اختفاء وثائق سرية من الأرشيف السويسري

ينص القانون، وإن ضَعُفَ التطبيق أحيانا، على أن: تلتزم الإدارة الفيدرالية بتسليم الوثائق، بعد الفراغ منها، إلى الأرشيف الفيدرالي. Keystone / Yoshiko Kusano

أعادت فضيحة اختفاء ملف من الأرشيف السويسري، المحفوظ في مستودع للجيش، ثم ظهوره لاحقا، التأكيد على أهمية الشفافية في إدارة أرشيف دولة ديمقراطية كسويسرا، لاسيما وأنها ليست المرة الأولى.

هذا المحتوى تم نشره يوم 20 مارس 2020 - 11:00 يوليو,
أندريا طونينا أندريا طونينا

وقع الحادث قبل بضعة أشهر، لكن لم تكشف عنه صحيفة "نيو زيورخر تسايتونغ" إلا يوم الأحد الماضي على إثر عثور أجهزة المخابرات السويسرية، داخل أحد الأقبية التابعة للجيش، على مستندات تتعلق بأنشطة شركة "كريبتو آ جي Crypto AG"، وذلك في إطار تحقيق انطلق من داخل الحكومة الفيدرالية بسبب معلومات صحفية أثارت الشكوك حول الشركة.

"تسريب الشيفرات" باختصار

ذكرت صحيفة واشنطن بوست، والتلفزيون الحكومي السويسري، وهيئة الإذاعة الألمانية، أن شركة "كريبتو Crypto"، المتخصصة في مجال تشفير الاتصالات، ومقرها كانتون تسوغ في وسط سويسرا وتمت تصفيتها في عام 2018، قامت ببيع أجهزة لتشفير الاتصالات لإيران والهند وباكستان ودول أمريكا الجنوبية واليابان وعشرات الدول الأخرى، وصممتها بحيث يمكن لوكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي إيه CIA) وجهاز المخابرات الألمانية (بي إن دي BND) فك رموزها.

ووفقًا للتقارير الإعلامية، تؤكد المستندات أنه تمّ اخطار وزير الدفاع السابق كاسبار فيليغر بعمليات التجسس من جانب أجهزة المخابرات الأمريكية والألمانية، وأنه دحضها على الفور، لكن اكتشاف المستندات، بغض النظر عن محتواها، أثار العديد من الأسئلة، منها: سبب وجودها في المستودع الذي كان عبارة عن ملجأ نووي عسكري؟ ومَن أودعها؟ ولماذا لم تودع في الأرشيف الفيدرالي، كما هو القانون؟

بعد وقت قصير من إعلان التلفزيون السويسري عن فضيحة أجهزة التشفير، في الحادي عشر من شهر فبراير الماضي، تطرّق إلى الحديث بشأن الوثائق المودعة في الأرشيف الفيدرالي: ومن ذلك، ملف متعلّق بشركة "كريبتو Crypto"، تم إيداعه بشكل لا لبس فيه ولكنه اختفى ولم يعد له أثر، ثم ما لبث أن عُثر عليه، وتقول المحفوظات الفيدرالية بأن الملف المذكور كان قد استعير من قبل مكتب تابع للحكومة الفيدرالية وأعيد في عام 2014، لكنه وُضع خطأ ومن دون قصد في غير مكانه، وهو على كل حال غير متاح للجمهور.

محتويات خارجية

الوثائق المفقودة

تذكرنا هاتان الحالتان بحالات أخرى من سوء إدارة ملفات ووثائق الأرشيف الفدرالي التي حدثت في الماضي القريب، ففي عام 2018، على سبيل المثال، أبلغت لجنة الرقابة  في البرلمان الفدرالي، المعنية بمراقبة أداء الحكومة، عن اختفاء الوثائق المتعلقة بالعلاقات بين جهاز المخابرات العسكرية (P-26) وغيره من الهياكل المماثلة في الخارج، ولم يتم العثور على الوثائق مطلقا.

