The Swiss voice in the world since 1935
موجز شخصي

سجّل الدخول لإضافة مواضيع إلى موجزك.

سجل الآن
قائمة المفضلة

سجّل الدخول لإضافة مقالات إلى قائمتك المحفوظة.

سجل الآن

هانس إيرني: فنان التمويه في خدمة الجيش

اقتراح للتمويه قدمه هانز إرني لمتجر الذخيرة MM5 في ريناخت، عام 1940.
تصوّر للتمويه اقترحه هانس إيرني لمخزن الذخيرة MM5 في رينخت، عام 1940. Archives fédérales suisses

في عام 1939، رسم هانس إيرني جدارية «سويسرا: قبلة الشعوب لقضاء الإجازات»، التي كان الهدف منها التعريف بسويسرا أمام العالم. وبعد عام واحد، وفي خضم الحرب العالمية الثانية، سخّر موهبته الفنية لتمويه منشآت عسكرية في الجبال وإخفائها عن أنظار العدو. مهمتان مختلفتان، لكن نظرة الفنان ظلّت واحدة.

ينشر موقع “سويس إنفو” (SWI Swissinfo.ch) بانتظام مقالات أخرى مقتبسة من مدوّنة المتحف الوطني السويسريرابط خارجي والمخصصة لمواضيع تاريخية. هذه المقالات متاحة باللغات الألمانية والفرنسية والإنجليزية.

في 14 مارس 1940، تلقّى هانس إيرني (1909-2015) رسالة غير مألوفة. فقد أبلغه العقيد ميزنر، من الدائرة العسكرية الفدرالية في برن، بأنه جرى تفقد مخازن الذخيرة في ألتدورف، المحفورة داخل جرف صخري، وأن الجيش يدرس إمكانية تمويهها برسوم تجعلها أقل وضوحًا. وأوضح العقيد أن هذه الحالة الخاصة «تستدعي نظرة الفنان وحسّه الفني»، وسأل إيرني إن كان مستعدًا لمرافقته في جولة تفقدية جديدة في ألتدورف.

كان ذلك تكليفًا غريبًا لفنان ذي توجه عالمي، كان قبل سنوات قليلة فقط منخرطًا في قلب الحركة الفنية التجريدية والطليعية الأوروبية في لندن.

لكن أجواء تلك الحقبة لم تكن «مواتية للأفكار التقدمية»، كما يشير تقرير صدر آنذاك. فمنذ منتصف ثلاثينات القرن العشرين، ساد في سويسرا مناخ من التوجس تجاه الفن الطليعي، الذي كان يُنعت أحيانًا بـ«البلشفية الثقافية».

وفي ظل هذه الظروف، حصل إيرني عام 1937 على أحد أبرز التكليفات الفنية الخاصة بالمعرض الوطني المقرر تنظيمه في زيورخ. وبعد عام، ازداد الوضع السياسي توترًا. ففي أواخر عام 1938، دعا المستشار الفدرالي فيليب إيتر إلى «الدفاع الروحي» عن البلاد. وكان يرى أن على سويسرا التمسك بتقاليدها الديمقراطية وخصوصيتها الثقافية. وأصبح المعرض الوطني، الذي أُقيم عام 1939، أحد أبرز رموز هذا التوجه.

وعلى الرغم من البيئة الفنية والمهنية الخصبة التي وفّرتها له لندن خلال تلك السنوات، قرر إيرني الاستقرار في سويسرا ابتداءً من عام 1938. وبذلك، طوى صفحة الفن التجريدي، واتجه إلى فن تصويري أكثر ارتباطًا بقضايا المجتمع، قبل أن يضيف إلى مسيرته لاحقًا تجربة غير مألوفة: فن التمويه.

هانز إريني في عام 1997
هانز إرني، 1997. Musée national suisse

جدارية أيقونية

وضع هانس إيرني، بمساعدة صديقه ومؤرخ الفن كونراد فارنر، التصور الفني لجدارية المعرض الوطني. وبلغ طول اللوحة 100 متر، وجسّدت سويسرا من خلال مناظرها الطبيعية: الهضبة، ومناطق ما قبل الألب، وجبال الألب، والجنوب، إلى جانب الفصول الأربعة.

وفي هذه الجدارية، امتزج التاريخ بالحياة الريفية والتقاليد والتكنولوجيا والعلوم ضمن سرد بصري واحد ومتناغم. وكانت غاية إيرني، كما كتب لاحقًا، إبراز علاقة الإنسان بالطبيعة الجامدة، و«الربط بين الماضي والحاضر بالصور».

وقد لقيت الجدارية إعجاب الجمهور. وكتب الناقد مانويل غاسر في صحيفة «فيلتفوخه» (Weltwoche): «شاب سويسري يروي هنا جمال وطنه بأسلوب لم يسبقه إليه أحد»، في إشارة إلى المكانة التي احتلها المعرض الوطني بوصفه تعبيرًا عن الهوية السويسرية.

وتُظهر الملاحظات الأولية التي دوّنها إيرني بنفسه عن الجدارية، والتي تعود إلى عام 1938، مدى حرصه على تحقيق هذه الغاية. فقد أراد إنشاء سلسلة من الصور المترابطة، تبدو كما لو أن كل واحدة منها تقود منطقيًا إلى الأخرى.

وكان هذا التسلسل البصري يعكس، في الوقت نفسه، التسلسل الزمني لتاريخ سويسرا. ولتحقيق ذلك، كان لا بد من «طمس» بعض الخلافات التاريخية عمدًا، مثل حروب الإصلاح الديني وحرب «زوندربوند». فالمعرض الوطني، بحسب هذا التصور، لم يكن هدفه أن «يفرّق، بل أن يوحّد». وجعلت هذه الجدارية إيرني مشهورًا بين عشية وضحاها، فتحوّل الفنان الطليعي السابق إلى راوٍ بصري لتاريخ الأمة.

عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية في الأول من سبتمبر 1939، كان معرض زيورخ الوطني لا يزال مفتوحًا. وأعلن الجنرال هنري غيزان التعبئة العامة، واستُدعي 430 ألف رجل إلى الخدمة العسكرية خلال الأيام التالية.

وكان هانس إيرني من بين المجنّدين. وأُلحق في البداية بالخدمة التكميلية المخصصة للمهام الفكرية، لكن الإدارة العسكرية عارضت ذلك بشدة. فأُرسل إلى منطقة أوري لنقل الذخيرة وقيادة شاحنات ثقيلة ومتهالكة، من دون أن يتلقى أي تدريب على ذلك. أما إلحاقه بالمهام الفكرية، فلم يرَ المسؤولون أنه قادر، بصفته فنانًا تشكيليًا، على «تقديم خدمات كبيرة لهذه الخدمة».

لكن لم يمض وقت طويل حتى تغيّر الموقف. فقد احتاجت إدارة العتاد الحربي تحديدًا إلى ما لم ترَ فيه الإدارة العسكرية فائدة في البداية: عين الفنان ونظرته التشكيلية.

إرسال قافلة من الشاحنات العسكرية في عام 1939
مفرزة شاحنات تابعة لمخزن الذخيرة رقم 5، عام 1939 Fondation Hans Erni

إيرني: فنان التمويه

في أكتوبر 1939، كلّفت الدائرة العسكرية العقيد ميزنر بدراسة كيفية تمويه «المنشآت العسكرية ذات الأهمية الحيوية». فقد أصبحت الحاجة إلى التمويه أكثر إلحاحًا في ظل القوة التدميرية المتزايدة لسلاح الجو في الحرب الدائرة بأوروبا. وكان على سويسرا أن تسارع إلى معالجة أوجه القصور في هذا المجال.

وفي فبراير 1940، أكد تقرير صادر عن قيادة قوات الطيران والدفاع الجوي صعوبة إخفاء المنشآت الكبيرة تمامًا عن الأنظار. ولذلك، كان الهدف تحقيق أفضل تمويه ممكن، وكان للون دور حاسم في ذلك.

فعندما تنفذ طائرة هجومًا بالقصف الانقضاضي، يفقد الطيار هدفه من مجال الرؤية للحظات أثناء الهبوط الحاد. وفي هذه الثواني القصيرة، يصبح العثور على الهدف أكثر صعوبة إذا كان لونه داكنًا ومطفأ، مقارنة بهدف ذي لون فاتح.

وعلى مسافة تتراوح بين عشرة وخمسة عشر كيلومترًا، يصعب من الجو رصد البقع الداكنة في الطبيعة، حتى باستخدام مناظير التصويب. لذلك، كان المطلوب إنشاء مساحات داكنة وغير لامعة، ذات حدود غير منتظمة، وتجنّب الأشكال الملونة الواضحة، مع استخدام درجات باهتة من الأسود والأخضر.

وفي ربيع عام 1940، تحولت هذه التعليمات النظرية إلى مهمة عملية بالنسبة إلى هانس إيرني عندما توجّه إلى ألتدورف. وهناك، اعتُبر المصنع ومخزن الذخيرة من المنشآت الحيوية التي ينبغي تمويهها على وجه السرعة.

ولأن المخزن كان محفورًا داخل جرف صخري، لم يكن اللون وحده كافيًا. فقد كان لشكل التمويه أهمية حاسمة أيضًا، لأن مداخل الأنفاق والمنحدرات المحيطة بها كانت معالم واضحة قد تلفت انتباه الطيارين. واقتنع العقيد ميزنر بمقترح إيرني، فكلّفه بإخفاء تلك المداخل ودمجها بصريًا في المشهد الطبيعي المحيط.

خزانات الذخيرة المزودة بنقوش تمويهية أو بدونها.
مخازن ذخيرة مموّهة وأخرى من دون تمويه. Archives fédérales suisses

وخلال الأشهر التالية، وضع إيرني خططًا أخرى لتمويه منشآت عسكرية مختلفة، من بينها ملاجئ جبلية مرتفعة تطل على منطقة ريالب، ومواقع مدفعية ذات قبب في حصن سان كارلو عام 1942.

وفي مذكرة أرسلها إلى مديرية أشغال المنشآت العسكرية في تويفلزواند، بمنطقة غوتارد، دوّن إيرني ملاحظات دقيقة. فقد رأى أن مواقع الرماية على سفح الجبل طُليت بألوان أفتح مما ينبغي، كما أشار إلى مشكلة الانعكاسات الناتجة عن نعومة الطلاء.

وأوصى باستخدام «طبقة أكثر قتامة وكثافة وخشونة، تُطبّق بالتربيت». أما قبب حصن سان كارلو، فاقترح تغطيتها جزئيًا بكتل حجرية مسطحة تبدو طبيعية، وزراعة شجيرات من البيئة المحيطة بها.

«كثيفة»، «بالتربيت»، «خشنة»… ليست هذه لغة موظف عسكري بقدر ما هي لغة رسّام. وهنا يبرز السؤال: هل كانت هذه الأعمال مجرد مهام عسكرية لا صلة لها بالإبداع الفني بمعناه الأصلي؟ أم أنها كانت امتدادًا، بشكل مختلف، لفن إيرني نفسه؟

هانس إيرني، «شخصيات سويسرية»، 1959 (قناة التلفزيون السويسري الناطق بالفرنسية RTS):

محتويات خارجية

موني ماغ فونف

في عام 1944، رسم هانس إيرني لوحة جدارية لمركز استراحة الجنود في رينخت، بالقرب من شاتدورف في كانتون أوري. وتُظهر اللوحة «ثور أوري»، المستوحى من أسطورة «المينوتور» الإغريقية، وهو يتغلب على خمسة مهاجمين رغم تفوقهم عليه عددًا.

ويحمل عنوان اللوحة، «موني ماغ فونف» (Muni mag fünf)، دلالة مزدوجة: فهو يشير إلى الوحدة العسكرية، أي مخزن الذخيرة رقم 5، وفي الوقت نفسه يحيل إلى عبارة باللهجة المحلية، تتكوّن من «موني» بمعنى «ثور» و«ماغ» بمعنى «يقدر» أو «يستطيع». وبذلك يمكن فهم العنوان بمعنى: «الثور قادر على خمسة».

ولم يكن الربط بين الخدمة العسكرية والأسطورة وليد الصدفة. فخلال فترة خدمته، تعرّف إيرني إلى الطبيب والباحث في التراث الشعبي إدوارد رينر، وكان يرافقه أحيانًا بصفته سائقًا في جولاته عبر سهول منطقة أوري.

وخلال الطريق، كان الرجلان يتناقشان حول كتاب رينر «خاتم أوري الذهبي» (Anneau d’or sur Uri)، الذي يفسّر أساطير سكان الجبال وعاداتهم بوصفها تعبيرًا عن رؤية سحرية للعالم. وقد ألهمت هذه الحكايات إيرني ابتكار شخصية «ثور أوري»، التي تمزج بين قصة «المينوتور» وأساطير منطقة أوري.

ويجمع هذا العمل الفني الصغير بين عناصر تبدو، للوهلة الأولى، متباعدة: الحياة اليومية في الجيش وأسطورة قديمة، والخدمة العسكرية الإلزامية وحرية التعبير الفني. ومرة أخرى، وضع الفنان موهبته في خدمة المجتمع، وربط الحاضر بالماضي، تمامًا كما فعل في الجدارية التي أنجزها للمعرض الوطني قبل خمس سنوات.

هانز إرني، «موني يحب الرقم خمسة»، 1944.
هانز إيرني، «موني يحب الرقم خمسة»، 1944. Staatsarchiv Uri

بين إمتاع الناس وخدمة المجتمع

بعد عقود، عاد هانس إيرني، في أحد تعليقاته على سيرته الذاتية، إلى العلاقة بين الفنان والمجتمع. وكتب أن أي عمل فني يُنجز بتكليف عام ينبغي أن يلامس مشاعر الجمهور. وأكد أنه يجد في إنجاز عمل تحكمه متطلبات محددة السهولة نفسها التي يجدها في إنجاز عمل يعتمد كليًا على الحدس.

ففي أي خانة يمكن تصنيف الجدارية التي أنجزها للمعرض الوطني؟ وأين يمكن وضع أعمال التمويه؟

لخّص إيرني ذات يوم غاية حياته في كلمات قليلة: «إمتاع الناس وخدمة المجتمع». كانت جدارية عام 1939 تهدف إلى الإمتاع، فيما كان تمويه سفوح الجبال عام 1940 يهدف إلى تقديم خدمة.

وربما لم يكن هناك تناقض بين المهمتين، بل مجرد اختلاف في الأولويات: من إظهار الأشياء إلى إخفائها، ومن الاحتفاء إلى مواجهة حالة الطوارئ. وفي الحالتين، ظلّت عين الفنان هي نفسها.

خوسيه كاسيريس مؤرخ وأمين في المتحف الوطني السويسري

المقال الأصلي على مدونة المتحف الوطني السويسريرابط خارجي

ترجمة: موسى آشرشور

مراجعة: عبد الحفيظ العبدلّي

تفضيل Swissinfo على Google

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية