جثمان خامنئي يسجى في طهران في بداية مراسم تستمر أسبوعا لتشييعه
دبي 3 يوليو تموز (رويترز) – أسجي جثمان الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في قاعة واسعة في طهران اليوم الجمعة وتوافد رجال دين ومسؤولون وشخصيات أجنبية كبيرة وغيرهم لإلقاء نظرة الوداع على الزعيم الراحل الذي قتل في قصف أمريكي وإسرائيلي.
وتنظم إيران على مدى أسبوع مراسم جنائزية شعبية لخامنئي، الذي تسببت أول غارة جوية خلال الحرب في إنهاء حكمه الذي دام 37 عاما، في استعراض للولاء الشعبي لنظام حكم رجال الدين في الجمهورية الإسلامية والحماس الثوري.
ومن المقرر وصول جثمان خامنئي إلى قم والنجف وكربلاء، المراكز الشيعية الكبرى في إيران والعراق، قبل دفنه يوم الخميس في مشهد وهي مسقط رأس خامنئي التي تضم أبرز مزار شيعي في البلاد.
* لحظة حرجة
بدأت المراسم في وقت متأخر من مساء أمس الخميس بوضع نعشه أمام حشد من المؤيدين الباكين على وقع عبارات رثاء ترددت في المكان وألقى بعض الواقفين عند النعش أزهارا على الحشد. واليوم الجمعة، وضع نعشه ونعوش أفراد أسرته الذين قتلوا معه، في قاعة الصلاة الكبرى التي شيدت تكريما لسلفه، آية الله روح الله الخميني.
وتقام مراسم الجنازة في لحظة حرجة في تاريخ إيران، في وقت يعيش فيه الحكام من رجال الدين المدعومون من الحرس الثوري نشوة انتصار بعد نجاتهم مما اعتبروها حربا وجودية ضد أكبر وأقوى عدوين لهم.
وتسعى السلطات إلى حشد الملايين للمشاركة في مواكب كبيرة خلال الأيام المقبلة، من خلال توفير وسائل النقل والطعام والإقامة.
لكن بعد ما يقرب من خمسة عقود على الثورة الإسلامية في 1979 ورغم كل التصريحات الرسمية حول الوحدة الوطنية في الفترة التي سبقت بدء مراسم جنازة خامنئي، نادرا ما شهدت الجمهورية الإسلامية انقساما داخليا إلى هذا الحد.
ويقول محللون إن التأييد الشعبي للقادة من رجال الدين أصبح هشا للغاية، ولم يظهر الزعيم الأعلى الجديد مجتبى نجل خامنئي علنا منذ إصابته في الهجوم الذي أودى بحياة والده.
وتسببت أيضا العقوبات الصارمة على مدى سنوات في شلل للاقتصاد، وقمعت قوات الأمن موجات متسارعة الوتيرة من الاحتجاجات الشعبية التي عمت أرجاء البلاد وبلغت ذروتها بمقتل آلاف المتظاهرين في يناير كانون الثاني.
لكن تلك المشكلات العميقة نحيت جانبا هذا الأسبوع مع استعراض السلطات لقوة الدولة والدعم الشعبي.
وتشهد شوارع طهران انتشارا أمنيا مكثفا حيث تصطف مركبات الجيش والشرطة على جانبي الطرق الرئيسية، وتتولى الشرطة وأفراد من قوة الباسيج شبه العسكرية القيام بدوريات على دراجات نارية. وحذرت إيران الولايات المتحدة وإسرائيل من شن أي هجمات خلال مراسم التشييع والجنازة.
واستقبلت الحشود المنتظرة وهي ترفع أياديها النعوش لوداع الراقدين فيها اليوم الجمعة، ووضعت النعوش في قاعة الصلاة على منصة بيضاء مدرجة وسط أعلام إيران ورايات حداد سوداء.
ووضعت عمامة سوداء، يرتديها رجال دين يقولون إنهم من نسب النبي محمد، على النعش فوق وشاح مطوي يحمل نقوشا مربعة، وهو رمز في إيران للمثل الثورية والتضامن مع الفلسطينيين.
ومن بين القادة والمسؤولين الأجانب الذين حضروا المراسم الرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف ونائب رئيس المجلس الوطني الصيني لنواب الشعب خه وي ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف والرئيس العراقي نزار آميدي.
وحضرت المراسم أسرتا الأمين العام الراحل لجماعة حزب الله حسن نصر الله والقيادي الكبير عماد مغنية، وهما حليفان لبنانيان مقربان من إيران قتلا في غارات إسرائيلية.
وتوافد سياسيون إيرانيون منهم الرئيس ورئيس البرلمان ووزير الخارجية وغيرهم صباح اليوم الجمعة للدعاء وإلقاء نظرة الوداع. ووقف قادة عسكريون أمام نعش خامنئي وهم يؤدون التحية العسكرية ومن بينهم قائد الحرس الثوري الجديد أحمد وحيدي، الذي لم يظهر علنا منذ تعيينه خشية اغتياله.
* حشود باكية
في نظام حكم رجال الدين في إيران، لم يكن خامنئي رأس الدولة وقائد الثورة الإسلامية فحسب، بل ينظر إليه وإلى من يشغل منصب الزعيم الأعلى باعتباره ممثلا على الأرض للإمام الثاني عشر لدى الشيعة، الذي اختفى في القرن التاسع الميلادي.
وأضفت وفاته في هجوم من عدو بعدا رمزيا قويا يرتبط بتقاليد شيعية راسخة تقوم على الشهادة والحداد، حيث تشهد مراسم المناسبات الشيعية مواكب يضرب فيها المشاركون صدورهم أو ظهورهم تعبيرا عن الحزن.
وظهر هذا البعد الرمزي جليا في رايات الحداد السوداء المعلقة في شوارع المدن منذ وفاته، في إشارة إلى استشهاد الإمام الحسين، ثالث أئمة الشيعة، في القرن السابع الميلادي.
وفي وسط طهران خلال الليل، تجمع حشد وأفراده يبكون ويرددون هتافات علا بها صوت أحد عناصر الباسيج ووزع آخرون صورا لخامنئي.
وقالت موبينا رزاقي، وهي طالبة تبلغ من العمر 18 عاما من مدينة أصفهان تحضر مراسم التشييع برفقة زملائها “بإذن الله، لا يمكن التخفيف ولو جزئيا من حزن الناس إلا بالثأر لدمه والمطالبة بالقصاص له وضمان ألا يمر دم قائدنا من دون انتقام”.
ووضعت إلى جانب نعش خامنئي نعوش ابنته وزوجها وحفيدته الرضيعة وزوجة نجله مجتبى، وجميعهم قتلوا معه.
* تأجيل الدفن بسبب الحرب
تقضي التعاليم الإسلامية عادة بدفن المتوفى خلال يوم من وفاته، لكن مراسم دفن خامنئي أرجئت بسبب المخاطر المرتبطة بتنظيم جنازة حاشدة في أثناء الحرب، إلى أن جرى التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت الشهر الماضي.
وعرضت الفنادق تخفيضات 50 بالمئة، وجرى تجهيز مدارس ومساجد وصالات رياضية لاستضافة المشيعين، كما أعيد توجيه خطوط الحافلات والقطارات لتناسب مراسم التشييع.
وبعد انتهاء ما تصفه السلطات بأنه سيكون تشييعا حاشدا وضخما في وسط طهران يوم الاثنين، سيصل الجثمان إلى مدينة قم، مركز المرجعية الدينية الشيعية في إيران، حيث ستقام مراسم أخرى يوم الثلاثاء.
ومن المقرر بعد ذلك إقامة مراسم في مدينتي النجف وكربلاء العراقيتين يوم الأربعاء، بمشاركة شخصيات كبيرة من جماعات حليفة لإيران في المنطقة.
وسيوارى جثمان خامنئي الثرى يوم الخميس، عقب موكب تشييع آخر، في مدينة مشهد قرب ضريح الإمام الرضا، الذي يحظى بمكانة دينية كبيرة لدى الإيرانيين.
(شارك في التغطية أنجوس ماكدوال – إعداد رحاب علاء وشيرين عبد العزيز للنشرة العربية – تحرير سلمى نجم)