بعد مسيرة عطاء طويلة.. رحلت الفنانة السويسرية المرحة ستيفاني غلاسير
أجمَـعت الصحف السويسرية الناطقة بالألمانية، بأن وفاة الممثلة ستيفاني غلاسير، شكَّل خسارة كبيرة للفن السويسري. وفي إصداراتها، مَنَحَت هذه الصحف، الممثِّـلة الشعبية ما تَستَحِـقُّـه من تَبجيل وإحترام على صفحاتها الأولى. وكانت غلاسير قد توفِـيت مساء يوم 14 يناير الجاري عن عمر يقارب 91 عاماً.
وحملت كل من صحيفتَـي “تاغس انتسايغر” (تصدر بالألمانية في زيورخ) و”دير بوند” (اليومية الصادرة في برن)، عنوانيْـن مُتشابهيْـن على صفحاتهما الأولى، وصفتا فيها الممثلة الراحلة بـ “المُتَمَرِّدة المَرِحة”، كما أشادت الصحيفتيْـن باستقامتها وإبتعادها عن الفن الهابِط، سواء في أدوارها التمثيلية أو خلال حياتها الشخصية.
وحسب الصحيفتيْـن: “كانت الممثلة تُشِعُّ حولها نوعاً من المَرَح اللاّذع والوِدّ غيْـر المُفتَعَل، كان شيئاً صادقاً ببساطة، وهو ما كان يُميِّـزها عن البَقية في مجال التمثيل الكوميدي الشعبي. ولم تولّـد غلاسير الإنطباع بأنَّها تقِـف بجانب نفسها، ولكنه كان الشعور – الذي يقرب من اليَـقين – بإستخدامها للطِباع الحقيقة بأسلوبٍ فنّي.
وأشارت صحيفة “تاغس أنتسايغر” أيضا، إلى أنَّ ستيفاني غلاسير، لم تُصبِـح ما كانت تريده تماماً، وكتبت مُعَلّـقة: “كان هذا قَدَرُها بالفعل منذ وقتٍ مبكّـر، أن لا تكون تماماً ما كانت تصبُـو إليه”- أن تصبح “غريتا غاربو” الثانية.
صداقة منذ عام 1958
وفي صحيفة “بليك” الشعبية الواسعة الإنتشار (تصدر بالألمانية في زيورخ)، وَدَّع المُمَثل الشعبي يورغ شنايدَر(75 عاما) ستيفاني غلاسَر، التي شاركته العديدَ من الأعمال المسرحية. وتربط شنايدَر بِغلاسير صداقة تعود إلى عام 1958. وذكر شنايدَر في مقاله، أنَّ الممثلة الراحلة كانت تَحضر إلى جميع حفلات إفتتاحٍ عروضه المسرحية، مُستخدمة سيارتها الصغيرة “ميني كوبر”، التي كانت تَتنَقل بها “كالمتوحّـشة” أحياناً. وأضاف في مقاله الوداعي: “كَمْ كُـنتِ شخصية مُفعمة بالوِد وتحملين إندفاعاً ذاتياً هائِلاً”.
العَمَّة “أليزة”
وكتبت صحيفة “نويه تسورخر تسايتونغ”، الصادرة في زيورخ باللغة الألمانية، بأنّ الممثلة الراحلة كانت قد ذكرت، وهي تَستَعيد ماضيها بمناسبة بلوغها عيد ميلادها التسعين، بنبرةٍ لا تشوبها أي عاطفة: “أعتقد أحيانا بأن الأمور كان يُمكِن أن تجري بوتيرةٍ أسرع، عندما كنت ما أزال شابّـة صغيرة”. كما قالت إنَّها كانت ستكون سعيدة بالعمل كممثلةٍ في هوليوود.
بدلاً عن ذلك، اشتهرَت ستيفاني غلاسير في سبعينيات القرن الماضي بين جمهورها، بِدور العَـمّة العجوز ذات الأفكار المجنُـونة “أليزة” مع سمكتها الذهبية “تراوغوتّي” Traugottli في البرنامج الإستعراضي الترفيهي الناجح للتلفزيون السويسري “تيليبوي” Teleboy (الذي حاز على أكبر عدد من المشاهدين السويسريين ووصل في عام 1975 إلى اجتذاب 2,073,000 مشاهد) وكان دور المرأة المُسِنّة الأنيقة الميّالة إلى الأفكار الغريبة والقليل من “الجنون”، يُسند إليها بصورة مؤكّـدة في كافة المسلسلات التلفزيونية السويسرية.
وحسب صحيفة “نويه تسورخَر تسايتونغ”، فقد إزدادت طاقة المُمثلة الراحلة غلاسير بشكْـلٍ سِـحري مع تقدُمها في السن، وهو ما انعكس عند عوْدتها لتمثيل الأفلام ولعِـبها أول دورٍ رئيسي لها (بعمر 86 عاما) في الفيلم السينمائي الناجح جداً “الإزدهار المتأخر” (Herbstzeitlosen) في عام 2006. وقد تم تكريمها مرّات عدة عن دورها في هذا الفيلم. وعند سؤال غلاسير عن عمرها، كانت توضِح بجفاف أنها تجِـد مُتعة في عملها وتقول: “التمثيل، يعني الإستمرار في الحياة”.
“التمثيل يكفي”
وحسب صحيفة “برنر تسايتونغ”، (الصادرة بالألمانية في برن)، كانت ستيفاني غلاسير قد صرَّحت بعد العرض الإفتتاحي لفيلم “الإزدهار المتأخر” في مهرجان لوكارنو السينمائي، بأنَّ الموت ليس “شيئاً سَيِّـئاً”. وحسب كلماتها، فإن السّـمكة الذهبية “تراوغوتّي”، التي رافقتها في البرنامج التلفزيوني الناجح تيليبوي “تَسبح في أنحاء السماء” منذ فترة طويلة أيضاً.
وأثناء تصوير آخر فيلم شاركت فيه، والذي حمل عنوان “قتلٌ خلف الستارة” للمخرجة والكاتبة السويسرية سابينا بوس، سألتها الصحيفة إنْ كانت تشعُـر بأنها نجمة؟ ردّت غلاسير: “أوه، أنا ممثلة وهذا يكفي”. وعلى الرغم من مُعاناتها من الآلام والتعب أثناء تصوير هذا الفيلم، إلا أنها رفَضَت بِشدّة أيَّ نوع من التدليل أو العناية الزائِدة. ونقلاً عن صحيفة “بيرنر تسايتونغ”، كانت لدى الممثلة الراحلة خطَط مُستقبلية، من ضمنها زيارة “حفرة الدبّ” (جزء من متنزّه الدِّببة، الذي يمثل مَعلما سياحياً شهيراً في مدينة برن)، بالإضافة إلى زيارة متحف الرسام السويسري بُّـول كلي.
التقدُّم في العمر بصورة إيجابية
من ناحيتها، خَلصَت صحيفة “بازلر تسايتونغ”، (الصادرة في بازل باللغة الألمانية)، إلى أنَّ ستيفاني غلاسير كانت قد تعايَشت مع فترة الشيخوخة، بإعتبارها مَرحلة إيجابية. وكما تقول الصحيفة، فقد تَوَفَّـرَت للفنانة الراحِلة كلّ الأسباب المُـؤَدِّية إلى ذلك، حيث أنَّها ركبت موجة من النجاح الكبير، بعد الفيلم السينمائي “الإزدهار المتأخر”.
ووفقاً لِنَفس الصحيفة، كانت غلاسير إحدى هؤلاء الأشخاص المُتعدّدي المواهب، مثل الممثلة السويسرية مارغريت راينر والممثلة والمغنية إينيس توريللي، اللاّتي أنتجَتهُـنَّ سويسرا الناطقة بالألمانية في القرن العشرين. وأضافت الصحيفة: “ظلَّت الشُّـهرة العالمية بعيدة عن هذه المواهب الإستثنائية، بسبب تقيِـيدهنّ بالفضاء الصغير لهذا الجُـزء من البلد من جهة، وباللهجة المَحلّية من جهة أخرى”. وكما جاء في الصحيفة، فقد رَضِـيَت غلاسير بهذا الواقع، دون أي تلميح إلى الشعور بالمرارة. ونُقِـل عن الممثلة الراحلة قولها “أنا أعمل ما أستطيع، بما أملك من وسائل في المكان الذي أتواجد فيه”.
اعتراف متأخّـر
وشاركت الصُحف السويسرية الصادرة أيام الأحد 16 يناير الجاري في تكريم ستيفاني غلاسير. وذكرت صحيفة “سونتاغس تسايتونغ” من جانبها، بأنَّ الممثلة الراحلة كانت قد وقفت أمام عَـدسة الكاميرا في المحطّـة الرئيسية للسكك الحديد في زيورخ، قبل أيامٍ قليلة من وفاتها، لِتصوير شريط قصير لمُخرجٍ قليل الشُّـهرة. وذكرَت الصحيفة، أنَّ الممثلة الراحلة، كثيراً ما كانت تُـشارك مجاناً في أفلام يقوم بإخراجها طُلاب في مجال الأفلام والسينما.
من ناحيتها، لخّـصَت صحيفة “نويه تسورخر تسايتونغ أم سونتاغ” كلماتها وكتبت: “لقد صاغت غلاسير المَشهَد المسرحي والسينمائي السويسري على مَدى عقودٍ عِدّة، بشكلٍ مُهِـم”، وأضافت: “لقد حصلََـت على الإعتراف والتقدير لمسيرتها الكبيرة في وقت متأخر”.
وُلِـدت ستيفاني غلاسير يوم 22 فبراير من عام 1920 في كانتون نوشاتيل لوالديْـن يعملان في مجال الفَندقة. وقد نشأت غلاسير في العاصمة السويسرية برن، كما ذهبت إلى المدرسة هناك.
في عام 1932، إنجذبت غلاسير إلى خشبة المسرح وإستطاعت التسجيل في مدرسة التمثيل Reinhardt Seminar، التابعة لجامعة الموسيقى والفنون التشكيلية في العاصمة النمساوية فيينا، بِمُباركة من والدَيْـها. ولم تَتَعلّـم غلاسير في هذه المدرسة التمثيل فقط، ولكنها عايشت إجتياح الزعيم النازي أدولف هتلر لمدينة فيينا أيضاً.
بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية، عملَت غلاسير في ملهى “كباريه فِـديرال” في مدينة زيورخ وشاركت في سلسلة أفلام Gotthelf-Verfilmungen، للمخرج فرانتس شنايدر. وتحولت غلاسير إلى نجمة جماهيرية محبوبة لأول مرة، في عام 1974 وحتى عام 1981 عندما ظَهَرَت في البرنامج التلفزيوني الكوميدي العائلي “Teleboy”، الذي أخرجه كورت فيليكس.
في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، عادت غلاسير للعمل في الأفلام، حيث شاركت بتمثيل كل من: “إجتماع الصف الدراسي” Klassäzämekunft في عام 1988 والفلم الكوميدي “ليو سوني بوي” Leo Sonnyboy في 1989 و”شتيرنينبيرغ” Sternenberg في عام 2004، و”إسمي أوجين” Mein Name ist Eugen من إخراج مايكل شتاينر في 2004 أيضاُ. وجاء فيلم “الإزدهار المتأخر” Die Herbstzeitlosen للمخرجة بتينا أوبرليس، كتتويج متأخِر لمسيرتها الفنّية.
في عام 2006، مُنِحَت ستيفاني غلاسير جائزة Prix Walo، وهي أهم جائزة سويسرية في مجال العروض الترفيهية وتُعتَبَر كجائزة نوبل السويسرية. وفي نفس العام، حَصَلَت غلاسير على جائزة Swiss Award في فئة الثقافة. وتُمنَح هذه الجائزة كل عام لأبرَز الشخصيات السويسرية في مجالات السياسة والثقافة والترفيه والأعمال والمجتمع. كما مُنحت الممثلة الراحلة جائزة ثالثة في العام ذاته، وهي جائزة الفهد الخاص في مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي.
وكانت غلاوسير قد صَرَّحَت في إحدى اللقاءات التي أجْـريَت معها قائلة: “بالنسبة لي، لا يعني التَقَدُّم في السِن بالضرورة الجُلوس والركون إلى الراحة. فطالما يُريد الجمهور رُؤيتي وطالما سَمَحَت لي صَحَتي بذلك، سأستمر بالعمل، لأنني أجد سعادتي في ذلك”.
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.