وفي الوقت نفسه، تبيّن بأن مواد أخرى من الأرشيف تتعلق بأنشطة جهاز المخابرات العسكرية قد عُهد بها إلى إحدى الجمعيات المقرّبة من الجهاز وجرى الاحتفاظ بها في متحف أقيم داخل المستودع، الذي كان سابقا ملجأ عسكريا، وهو غير متاح للجمهور.

وفي بداية القرن العشرين، كشف تحقيق إداري أن أجهزة المخابرات السويسرية، في فترة رئاسة بيتر ريغلي، قامت بإتلاف الكثير من وثائق الأرشيف، وفي السنوات التالية، وضع البرلمان قضية أرشفة وثائق ومستندات وملفات أجهزة المخابرات ضمن دائرة اهتمامه.

قانون الأرشفة الفدرالي

منذ عام 1988، جرى العمل في سويسرا بقانون الأرشفة الفدرالي، الذي ينظم أرشفة الوثائق الخاصة بالحكومة والبرلمان والمؤسسات الفدرالية، وكيفية الوصول إلى مقتنيات الأرشيف.

وبموجب هذا القانون، تلتزم الهيئات الحكومية بإحالة جميع الوثائق، التي لم تعُد تستخدّمها، إلى الأرشيف الفيدرالي في برن، على أن تقوم بتسليم الملف المعني في غضون عشر سنوات من تاريخ إضافة آخر مستنداته.

تحظى المستندات بمدة 30 عامًا كحظر عمومي لا يُسمح للعامة بالولوج إليها، ويمكن مدّها لغاية 50 عاما للمستندات المتضمّنة لبيانات شخصية حساسة تقتضي حماية من نوع خاص، كما يجوز للحكومة الفيدرالية، تمديد حجب بعض المحفوظات عن العامة أكثر من ذلك لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة أو بمصلحة خاصة (ولكن ليس لأجل غير محدود).

End of insertion

تعزيز حقوق الباحثين

لكن، هل تواجه سويسرا مشكلة عامة في الأرشفة؟ لا، تقول المؤرخة ساشا زالا، رئيسة الهيئة السويسرية للتاريخ، ومع ذلك، توجد مشاكل معيّنة، حيث: "ظهر من خلال التجربة أن بعض أجهزة الدولة، المعنيّة بالأمن، كالجيش والنيابة العامة والمخابرات، كثيرا ما تسوّغ لنفسها تجاهل قانون الأرشفة"، على حد قول زالا.

ولذلك، دعت الهيئة السويسرية للتاريخ، من خلال المناقشات التي تلت قضية وثائق P-26، إلى منح المحفوظات الفدرالية صلاحيات أكبر وإلى تعزيز حقوق الباحثين: "يجب أن تحظى المحفوظات الفدرالية بصلاحيات كتلك التي للمكتب الفدرالي لتدقيق الحسابات، وأن يمكنه القيام بأعمال رقابة"، قالت المؤرخة، وأضافت: "ويجب أيضا إنشاء هيئة توفيق، لحماية حقوق الباحثين حين يتعلّق الأمر بطلبات مطالعة الأرشيف".

من خصوصية الدولة إلى خصوصية الأفراد

وأعربت زالا، عن اعتبار مشكلة الإهمال أكبر من مشكلات تعمّد سرقة الوثائق بغية اطلاع العامة على محتواها، وأشارت إلى أن: "الأرشفة في مؤسسات وأجهزة الحكومة مهملة بشكل عام، ولا تتوفر على موارد مالية"، ثم إن: "هذا هو الحال فيما يخص أرشفة المستندات الورقية، ولا يمكنني تصور كيف سيكون الحال بالنسبة المستندات الرقمية."

هناك جانب آخر يطرح صعوبات متزايدة، يخص الأشخاص الذين يقصدون الأرشيف لأغراض بحثية، وهو أن: "مفهوم الحماية، وخاصة حماية البيانات الشخصية، اتخذ اليوم بعدا هائلا، فبينما كان في خصوصية الدولة هي التي تقف حائلا أمام حرية الوصول إلى وثائق الأرشيف، أصبحت اليوم خصوصية الأفراد تشكّل سببًا إضافيا متزايدًا".

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة