هل يمكن الوثوق بأدوات كشف النصوص المولّدة بالذكاء الاصطناعي؟ خبراء سويسريون يجيبون
وجد كاتب، حققت روايته نجاحًا نقديًا وتجاريًا، نفسه في قلب سجال هدّد سمعته الأدبية، بعدما اتُّهم باستخدام الذكاء الاصطناعي في تأليفها. لكن إلى أي مدى يمكن الوثوق بأدوات كشف النصوص المولّدة بالذكاء الاصطناعي؟ وما الذي تثبته نتائجها فعلًا؟ يناقش خبراء سويسريون وسويسريات، وفنانون وفنّانات، حدود هذه الأدوات وتأثيرها في عالم الإبداع
كان مستقبل الكاتب الهايتي الكندي، تيليسون أوريليان، يبدو واعدًا. فقد حقّقت روايته ”إما هذا وإما الموت“ (C’était ça ou mourir) نجاحًا نقديًا وتجاريًا. ودخلت الرواية سباق المنافسة على بعض أعرق الجوائز الأدبية الفرنسية، ومنها جائزة غونكور. لكن انقلبت الأمور بعدما اتهمه حسابٌ مجهول على منصة إكس باستخدام الذكاء الاصطناعي في كتابتها بالكامل تقريبًا.
بدوره، نفى أوريليان الاستعانة بالذكاء الاصطناعي. لكن، بدا الدليل قاطعا في نظر من اتهموه. إذ صنَّفت أداة ”بانغرام“ (Pangram)، أشهر أدوات كشف النصوص المولّدة بالذكاء الاصطناعي، أكثر من 95% من الرواية على أنها من إنتاج هذه التقنية.
وأثارت القضية انقسامًا في الأوساط الأدبية. فبينما دافع بعضهم عن الكاتب وشككوا في موثوقية أدوات الكشف، وجّه إليه آخرون انتقادات حادة.
ويرى المخرج وكاتب السيناريو والمحاضر السويسري، مانويل فلورين هندري، تشويهَ سمعة كاتب استنادًا إلى نتيجة يصدرها برنامج حاسوبي أمرًا مجحف.
ففي مقابلة مع سويس إنفو على هامش قمة AI+X مطلع أكتوبر، صرَّح هندري: ”أن نُدخل نصًا إلى برنامج بانغرام، ثم نُعرّض كاتبه لما يشبه الإعدام العلني بناءً على النتيجة، هذا أمر غير مقبول“.
ويدافع هنري عن حرية الفنانين والفنانات في اختيار الأدوات التي يستخدمونها في أعمالهم.
وقد سبق لكتّاب وفنّانات وفنانين سويسريين آخرين، خوض تجارب علنية مع الذكاء الاصطناعي. فضمّن الكاتب شارل ليفينسكي، مثلًا، روايته ”واقعي إلى حدّ الخداع“ (Täuschend echt) مقاطع كاملة أنتجها برنامج تشات جي بي تي. كما استعان المصور الفوتوغرافي، ماتيو غافسو، بأدوات لتوليد الصور، من بينها ”دال-إي“ (DALL·E)، في أعماله الفنية.
وهذه مجرد أمثلة على استخدام الذكاء الاصطناعي في الأعمال الإبداعية في سويسرا، مع الإفصاح عن ذلك بوضوح.
لكن عند استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة مكثفة، ودون الإفصاح عن ذلك، تصبح المسألة أكثر تعقيدًا. فكيف ينبغي التعامل مع مثل هذه الحالات؟ وما مقدار المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي الممكن قبوله في عمل فني؟ وهل تصلح أدوات، مثل بانغرام، دليلًا قاطعًا على الغشّ؟
ما مدى دقة بانغرام في كشف النصوص المولّدة بالذكاء الاصطناعي؟
ليس الحكم على موثوقيّة بانغرام بالأمر البسيط في رأي هندريك ستروبلت، الباحث البارز في شركة ”آي بي إم“ (IBM) بالولايات المتحدة. ففي عام 2019، طوّر ستروبلت وزملاؤه أداة تجريبية تُدعى GLTR، كانت من أوائل الأدوات المصمّمة للمساعدة في تحديد النصوص المحتمل أن تكون نماذج اللغة قد أنتجتها.
وكانت شركة أوبن إيه آي قد أطلقت آنذاك نموذج GPT-2، الذي استندت إليه أداة GLTR.
ويوضح ستروبلت ميلَ نماذج الذكاء الاصطناعي آتذاك إلى إنتاج نصوص رتيبة ومتشابهة في أساليبها. والسبب، كان هذا النوع من النصوص الأكثر شيوعًا في البيانات التي تدرّبت عليها.
ولذلك، كان تحديد ما إذا كان نص ما قد كُتب بمساعدة الذكاء الاصطناعي سهلًا نسبيًا، ويكفي البحث عن كلمات يُرجّح أن تختارها تلك النماذج.
لكن منذ ذلك الحين، أصبحت نماذج اللغة أكثر تطورًا. وفي ظلّ القدرات التي تتمتّع بها الأنظمة الحديثة، بات وضع قواعد واضحة تميّز النصوص المولّدة بالذكاء الاصطناعي من الكتابة البشرية، بحسب ستروبلت، صعبًا للغاية.
ويقول الباحث في ”آي بي إم“: ”اليوم، أصبحت هذه النماذج أكثر تطورًا بكثير، وباتت قادرة على تقليد أساليب مختلفة إذا زُوّدت بالتعليمات المناسبة“.
وتعتمد برامج، مثل بانغرام، على تقنية ”التصنيف الخاضع للإشراف“ (Supervised Classification). وتقوم هذه التقنية على مقارنة نصوص كُتبت قبل الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي التوليدي. ويُفترض أنها من تأليف البشر، بنسخ موازية تتناول الموضوعات نفسها، ولكنها مولّدة باستخدام نماذج لغوية مختلفة متاحة تجاريًا. وخلال التدريب، يتعلم البرنامج رصد الفروق بين المجموعتين.
وتقوم الفكرة على أنّ تدريب النظام على التمييز بين نصوص متقاربة جدًا في موضوعاتها من شأنه تحسين دقة تنبؤاته. ويوضح ستروبلت: ”الهدف هو تدريب النظام على نصوص شديدة التشابه، لضمان أن يتعلم التعامل مع الحالات الأصعب أوّلًا“.
وحسب قول شركة بانغرامرابط خارجي، تبلغ دقة أداتها 99،98% ولا تتجاوز نسبة النتائج الإيجابية الخاطئة 0،01%. ويقصد بالنتائج الإيجابية الخاطئة حالات تصنيف البرنامج نصًا بشريًا على أنّه مولّد بالذكاء الاصطناعي. وقد دعّمت أبحاث مستقلةرابط خارجي النتائج المرتفعة التي تحققها الأداة، ومنها دراسة نُشرت عام 2026رابط خارجي.
ووفقًا لباولو إيطالياني (Paolo Italiani)، الباحث في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي بجامعة سويسرا الإيطالية (USI)، تميل نتائج أدوات الكشف إلى أن تكون أكثر موثوقية كلما ازداد طول النص الذي تخضعه للتحليل.
وفي تعليقه على الحالة المطروحة، يقول إيطالياني: ”يُرجّح أن يكون جزء من النص على الأقل، مولّدًا بالذكاء الاصطناعي“.
أين تكمن حدود أدوات كشف الذكاء الاصطناعي؟
مع ذلك، بحسب لونيكه فان دير بلاس، أستاذة معالجة اللغات الطبيعيّة في جامعة سويسرا الإيطاليّة، لا تزال معرفة الخصائص الدقيقة المعتمِدة عليها هذه الأدوات في تصنيف النصوص، صعبةً.
ويستلزم فهم آلية اتخاذ هذه القرارات، توضح، إجراء دراسات تبحث في كيفية تفسير نتائج النماذج. لكن هذه المهمة ليست سهلة. فإلى حدّ كبير، تعمل البرامج التجارية، ومنها بانغرام، بوصفها ”صناديق سوداء“، لا تتاح تفاصيل آلياتها الداخلية للباحثات والباحثين المستقلين.
ومن الناحية النظرية، قد تساعد بعض السمات في ترجيح ما إذا كان النص من كتابة إنسان أم من إنتاج الذكاء الاصطناعي. ومن بينها، تسلسل الحجج على نحو خطّي مفرط، كما تُظهر دراسة شاركت فان دير بلاس في إعدادهارابط خارجي.
لكنها تحذر من عدم كفاية هذه السمات وحدها للجزم بمصدر النص. وتلفت الباحثة أيضًا إلى أنّ أدوات الكشف تكون عادة أقل موثوقية عند التعامل مع لغات غير الإنجليزية، أو مع أنواع متخصّصة من الكتابة ربما لم تكن ممثّلة كِفايةً في بيانات التدريب.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما يكون النص ثمرة تعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. فقد أظهرت بعض الاختباراترابط خارجي انخفاض دقة أدوات الكشف بنحو 20 نقطة مئوية في مثل هذه الحالات.
ويشير تقرير تقني أصدرته بانغرام نفسهارابط خارجي إلى تراجع دقة البرنامج عند تحليل نصوص تتناوب فيها جمل كتبها البشر وأخرى ولّدها الذكاء الاصطناعي.
وتفسّر فان دير بلاس ذلك قائلة: ”لقد دُرّبت هذه البرامج في الغالب على نصوص كتبها البشر بالكامل، أو نصوص أنتجتها الآلات بالكامل. وما إن تواجه نصًا يجمع بين الاثنين، حتى تختل قدرتها على التمييز“.
هل تُعدّ نتائج برامج الكشف دليلًا على الغش؟
من الناحية القانونية، لا تشكّل النتائج الصادرة عن أدوات، مثل بانغرام في حد ذاتها، دليلًا على ارتكاب الكاتب غشًا.
ويقول جاك دو ويرا، أستاذ قانون الملكية الفكرية في جامعة جنيف: ”لا يمكن أن يستند قرار قضائي إلى هذه التقنيات وحدها، لأنها قد تُخطئ“.
وإذا وصلت قضية مماثلة لقضية أوريليان إلى المحكمة، يوضح، فلا بد من النظر في أدلة أخرى إلى جانب نتائج أدوات الكشف. وقد تشمل هذه الأدلة المخطوطات الأصلية، والمسوّدات المتعاقبة للعمل، بل وحتى المحادثات التي أجراها الكاتب مع أنظمة الذكاء الاصطناعي. ويشير الأستاذ الجامعي إلى أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في إنتاج عمل إبداعي لا تحرم مؤلفه تلقائيًا من إمكانية المطالبة بحقوق المؤلف على عمله.
ويوضح: ”إذا استطاع شخص إثبات أن ما قدّمه للذكاء الاصطناعي من مدخلات وتعليمات إبداعية أسهم بصورة ملموسة في تشكيل النتيجة النهائية، فقد يتمكن من المطالبة بالاعتراف بمساهمته الإبداعية في العمل“.
والمعيار الحاسم هنا هو مدى كفاية المساهمة الإبداعية للمؤلف. لكن يشدّد دو ويرا على عدم وجود نسبة رقمية ثابتة تحدّد مقدار النص الذي ينبغي للإنسان كتابته بنفسه حتى يُعدّ العمل من إبداعه.
إذا أثّر فينا كتاب… فهل يهمّ حقًا من كتبه؟
بالنسبة إلى مانويل فلورين هندري، لا تقتصر المسألة على الحماية القانونية.
فهو يستخدم تقنيات قائمة على الذكاء الاصطناعي علنًا في جوانب مختلفة من عمله، وقد طوّر بعضها بنفسه. وتتراوح استخداماته بين تحليل السيناريوهات والمساعدة في أبحاثه الأكاديمية.
ويوضح أن التكنولوجيا تفتح أمامه أبوابًا جديدة للإلهام، وتقترح عليه أحيانًا مسارات لم تكن قد خطرت بباله. كما تتيح له تخصيص مزيد من الوقت للعملية الإبداعية نفسها. ويقول: ”الكتابة البشرية الحقيقية هي تفكير يتشكّل أثناء الممارسة. وهي تتطلب قدرًا من المكابدة، وبلوغ حالة يستطيع فيها المرء التركيز تمامًا على تدفّق أفكاره“.
ويطرح هندري سؤالًا مثيرًا للجدل: لماذا ينبغي أن يكون لحجم مساهمة الذكاء الاصطناعي في العمل كل هذه الأهمية؟
ويتساءل: ”إذا أثّر فيك العمل، ووجدته مثيرًا للاهتمام، ودفعك إلى التفكير، فأين المشكلة؟“.
والأهمّ، في رأيه، هوَ تعلّم كيفية التمييز بين المهام الممكن إسنادها إلى الذكاء الاصطناعي، وتلك التي يُفضّل أن ينجزها الإنسان بنفسه. وبدلًا من رفض التكنولوجيا، يدعو الفنانين والفنانات إلى التحلي بالشفافية بشأن كيفية استخدامها. ويقول: ”إذا ادّعيت أن هذا العمل من إبداعي، بينما هو في الحقيقة مولّد بالكامل بالذكاء الاصطناعي، فهذا خداع“.
فلا يتعلّق الأمر بسمعة الفنّان وحدها، بل بما هو أهم: علاقة الثقة التي تربطه بجمهوره.
تحرير: غابي بولارد
ترجمة عن الإنجليزية. مراجعة ومعالجة: ريم حسونة
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
شاهد المزيد من مقالات Swissinfo في نتائج بحث Google. اعرف المزيد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.