مشروع قانون جديد لمكافحة الإرهاب يثير مخاوف قانونية وحقوقية

"لسنا خائفين"، هذا ما أعلنه الفرنسيون في مسيرة شارك فيها آلاف الأشخاص في باريس تكريما لضحايا هجوم إرهابي أودى بحياة 12 عضوا في هيئة تحرير صحيفة "شارلي إبدو" الساخرة يوم 7 يناير 2015. Keystone / Ian Langsdon

على الرغم من انتقادات صادرة عن المجتمع الدولي، وافقت الغرفة السفلى من البرلمان يوم الثلاثاء 16 يونيو على تعزيز الإجراءات الرامية لمكافحة الإرهاب. هذا التشديد يُثير قلق بعض المختصين في القضايا الجنائية، حيث يقول كاستريوت لوبيشتاني، طالب الدكتوراه في مركز القانون الجنائي التابع لجامعة لوزان متأسفا: "بدلاً من معاقبة العمل الإرهابي، انتهى بنا المطاف تقريباً إلى معاقبة مجرد النية".

هذا المحتوى تم نشره يوم 18 يونيو 2020 - 15:52 يوليو,

مع أن سويسرا نجت حتى الآن من الهجمات الإرهابية التي ضربت أوروبا في السنوات الأخيرة، إلا أن الحكومة عاقدة العزم على تشديد إجراءات مكافحة الإرهاب، ويبدو أن هذا التوجّه يحظى بالقبول. فقد أقنع الجزء الأول من مشروعها مجلس النواب (الغرفة السفلى للبرلمان) يوم الثلاثاء 16 يونيو، رغم الانتقادات الحادة الموجهة له بخصوص مدى توافقه مع حقوق الإنسان من عدمه.

هذا الجزء من القانون المستقبلي لمكافحة الإرهاب يُعزز القانون الجنائي والتعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب. وهو يعتمد، من بين أمور أخرى، نصًا جنائيًا جديدًا يُعاقب التجنيد والتدريب والسفر بغرض القيام بعمل إرهابي.

أما الهدف من ذلك فيتمثل في تمكين سويسرا من التصديق على البروتوكول الإضافي لاتفاقية مجلس أوروبا بشأن التوقي من للإرهاب، الذي تم التوقيع عليه في عام 2015 من طرف الكنفدرالية. وهو هدف جدير بالثناء ولا يُعارضه أحد، لكن تطبيقه يثير في المقابل مشكلة، ذلك أن سويسرا ترغب في الذهاب إلى أبعد مما هو مطلوب من الاتفاقية.

باسم الأمن

أشاد النواب من يمين الطيف السياسي في سويسرا بالحزم الذي يتسم به مشروع القانون. ودافع جون لوك أدّور، النائب من حزب الشعب السويسري (يمين محافظ) قائلا: "ما يشغل بالنا هو أمن السويسريين. فإذا نجحنا من خلال هذا المشروع في منع حدوث هجوم إرهابي واحد، وفي تجنب سقوط ضحية واحدة، فإن عملنا لن يكون بلا جدوى".

على يسار الخارطة السياسية، تثير إمكانية إدانة فرد واحد قبل أن يكون قد ارتكب عملا إجراميا الانزعاج، حيث نددت النائبة المدافعة عن البيئة ليونور بورشيه بالمزايدة الأمنية، مشددة على أن قانون العقوبات الجنائية خضع لستين تعديلًا خلال ثلاثة عشر عاما، وقالت: "نتخلى عن جزء من حرّيتنا من أجل أن نشعر بأمان أكبر بقليل. إننا نعطي الكثير لنشعر بقدر أقل من الخوف. لكن من المعلوم أن الخوف مستشار سيئ".

خلفت هجمات 13 نوفمبر 2015 في باريس، التي شنها أشخاص ينتمون إلى "تنظيم الدولة الإسلامية" على مطعم وقاعة للحفلات الموسيقية، أكثر من 120 قتيلا وضربت فرنسا في الصميم. Keystone / Ian Langsdon

خطر إدانة أبرياء

لقد سبق أن أثار مشروع قانون مكافحة الإرهاب انتقادات واستياء العديد من الخبراء داخل البلاد وخارجها.

أحد هؤلاء هو كاستريوت لوبيشتاني، طالب الدكتوراه في مركز القانون الجنائي بجامعة لوزان، الذي يتساءل على وجه الخصوص عن إمكانية النطق بحكم إدانة قبل أن تُرتكَبَ جريمة، ويقول: "نحن نحاول تجريم الشخص الذي سيستقل حافلة ليركب بعد ذلك قطارا، ليذهب للتدرب على الجهاد في بلد آخر، أو اقتناء مادة يُمكن ربّما – إذا استخدمت مع مواد أخرى – أن تصلح لصنع قنبلة في مستقبل غير محدد. هكذا، نضع أنفسنا في موقع بعيد جدا عن الفعل الذي نسعى للتوقي منه".

هنا، يكمن الخطر في إدانة سلوكيات غير إجرامية وأبرياء، "نحن نفترض أن هناك نية ولكننا لسنا متأكدين من وجودها، وبدلاً من معاقبة الفعل، نكاد نصل إلى درجة معاقبة النية"، كما يقول الخبير.

لتجنب هذا الخلل، طورت ألمانيا اجتهادا قانونيا يستند إلى السلوك المعتمد من طرف الشخص المُشتبه به، ويوضح كاستريوت لوبيشتاني قائلا: "يجب أن يتم الإثبات بأدلة ملموسة أنّ المشتبه به عازم بالفعل على التحرك من أجل إدانته"، وهو إجراء احتياطي يسمح من وجهة نظر الباحث بالحدّ من الطابع الواسع جدا للجريمة.

"نتخلى عن جزء من حرّيتنا من أجل أن نشعر بأمان أكبر بقليل. إننا نعطي الكثير لنشعر بقدر أقل من الخوف"

ليونور بورشيه، نائبة عن حزب الخضر

End of insertion

قانون غير دقيق

لم تتردد العديد من المنظمات غير الحكومية من التعبير عن معارضتها واستنكارها لما تضمنه قانون مكافحة الإرهاب، ولكن الأمر لم يقتصر عليها. ففي شهر مايو الماضي، بعث مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان برسالة إلى الحكومة السويسرية يحذرها فيها من عدم الدقة في صياغة نص القانون. كما أثار مشروع القانون انتقادات من قبل مفوضة مجلس أوروبا لحقوق الإنسان. وفي رسالة وجّهتها إلى لجنة السياسات الأمنية التابعة لمجلس النواب، اعتبرت دنيا مياتوفيتش أن العديد من الأحكام الواردة في القانون تنطوي على إشكاليات فيما يتعلق بحقوق الإنسان.

عموما، لم ينته النقاش بعدُ، حيث بدأ مجلس النواب يوم الخميس 18 يونيو الجاري في دراسة الجزء الثاني منه، الذي يعدّ أكثر إثارة للجدل من الأول. ذلك أنه ينص على اعتماد تدابير أمنية جديدة تهدف إلى منع الإرهابيين المُفترضين (أو المُحتملين) من الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.

مشاركة