The Swiss voice in the world since 1935
موجز شخصي

سجّل الدخول لإضافة مواضيع إلى موجزك.

سجل الآن
قائمة المفضلة

سجّل الدخول لإضافة مقالات إلى قائمتك المحفوظة.

سجل الآن

تضييق يتزايد وسجون تترصد..حرية الصحافة في تونس تتآكل بسرعة

reuters_tickers

من طارق عمارة

تونس ‭14‬ أكتوبر تشرين الأول (رويترز) – في حديقة بمقر نواة، المنصة الإعلامية الاستقصائية المستقلة في تونس، يجلس صحفيون يدخنون السجائر ويتبادلون النكات، فيما يناقشون خلال اجتماعهم التحريري مشاريع تحقيقات يخططون لنشرها.

يبدو المشهد عاديا لكن الموضوعات التي يناقشونها قد تكلفهم حريتهم في بلد يقبع فيه أربعة صحفيين خلف القضبان، ويواجه آخرون ملاحقات قضائية، فيما اختار بعضهم المنفى هربا من نفس المصير.

إنه مشهد يناقض ما كانت عليه الأوضاع في السنوات التي أعقبت الثورة، حين كان انتقاد المسؤولين والرؤساء، بل وحتى السخرية منهم في البرامج الكوميدية، أمرا مألوفا، في مساحة عامة اتسعت فيها حرية التعبير مقارنة بما عرفته البلاد في عهد زين العابدين بن علي.

بعد خمسة عشر عاما على الثورة التونسية التي أطاحت بنظام بن علي عام 2011، تجد حرية الصحافة، إحدى أبرز مكاسب الثورة، نفسها أمام اختبار صعب بعدما استحوذ الرئيس قيس سعيد على صلاحيات واسعة النطاق.

ويواجه نحو 20 صحفيا ملاحقات قضائية بسبب تقاريرهم أو منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد سُجن أربعة منهم بالفعل، وذلك وفقا لزياد الدبار، نقيب الصحفيين التونسيين، الذي وصف الوضع بأنه غير مسبوق.

في المقابل، يؤكد سعيد أنه ليس دكتاتورا، وأن الصحفيين يتمتعون بحرية انتقاد السلطات، وهو ما يفعلونه مرارا.

وتقول السلطات إن الملاحقات القضائية هي مسائل قانونية محايدة، وإن أحدا ليس فوق القانون.

ولم يرد المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء التونسي على طلبات التعليق.

وتقول جماعات حقوقية إن وسائل الإعلام المستقلة تواجه الآن حملة قمع شاملة، إذ تراجع ترتيب تونس بأكثر من 50 مركزا خلال السنوات الخمس الماضية لتصل إلى المرتبة 137 في مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود.

بدأ التحول في يوليو تموز 2021، حين سيطر سعيد على صلاحيات واسعة وبدأ لاحقا الحكم بالمراسيم، قبل أن يعيد تشكيل النظام السياسي من خلال دستور جديد عام 2022.

ويرى منتقدوه أن تركيز السلطة بين يديه أضعف الضمانات الديمقراطية ومهد الطريق لتصاعد الضغوط على الصحفيين والنشطاء والمعارضين السياسيين.

* حقل ألغام متحرك

بالنسبة لأيمن الرزقي، رئيس تحرير نواة، لم تعد المخاطر المرتبطة بالعمل الصحفي استثناء، بل جزءا من الحياة اليومية.

وخلال نحو 20 عاما من العمل في الصحافة، عايش الرزقي السنوات الأخيرة من حكم بن علي وتعرض للتضييق والاعتقال والملاحقات.

ومع ذلك، يرى أن المناخ الحالي أكثر خطورة، ليس بالضرورة لأن القيود أصبحت أكثر وضوحا، بل لأن الحدود باتت أكثر غموضا وتقلبا.

يقول الرزقي لرويترز “قبل 2011، كانت الحدود واضحة. أما اليوم، فنحن نعيش في منطقة رمادية، أشبه بحقل ألغام متحرك، وندفع الثمن كل يوم”.

ويشير رئيس تحرير نواة إلى صعوبات متزايدة في الحصول على المعلومات الرسمية، إلى جانب الضغوط القضائية والمضايقات والتهديدات عبر الإنترنت وهي قيود يشكو منها كثير من الصحفيين الآخرين.

كما واجه موقع نواة قيودا إدارية وقضائية، من بينها قرار بتعليق نشاطه لمدة شهر خلال العام الماضي.

وذكر الرزقي أن موقع نواة يتلقى بانتظام تهديدات، سواء كانت مجهولة المصدر أو من مؤيدين للحكومة على وسائل التواصل الاجتماعي يصفونه بالخائن، بسبب تغطيته لقضايا تشمل السجون وانقطاع التيار الكهربائي ونقص المياه.

* صحفيون خلف القضبان وآخرون في المنفى

لا تقتصر الضغوط على الصحفيين في نواة. ففي الرابع من سبتمبر أيلول، اعتقلت الشرطة محمد اليوسفي، رئيس تحرير موقع الكتيبة الاستقصائي، أثناء توجهه إلى محطة إذاعية خاصة للمشاركة في برنامج مباشر. وقد وجه إليه قاض تهمة الإثراء غير المشروع، وهي تهمة يصفها اليوسفي بأنها ملفقة.

في رسالة من سجنه قال اليوسفي “نحن لسنا حزبا سياسيا، ولسنا ملحقا بأي طرف، لكننا أيضا لسنا جسرا تعبر من خلاله السلطة لتمرير أجنداتها. استقلاليتنا ليست امتيازا نطالب به، بل شرط أساسي لوجود الصحافة ذاتها، ولقدرتها على أداء رسالتها في خدمة المجتمع، بعيدا عن التوظيف والتدجين والرقابة”.

وفجر اعتقال اليوسفي، بتهمة الإثراء غير المشروع انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان في الداخل والخارج التي طالبت السلطات بالإفراج عنه.

وانضم اليوسفي، إلى قائمة من الصحفيين المسجونين في تونس، تشمل مراد الزغيدي وبرهان بسيس وزياد الهاني.

وحُكم على الزغيدي وبسيس بالسجن ثلاث سنوات ونصف السنة لكل منهما في قضايا مالية إضافة لتهم الإساءة للرئيس، فيما لا يزال الهاني خلف القضبان على خلفية تصريحات انتقد فيها القضاء.

لكن السجن ليس المصير الوحيد الذي يهدد الصحفيين في تونس. بالنسبة للبعض منهم، أصبحت مغادرة البلاد خيارا لتجنب الوقوع خلف القضبان، حتى لو كان ذلك يعني ترك أسرهم وشبكاتهم المهنية وكل ما بنوه على مدى سنوات، في رحلة لم تكن خيارا سهلا بقدر ما كانت محاولة لتجنب السجن.

وغادر أربعة صحفيين على الأقل البلاد من بينهم خولة بوكريم وهيثم المكي.

في ديسمبر كانون الأول 2025، وجدت الصحفية خولة بوكريم، مؤسسة موقع توميديا، وهي صوت قوي ومنتقد للرئيس، نفسها مجبرة على مغادرة تونس إلى فرنسا خشية اعتقال وشيك.

وبعد أشهر قليلة من مغاردتها، صدر بحقها حكمان غيابيان بلغ مجموعهما أربع سنوات سجنا، على خلفية كتابات ومواقف منتقدة للقضاء وانتقادات لنظام حكم تصفه “بالاستبدادي”.

وحوكمت بوكريم بموجب المرسوم 54، وهو قانون للجرائم الإلكترونية صدر عام 2022 ويتضمن عقوبات صارمة على جرائم النشر عبر الإنترنت.

وبوكريم عرفت بانتقاداتها اللاذعة لسياسات سعيد وببرامج سياسية تستضيف فيها شخصيات معارضة بارزة وتسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها في أغلب المنابر الإعلامية المحلية.

كما غادر الصحفي البارز هيثم المكي تونس في يوليو تموز 2026، بعدما علم بصدور حكم بسجنه عاما، على خلفية تعليقات ومنشورات تناولت مخالفات في مستشفى صفاقس تتعلق بجثث مهاجرين. وقد تدوالت وسائل إعلام عديدة التعليقات ذاتها، من دون أن تواجه ملاحقات مماثلة.

وتشير نقابة الصحفيين إلى أنه، فضلا عن الملاحقات القضائية، كثيرا ما تمنع الشرطة الصحفيين من العمل في الأماكن العامة، كما يتم احتجازهم أحيانا لساعات.

ولم تعد معظم الوزارات تضم مكاتب صحفية، في حين حُرم العديد من المراسلين الدوليين من الحصول على اعتمادات رسمية، مما زاد من تقييد التغطية الإعلامية المستقلة.

* تراجع المشهد الإعلامي

يتجلى انكماش مساحة الصحافة التونسية أيضا في التحول الذي طرأ على البرامج التلفزيونية والإذاعية وطبيعة النقاش السياسي المتاح للجمهور.

ففي السنوات التي أعقبت ثورة 2011، كانت السخرية السياسية جزءا مألوفا من المشهد الإعلامي، وكان الرؤساء وكبار المسؤولين مادة للبرامج الساخرة والكوميدية، فيما اتسع النقاش العام ليشمل انتقادات حادة غير مألوفة في باقي بلدان المنطقة.

واختفت البرامج السياسية وتلك التي تتضمن انتقادات من العديد من المحطات الإذاعية الخاصة. وتقول النقابة إن الإعلام الرسمي بات يهمش الأصوات المعارضة بشكل متزايد، وإن كانت وكالة الأنباء الرسمية تظل استثناء، إذ تواصل تغطية الاحتجاجات وأنشطة المعارضة ومبادرات المجتمع المدني.

لكن نقابة الصحفيين التونسيين تقول إن “الإعلام العمومي تحول إلى بوق للدعاية السياسية، وإن الأصوات المعارضة والمجتمع المدني أُقصيت من برامجه”.

* الكلفة الإنسانية

في منزل الصحفي المسجون زياد الهاني، تبدو الكلفة الإنسانية كبيرة أيضا.

يقضي الهاني يقضي عقوبة السجن لمدة عام بعد إدانته في مايو أيار بتهمة الإساءة للغير عبر شبكات التواصل الاجتماعي، في أحدث خطوة يقول معارضون إنها تهدف لإخماد الأصوات القوية والناقدة.

تتحدث زوجته ثريا الزواري عن غيابه، والضغط النفسي الذي يثقل الأسرة، والصعوبة التي تواجهها بناته في تقبّل فكرة أن والدهم يقبع خلف القضبان.

في بيت الهاني، لا يبدو السجن حكما يطال شخصا واحدا فحسب، بل محنة تمتد إلى أفراد عائلته وتعيد تشكيل تفاصيل حياتهم اليومية.

تقول الزوجة “لا نستطيع تقبل فكرة أن زياد في السجن”.

لكن رغم ذلك تظهر العائلة إصرارا كبيرا على اتباع نهج زياد في التشبث بالكلمة الحرة والموقف القوي.

(تحرير سها جادو للنشرة العربية)

قراءة معمّقة

الأكثر مناقشة

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية