خريطة طريق بين الجزائر وباريس لتكثيف تعاونهما في الأمن والدفاع
وضعت الوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش الفرنسية أليس روفو والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون السبت، خريطة طريق تهدف إلى “تكثيف” التعاون بين البلدين وخصوصا في مجالي الأمن والدفاع، بعد نحو عامين من أزمة دبلوماسية عميقة.
عقب لقاء استمر نحو ساعتين مع الرئيس الجزائري، أعلنت الوزيرة ريفو أيضًا أن الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز، المسجون في الجزائر منذ ما يقرب من عام، سيتلقى “خلال الأيام المقبلة” زيارة قنصلية، هي الأولى منذ توقيفه.
وأوضح مصدر مطلع لوكالة فرانس برس أن الوزيرة طلبت من الرئيس تبون عودة غليز المحكوم بالسجن سبع سنوات إلى فرنسا، واتصلت بوالدته في ختام اللقاء.
ومن المفترض أن يقوم بالزيارة القنصلية السفير ستيفان روماتي الذي عاد إلى منصبه في الجزائر السبت، بعد نحو عام من استدعائه إلى باريس من جانب الرئيس إيمانويل ماكرون في ذروة الأزمة الدبلوماسية غير المسبوقة بين البلدين.
وكانت عائلته اعلنت الثلاثاء سحب الطعن الذي قدمته في الحكم الصادر بحقه، ما يمهد لعفو محتمل من الرئيس عبد المجيد تبون.
أُوقف الصحافي الرياضي كريستوف غليز في أيار/مايو 2024 أثناء تغطية كان يجريها في منطقة القبائل، وحُكم عليه أمام الاستئناف في أوائل كانون الأول/ديسمبر بالسجن سبع سنوات بتهمة “تمجيد الإرهاب”.
وأفادت عائلته الثلاثاء أنها تمكنت من زيارته في 21 نيسان/أبريل في سجن القليعة في غرب الجزائر العاصمة. وقالت والدته “إنه صلب، وهو يُلهمنا للنضال من أجله”.
كما زارته الوزيرة الفرنسية السابقة سيغولين روايال، الرئيسة الحالية للجمعية الفرنسية الجزائرية، في الأول من أيار/مايو.
– عام مفيد –
حملت أليس روفو رسالة من الرئيس الفرنسي إلى نظيره الجزائري، فماكرون الذي يبدأ عامه الأخير من ولايته، يرغب في أن يجعل منه عاماً “مفيدا” للعلاقات بين فرنسا والجزائر.
وتُعد الوزيرة المنتدبة ثاني عضو في الحكومة الفرنسية يزور الجزائر في أقل من ثلاثة أشهر، بعد زيارة وزير الداخلية لوران نونيز في منتصف شباط/فبراير، ما سمح بعودة بعض الدفء للعلاقات المتوترة بين البلدين.
وصرحت روفو “ناقشنا مسارات تُتيح أن تكون الأشهر المقبلة مفيدة لمصالح بلدينا، ومفيدة أيضا للعلاقة بين فرنسا والجزائر”.
وأشارت بشكل خاص إلى “التعاون في مجال الأمن والدفاع. وهو مهم جدًا في السياق (…) بطبيعة الحال في إفريقيا، ولكن أيضا خارجها”.
وأضافت أنها تطرقت مع الرئيس الجزائري إلى “التعاون في مجال الهجرة، وقد أكدت مجددًا ان فرنسا تُثمن استئناف هذا التعاون الذي أعقب زيارة وزير الداخلية لوران نونيز”.
وقالت “نرغب في المضي قُدما في هذا الاتجاه. وقد بحثنا سبل تكثيف هذا التعاون” وأيضا “التعاون القضائي” بين البلدين.
وتابعت “أعرف مدى أهمية هذا الموضوع بالنسبة للسلطات الجزائرية، ولكنه مهم كذلك بالنسبة إلينا في مجال مكافحة الاتجار بالمخدرات”.
وعلى صعيد الذاكرة، اتفق الرئيس الجزائري والوزيرة الفرنسية على استئناف أعمال اللجنة المشتركة للمؤرخين.
وتضم هذه اللجنة خمسة مؤرخين فرنسيين وخمسة مؤرخين جزائريين، وقد أُنشئت في صيف 2022 بمناسبة زيارة ماكرون للجزائر، لكنها لم تعد تجتمع منذ ربيع 2024.
– “تحصين” –
كذلك التقت روفو الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أول سعيد شنقريحة، وتطرقت معه الى التعاون في مجال الدفاع وخصوصا مكافحة الارهاب.
وهذا التعاون لم يتوقف بشكل كامل إلا انه تأثر ايضا بالتوتر بين البلدين.
وتسعى باريس الى “تحصين” قضايا التعاون بين البلدين ضد الهزّات التي تشهدها السياسة الداخلية في كلٍّ منهما، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وفقاً لمصدر فرنسي مطّلع.
وأمام طلاب الثانوية الفرنسية بالجزائر (الكسندر دوما) التي رافق الوزيرة في زيارة لها، شدد السفير روماتي على ضرورة الشروع في “العمل لإصلاح الروابط التي تضرّرت”، لافتا الى أن “الأمور متداخلة إلى درجة أنّ هذه الروابط لا يمكن أن تنقطع” بين فرنسا والجزائر.
واستهلّت أليس ريفو زيارتها الجمعة بمحطة ذات رمزية كبيرة في سطيف بشرق البلاد، حيث وضعت إكليلا من الزهور تكريما لذكرى الشاب بوزيد سعال، المناضل من أجل الاستقلال والذي قُتل في 8 أيار/مايو 1945 برصاص القوات الفرنسية بينما كان يلوّح بالعلم الجزائري خلال تظاهرة.
وكانت هذه المدينة، على غرار مدينتي قالمة وخراطة، مسرحا لقمع دام قام به الجيش الفرنسي للتظاهرات المطالِبة بالاستقلال، ما أسفر عن 45 ألف قتيل بحسب الجزائر، وما بين 1500 و20 ألف قتيل (منهم 103 أوروبيين) وفقاً لمصادر مختلفة.
وفي رأي المؤرخ بنجامان ستورا الذي كان حاضرا ضمن الوفد في سطيف، أن “فعلا واحدا لن يكون كافيا، بل يجب فتح ورشة كاملة للذاكرة، طويلة ومُتأنية ومعقّدة وتتطلّب الكثير من الصبر”.
مرا-ع د/ب ق