أفلام البحارة السويسريين تتحول إلى مادة تاريخية للعرض الفني في زيورخ

هذا المحتوى تم نشره يوم 30 مارس 2020 - 11:00 يوليو,
إدواردو سيمانتوب إدواردو سيمانتوب وكارلو بيتزاني كارلو بيزاني


مشهد من فيلم البحارة القدامى على متن سفينة MS BASILIA تم تصويره بواسطة كاميرات "سوبر8"في الستينات. ورغم الهدوء الذي يطبع العمل اليومي على متن السفينة، يمكن للبحارة أن يكونوا أيضا شهودا على لحظات تاريخية فارقة، مثل العرض العسكري خلال الثورة الثقافية في الصين، أو زيارة الإمبراطور الراحل هايلي سيلاسي لأوّل سفينة حربية روسية في ميناء ماساوا، (إريتريا حاليا). Johann Jacobs Museum

"الفضاء: المجال اللامتناهي". هذا النص الافتتاحي في مسلسل "ستار تراك" Star Trek القديم، يمكن أن يجسّد أيضاً المعاني المستوحاة من الأسطول البحري التجاري لدولة جبلية غير ساحلية مثل سويسرا: البحر، الأفق، والحرية. كما يجسّد أيضاً الخوف، الأمل، الهجرة والتجارة. من خلال معرضه "سفينة لن تأتي"، يُبحر بنا متحف جوهان جاكوبس في زيورخ على متن قصة البحرية التجارية السويسرية لاستكشاف بعض أكثر القضايا الملحّة والمعاصرة التي ترتبط بالبحر.

في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، عندما غادر إرنست كريستنغر قرية أزمووس، بالقرب من الحدود مع ليختنشتاين، كان بالكاد قد بلغ السن القانوني ليصبح بحاراً. وخلال السنوات الـ 15 التالية، استكشف الحدود النهائية للبحار على متن سفينة بازيليا، وهي واحدة من السفن الرئيسية التي تجوب العالم رافعة العلم السويسري.

وأثناء توقف السفينة في محطة هونغ كونغ، اشترى إرنست وزملاؤه عددا من كاميرات "سوبر8"  super8، وهي من الكاميرات الرخيصة جداً التي يمكن العثور عليها بسهولة هناك، وبدأوا في تصوير أعمالهم الروتينية البعيدة عن المغامرة. ولكنهم لم يتخيلوا قط أن اللقطات المأخوذة بعدساتهم ستصبح يوماً، وبعد نصف قرن، وثيقة تاريخية ذات قيمة، وأنها ستكون بمثابة منصة انطلاق للفنانين المعاصرين والعلماء والباحثين الاجتماعيين.

الملاحة التجارية، كما يخبرنا داميان كريستينغر، ابن إرنست، كانت تفوق خيال هؤلاء الشباب الذين لا يكلون ولا يهدؤون، مع انتفاء أي أمل في احتمال مغادرة الوديان التي يحلون فيها. وجد داميان بعد وفاة والده، مجموعة من المواد التذكارية من زمن الرحلات البحرية: بطاقات بريدية وصور وأفلام التقطتها عدسات كاميرات " سوبر8".

وشعر كريستينغر الابن بعاطفة وجدانية عارمة، عندما قام بتفحّص المواد التي تسلّط الضوء على حياة والده قبل أن يصبح أباً له. لكن داميان، وهو المؤتمن على هذه المواد، وجد أن إمكانيات الاستفادة منها عديدة. وبدأ، بالتعاون مع روجر بورغيل مدير متحف يوهان جاكوبس، والباحثة بيتينا شولر، في توسيع نطاق الاستفادة من هذه المواد لتطوير ما أصبح يعرف بمعرض "سفينة لن تأتي".

طريقة متحف يوهان جاكوبس

قام روجر بورغيل، المدير الفني السابق لمعرض "دوكيمانتا 12" المرموق (عام 2007) في مدينة في كاسل، ألمانيا، بتجديد ما كان آنذاك متحفاً للقهوة في زيورخ، وتحويله إلى نوع من المختبرات المخصصة لاستكشاف الطرق التجارية والقضايا العالمية من خلال تشابك الفن والعلوم والبحوث الاجتماعية. في هذا الملعب الفني والعلمي، اتخذت المواد التي ترتبط بالبحرية التجارية التي استخرجها كريستينغر مساراً مختلفاً تماماً، تجاوز العرض العاطفي الوجداني لزمن مضى منذ فترة طويلة، ليتطرّق لمجموعة من القضايا تتخطّى بكثير مجرد الروايات الوطنية السويسرية.

ومع ذلك، فإن هذه المادة الأصلية، التي تم تعزيزها من خلال عرض منظم بعناية للأعمال الفنية ومقاطع الفيديو لفنانين معاصرين مثل أدنان سوفتيك Adnan Softic والثنائي السويسري البرازيلي دياس وريدفغDias & Riedweg ، تُبرز أيضاً أهمية سويسرا كقوة تجارية في المغامرات الاستعمارية الأوروبية والغربية لأكثر من 300 عام.

لم تلعب سويسرا آنذاك، وكما نعرفها اليوم، دوراً مهماً في تجارة السلع الأساسية فقط؛ فقد كانت تجارة الرقيق في الأميركتين، على سبيل المثال، نشاطاً تشارك فيه بعض الشركات السويسرية والممولون والتجار بدون تحفّظ، ولم يقتصر الأمر على ذلك فقط؛ فعلى الرغم من الحياد السياسي، استفاد رجال الأعمال السويسريون بشكل كبير من فرص الأعمال التي أتاحتها القوى الاستعمارية في القرن التاسع عشر، وتراكم رأس المال الذي لا يزال يحافظ على دولة جبال الألب الصغيرة كواحدة من اللاعبين الرئيسيين في الاقتصاد العالمي - ومالك لأكبر أسطول بحري بين البلدان غير الساحلية.

من بحارة رومانسيين إلى مهاجرين يائسين

في طفولته، لم ير داميان كريستينغر والده يبكي إلا مرة واحدة فقط، وكان ذلك عندما وصل إلى شاطئ في اليونان لقضاء العطلة وباح له بأن البحر كان بمثابة "حبه الأبدي".

ومع ذلك، لم تكن تلك الرهبة الرومانسية لكل ما هو عظيم ورائع، هي عامل الجذب الرئيسي لملايين الأشخاص الذين يخوضون غمار المياه بحثاً عن حياة أفضل أو ملاذ آمن بعيداً عن المنازل المدمرة والدول المحطمة، أو لأولئك العمال في الساحات الضخمة في الهند وباكستان، على سبيل المثال، حيث يتم قطع السفن القديمة وتفكيك أجزائها.

 ويقلل عنوان العرض من أهمية فكرة السفينة القادمة كبشير للأمل. وبدلاً من ذلك، يعلن بورغيل أن المعرض مخصص "لرحلة بحرية غير مضمونة النتائج - وهذا لا يعني أن النتائج غير المؤكدة يجب بالضرورة أن تكون كارثية"؛ فالرحلة البحرية الآمنة تعتبر أمراً حديث العهد نسبيّاً، بعد أن تم اليوم إتقان مواجهة التحديات الطبيعية للرحلات البحرية على أكمل وجه تقريباً- إلى أن بدأت الفيروسات القاتلة غير المرئية في تحويل السفن السياحية إلى سفن أشباح.

البحر والفنون القديمة

وبالتوازي مع المعرض نفسه، يستضيف المتحف سلسلة من المناقشات العامة تسلط الضوء على القضايا المعاصرة التي تبدو بعيدة عن روتيننا اليومي كأعالي البحار.

إن خيال الإنسان هو أرض خصبة لابتكار جميع أنواع وحوش البحر، كما أن أعالي البحار، كانت وما تزال مصدر إلهام للكنايات والاستعارات المجازية في التعبير عن الرهبة والخوف. وتخبرنا تصميمات رسم الخرائط قصصاً واقعية، مخفية في رسومات بيانية ورموز.

وفي التصوير الفني، وفقاً لهانا بادر، كبيرة الباحثين في معهد تاريخ الفن في مدينة فلورنسا (إيطاليا)، فإن الحجم الهائل للبحر مقابل عدم وضوح الرؤية البشرية وانعدام الأمل، يعتبر ثابتاً يتكرر في العديد من الأعمال الفنية التي تستكشف محنة المهاجرين المعاصرين، على سبيل المثال.

ويعكس المصور والمخرج الإيطالي أرمين لينك الملل والتعاطي الرتيب في القضايا الخطيرة، التي تواجه المحامين والمشرّعين، مثل قضية وضع مدونة قانونية دولية للبحار، وقضية ما إذا كان البحر نفسه - وأي كيان آخر غير بشري - يستحق التمثيل القانوني أم لا، أو تلك المسائل القانونية والبيئية والاقتصادية المتعلقة بالتعدين في أعماق البحار.

 لسوء الحظ، تم إلغاء المعرض والمناقشات العامة التي كانت مقرّرة حتى إشعار آخر، بسبب حالة الطوارئ المتعلقة بفايروس كورونا. لكن متحف يوهان جاكوبس قد يمدد العرض إلى ما بعد تاريخ الإغلاق المخطط له في شهر مايو 2020، فتابعوا أخبار المتحف .

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة