The Swiss voice in the world since 1935
أهم الأخبار
النشرة الإخبارية
أهم الأخبار
نقاشات
أهم الأخبار
النشرة الإخبارية

سودانيات تعرضن للاغتصاب اخترن الاحتفاظ بأبناء “لا ذنب” لهم

afp_tickers

تهدهد نسمة رضيعا له ابتسامتها وعيناها الفضوليتان، وتقول إنه لا يحمل شبها لأي من مقاتلي قوات الدعم السريع الثلاثة الذين اغتصبوها بشكل جماعي قبل عامين في العاصمة السودانية.

وتضيف نسمة (26 عاما) لوكالة فرانس برس فيما يستمع طفلها الى أغنية بالقرب منها، “رأيت وجوههم وما زلت أتذكرهم”. 

ابنها ياسر هو واحد من آلاف الأطفال الذين وُلدوا لنساء تعرضن للاغتصاب خلال سنوات الحرب الثلاث بين الجيش وقوات الدعم السريع في السودان.

ويُستخدم الاغتصاب كسلاح “للحرب والهيمنة والتدمير والإبادة الجماعية” في السودان “ولتدمير نسيج المجتمع وتغيير تركيبته”، وفق ما قالت المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد المرأة والفتيات ريم السالم لفرانس برس.

فرّت عائلة نسمة من الخرطوم في بداية الحرب. لكن بعد مرور عام، عادت هي لإحضار شهادات الميلاد والجامعة والوفاة التي تحتاج إليها عائلتها لبدء حياة جديدة.

في منطقة الخرطوم بحري، أوقف مقاتلو الدعم السريع الحافلة التي استقلتها وأمروا الركاب بالترجّل وفصلوا الرجال عن النساء.

وتناوب ثلاثة رجال على اغتصابها. فيما كان المقاتل الثالث ييعتدب عليها، فقدت نسمة الوعي لتستفيق مع بزوغ النهار التالي. “رأيت أحد الرجال الذين كانوا في الحافلة مقتولا بالرصاص”.

تتطابق شهادة نسمة مع تقارير وشهادات أخرى تروي مثل هذه الممارسات لمقاتلي الدعم السريع الذين يقول خبراء الأمم المتحدة إنهم يرتكبون عنفا جنسيا ممنهجا في كل أنحاء البلاد، ويستخدمونه كأداة “للإبادة الجماعية” في دارفور في غرب البلاد.

من هول الصدمة، لم تدرك نسمة التي تستخدم اسما مستعارا، أنها حامل سوى في شهرها الخامس. ولم تتخذ قرارا نهائيا بالاحتفاظ بالطفل إلا عشية الولادة. 

وتضيف “ليس لابني ذنب. مثلما هو ليس ذنبي. ما ذنبه لكي لا يعرف أمه؟”، ولهذا رفضت أن يعاني “صدمات الطفولة أو أن ينتهي به الحال في بيت سيء”.

– ظلم مضاعف –

وتقول وزيرة الدولة للشؤون الاجتماعية سليمة إسحاق الخليفة إن الغالبية العظمى من ضحايا الاغتصاب لا يبلّغن عما تعرضن له. كما أنه لا يتم توثيق عدد كبير من عمليات الإجهاض أو التبني.

وتقول منسّقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية دينيس براون “في بلدة واحدة في دارفور، هناك مئات الفتيات اللواتي اغتُصبن، ولم تذهب أي منهن إلى عيادة طبية، ومعظمهن حوامل”. 

وتقول السالم إن الشعور بالعار الذي يُفرض على اللواتي تعرضن للاغتصاب في مجتمع محافظ يُضاعف الظلم الذي يلحق بهن.

وتضيف “لقد تخلّت عائلات عن بناتها وطلّق أزواج زوجاتهم بعد تعرضهن للاغتصاب. نحن نعيد إيذاء الضحايا، وهن لا ذنب لهن”.

وبينما اختارت معظم العائلات تربية الأطفال في الخفاء، تعرضت نساء أخريات للنبذ أو التهميش أو حتى الاتهام بالتواطؤ مع عناصر قوات الدعم السريع.

في كوخ من القش في بلدة طويلة في دارفور التي لجأ إليها مئات آلاف النازحين، تروي حياة (20 عاما) لفرانس برس بينما تهدئ رضيعها لينام، عن تعرضها للاغتصاب العام الماضي أثناء فرارها من مخيم زمزم قرب الفاشر بعدما اقتحمته قوات الدعم السريع.

وقتلت هذه القوات خلال هجومها على المخيم الذي كان يؤوي أكثر من نصف مليون نازح، أكثر من ألف شخص، ونفّذت عمليات اغتصاب ممنهجة استهدفت نساء من الأقليات العرقية غير العربية، وفقا للأمم المتحدة.

– الحرب على أجساد النساء –

وصلت حياة إلى طويلة في حالة صدمة حاملة ابنها ذي الأشهر الأربعة والوجنتين الممتلئتين.

وتقول لفرانس برس “أتمنى له مستقبلا أفضل. أتمنى ألا يعيش مثلما عشنا”.

ولطالما استُخدِم العنف ضد النساء كأداة حرب في إقليم دارفور الذي شهد معارك دامية بين الأقليات العرقية وقوات الجنجويد التي كانت متحالفة مع الجيش السوداني خلال عهد الرئيس المخلوع عمر البشير، ثم تحوّلت إلى قوات الدعم السريع.

واتُهمت قوات الجنجويد بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بينها الاغتصاب الجماعي خلال العقد الأول من الألفية الثالثة. 

في أحد حقول إقليم دارفور، تعرضت حليمة للاغتصاب للمرة الأولى في سن المراهقة من جانب أحد الرعاة، ثم اغتُصبت مجددا أثناء فرارها إلى مخيم زمزم عام 2022، ومرة ثالثة أثناء هروبها من المخيم بعد هجوم الدعم السريع.

تبلغ حليمة اليوم 23 عاما وقد “أنقذتها” وسائل منع الحمل الطارئة التي قدمها لها الأطباء في طويلة من حمل طفل ثالث نتيجة الاغتصاب.

والتقت وكالة فرانس برس في طويلة العديد من النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب واللواتي حَمِلن أثناء فرارهن من الفاشر، عاصمة شمال دارفور، خلال سقوطها في قبضة قوات الدعم السريع في تشرين الأول/أكتوبر 2025، في عملية أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ستة آلاف شخص في غضون ثلاثة أيام.

وأثناء محاولة الفرار من الفاشر مع مجموعة من المدنيين، شهدت راوية (17 عاما) قتل الدعم السريع “لعدد كبير ممن كانوا معنا. ثم أخذوا ثلاث فتيات وأنا منهن واغتصبونا”، وهي الآن حامل في شهرها الخامس.

وأُعيدت علياء (25 عاما) قسرا إلى الفاشر مع أربع فتيات أخريات بعد اغتصابهن أثناء محاولة الفرار، واحتُجزن ستة أسابيع “حتى تمكننا من الفرار في منتصف الليل”. وتقول إنها أجهضت طفلا بعد ذلك.

وفقدت ماجدة (22 عاما) زوجها في هجوم صاروخي على الفاشر، ثم شهدت قتل شقيقها بالرصاص على الطريق إلى طويلة قبل أن تتعرض للاغتصاب.

وفكّرت ماجدة مليا في الطفل الذي تكوّن بداخلها قبل خمسة أشهر إلى أن قررت الاحتفاظ به، لأنه “إن فقدت الطفل سيكون ذلك فقدا وحزنا إضافيا لي. لكن إذا وصل سليما سيكون ذلك قدرا إلهيا”.

لكنّ كثيرات ممن يحاولن الهروب من وصمة الاغتصاب يصلن إلى غلوريا إندريو، وهي قابلة قانونية مع منظمة أطباء بلا حدود في طويلة، وهن ينزفن “بعد محاولتهن الإجهاض غير الآمن”.

والتقت إندريو مئات النساء اللواتي تعرضن للاعتداء خلال شهرين أمضتهما في طويلة. وتقول “بعضهن لم يستطعن حتى البوح بما حدث”.

وتضيف “تشعر بعض النساء اللواتي أنجبن رغما عنهن بالاستياء والانفصال. لا يستطعن إظهار الحب أو الاهتمام لأطفالهن. ثم يجبرن على تربية هؤلاء الأطفال الذين يصبحون تذكيرا مستمرا بما حدث”.

– أم وأب في آن واحد –

في الخرطوم، التقى فريق فرانس برس فيحاء ورضيعها البالغ خمسة أشهر والذي كان ينام وادعا في ظل قيظ الظهيرة، “لكنه يظل مستيقظا طوال الليل”، تقول أمه مازحة.

وتضيف فيحاء (30 عاما) “ينبغي أن أكون أمه وأبيه”.

وتروي فيحاء بعينين دامعتين أن رجلا بلباس مدني اغتصبها فيما وقف صديقه، الجندي في الجيش السوداني، حارسا وكان يرتدي زيا عسكريا ويمسك بالسلاح، “فخفت جدا أن يطلقا عليّ النار”.

وأوردت الأمم المتحدة في تقاريرها أنه لا يتم غالبا الإبلاغ عن العنف الجنسي ضد النساء الذي يقوم به عناصر في الجيش، خوفا من الانتقام، لكنه يحصل وإن كان ليس بحجم ممارسات قوات الدعم السريع الممنهجة، بحسب مراقبين.

ويقول ناشط طالبا عدم ذكر اسمه “تقوم قوات الدعم السريع باغتصاب النساء لإخضاع المجتمع وتهجيره والسيطرة عليه. أما جنود الجيش فيغتصبون لأنهم يعلمون أنهم سيفلتون من العقاب”.

ولم تكتشف فيحاء، وهو اسم مستعار، حملها قبل نهاية الشهر الثالث، ولم تنم تقريبا منذ ذلك الحين. 

وتقول “أشعر أحيانا بالضيق وبالغضب من الطفل. حين يأتي وقت الرضاعة، يراودني الملل”، مضيفة أنها شعرت بالأمومة فقط “حين أتمّ شهرين. لكن الأمومة صعبة للغاية”.

وتواجه فيحاء ونسمة وغيرهما مصاعب كبيرة في الحصول على شهادات ميلاد لأطفالهما والتي بدونها لا يمكن للأطفال الحصول على الرعاية الصحية أو التعليم أو الخدمات الاجتماعية. 

ولكن بحسب الخليفة، الناشطة التي أصبحت الآن وزيرة للشؤون الاجتماعية، “لا ينبغي أن يكون ذلك مشكلة في السجل المدني” لأن “هذه المسألة مستوفاة قانونيا”.

غير أن الأعراف الاجتماعية المحافظة والبيروقراطية تُلحق الضرر بالكثيرين.

وتتساءل براون “ما هو الوضع القانوني لهؤلاء الأطفال؟ إنها مشكلة طويلة الأمد. كيف ستتم رعايتهم مع عائلاتهم؟ ما تأثير ذلك على المجتمعات؟”.

– “قبل أن تراه أمه” –

في ولاية الجزيرة الزراعية في جنوب شرق الخرطوم، هجرت أسر عدة قراها بلا رجعة هربا من آثار صدمة الاغتصاب والزواج القسري والاستعباد الجنسي من جانب مقاتلي الدعم السريع. 

وبحسب تقرير للمبادرة الاستراتيجية للنساء في القرن الإفريقي، كان يتمّ “استدعاء” الفتيات ذوات البشرة الأفتح مقارنة بمقاتلي الدعم السريع والمنتميات لأصول عرقية مختلفة عنهم، “وكانت تتم معاملتهن كغنائم حرب”.

حين استعاد الجيش السيطرة على وسط السودان العام الماضي، خفّفت الحكومة القيود المفروضة على الإجهاض في محاولة واضحة لرفع آثار العنف الجنسي الذي مارسته قوات الدعم السريع.

وتقول السالم “أبدت السلطات تساهلا بخصوص الإجهاض، ولكن الكثيرات لم يكنّ على علم بذلك”، مضيفة أنه ينبغي الحصول على تصريح للإجهاض، “لذلك امتنعت الكثيرات عن الحصول عليه خوفا من الوصمة الاجتماعية”.

وأفادت متطوعة في ولاية الجزيرة فرانس برس بأنها ساعدت 26 امرأة وفتاة على الإجهاض، معظمهن كنّ يناولن “كميات كبيرة من الأدوية الخطرة دون إشراف طبي”.

وتستذكر الخليفة امرأة لم تتمكن من الإجهاض، لكن فور أن وضعت طفلها حملته جدته حتى “قبل أن تراه أمه، وقالت ابن الدعامة (الوصف الدارج لقوات الدعم السريع) هذا، لن نأخذه معنا إلى المنزل”.

وتضيف “أرادت الجدة أن تمحي هذه التجربة تماما من ذاكرة حفيدتها”، وأعطي الطفل لأسرة تبنته.

وفقدت بعض الأسر الأخرى بناتها وأحفادها مع انتقال الفتيات اللواتي تم تزويجهن قسرا لمقاتلي الدعم السريع إلى دارفور مع انسحاب أزواجهم من ولايات وسط السودان، أو مع استمرار احتجاز الفتيات اللواتي لم تتمكن عائلاتهن من دفع فدية للإفراج عنهن.

وتوجد في نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، بحسب الخليفة، فتيات محتجزات مع أطفالهن، “وقد بلغوا عاما أو عامين”.

من جهة أخرى، استفادت بعض الأسر من النزوح، فتمكنت نساء تعرضن للاغتصاب من وضع أطفالهن “بلا جيران يطرحون الأسئلة” عن أصل الطفل، وفقا للخليفة.

وتفيد الوزيرة بأن إجراءات التبني “ليست صعبة”، وتتم في كثير من الحالات بشكل غير رسمي، لا سيما في شرق السودان حيث تُعدّ رعاية الأطفال المحتاجين ممارسة شائعة. 

وتحاول الحكومة إيجاد عائلات لأكبر عدد ممكن من الأطفال الذين تمّ التخلي عنهم، غير أن السالم تخشى أن ذلك يتم “دون متابعة أو تدقيق كافٍ”، وهي فكرة تقول نسمة إنها لم تكن لتتحملها.

بعد 13 شهرا هي عمر ابنها ياسر، تقول نسمة إنها لم تقرّر بعد ماذا ستقول لابنها عن أبيه حين يكبر، لكنها تؤكد أنها في الوقت الحالي لا تفكر سوى في إيجاد وظيفة بأجر جيد بشهادتها الجامعية لتتمكن من رعايته على أفضل ما يرام.

وتقول ممسكة بيد ابنها وهو يحاول تعلّم المشي، إنه “يستحق أن يعيش حياة كريمة”.

بها-ابر/لم/الح/رض

قراءة معمّقة

الأكثر مناقشة

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية