمات بصورة أفضل، كما أصبح أكثر ميلًا إلى الامتناع عن الإجابة عندما لا تتوافر لديه معلومات كافية. غير أن الفجوة لا تزال قائمة في ما تعتبره الشركة أهم معاييرها، وهو مصداقية الاستناد إلى المصادر، أي مدى استناد كل جزء من الإجابة إلى المصادر المتاحة فعليًا.
وأوضح كروكنبرغ: ”حتى الآن، لم نستخدم ’أبيرتوس‘ في مشاريع لعملائنا؛ فقد شعرنا بأنه لم يكن جاهزًا بعد“، مضيفًا أنه حتى مع إطلاق الإصدار 1.5، لا يزال من المبكر تحديد استخدامات عملية واضحة للنموذج في مشاريع العملاء.
هل تنطوي نماذج الذكاء الاصطناعي على تحيزات؟ شركة «أبيرتوس» السويسرية ليست استثناءً:
المزيد
الذكاء الاصطناعي السويسري يُظهر تحيزًا رغم جهود الشفافية
ثمن الانفتاح
لا يزال تطوير نماذج مفتوحة المصدر بالكامل وقادرة في الوقت نفسه على المنافسة مهمة صعبة، تنطوي على تنازلات لا مفر منها. وقال ليزلي تيو من مؤسسة ”إيه آي سنغافورة“: ”أن يكون النموذج مفتوح المصدر حقًا يعني، على الأرجح، الاستغناء عن بعض أنواع البيانات، وهذا له عواقب على الأداء والقدرات العامة للنموذج“.
ويتفق داميانو بيناغي من شركة ”أرتيفيشالي“ مع هذا الرأي، موضحًا أن نموذج ”أبيرتوس“ يعتمد على بيانات عامة شفافة وقابلة للتحقق، بما يتماشى مع متطلبات حقوق النشر، خلافًا لمطوري النماذج المملوكة الذين يستخدمون في كثير من الأحيان بيانات مرخّصة أو غير معلنة. وأشار إلى أن هذا قد يؤدي إلى فجوة محدودة في الجودة، لكنه يعزز في المقابل السيادة الرقمية.
ويقدّر فيديريكو مانيولفي، رئيس قسم معالجة اللغات الطبيعية في ”أرتيفيشالي“، أن ”أبيرتوس 1.0“ كان متأخرًا بنحو عامين عن أفضل النماذج الأمريكية عند إطلاقه. وقال: ”عامان مدة طويلة جدًا في قطاع يتطور كل ثلاثة أشهر“.
ويتطلب سد هذه الفجوة دورات تدريب جديدة، وقدرات حوسبة أكبر، ومزيدًا من الاستثمار. وباعتباره المشروع الرائد للمبادرة السويسرية للذكاء الاصطناعي، يستخدم نموذج ”أبيرتوس“ بالفعل حصة كبيرة من موارد الحوسبة العامة المتاحة. ويقرّ لافروفسكي بأن كيفية تخصيص هذه الموارد لا تخلو من الجدل.
وليست كل أوجه القصور في ”أبيرتوس“ ناتجة بالضرورة عن النموذج نفسه؛ فنموذج الذكاء الاصطناعي لا يمثل سوى جزء من منظومة أوسع، إذ تلعب البرمجيات المسؤولة عن مهام مثل استرجاع المعلومات وترتيبها بحسب صلتها بطلب المستخدم دورًا مهمًا أيضًا.
ويرى جوزيف كروكنبرغ من وكالة ”ليب“ أن بعض المكونات البرمجية المحيطة بـ”أبيرتوس“ لا تزال بحاجة إلى مزيد من الضبط حتى تعمل معه على النحو الأمثل. ففي أحد اختبارات الوكالة، على سبيل المثال، لم تكن الإجابة غير الدقيقة عن عدد سكان زيورخ ناجمة عن النموذج وحده، بل عن نظام استرجاع المعلومات الذي أخفق في اختيار أحدث مصدر متاح للمعلومة.
بالنسبة إلى كروكنبرغ، يُظهر ذلك أن وجود نموذج ذكاء اصطناعي جيد لا يكفي وحده للمنافسة، مضيفًا: ”يجب أن تكون المنظومة المحيطة به أيضًا على قدر المهمة“.
وسيواجه نموذج ”أبيرتوس“ في عامه الثاني تحديين رئيسيين: تحسين النموذج نفسه، وتعزيز المنظومة التي يعتمد عليها. وسيكون كلا الأمرين ضروريًا إذا أراد النموذج السويسري للذكاء الاصطناعي أن يظل قادرًا على المنافسة وأن يحقق تبنّيًا أوسع على أرض الواقع.
تحرير: غابي بولار
ترجمة: أحمد محمد
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلي
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.