الفدرالية السويسرية في أوقات الأزمات ـ تاريخ يتأرجح بين التنازع والوئام

ولّى زمن البطولات الرياضية التي يحضرها حفنة من مشجعي كرة القدم المنتقين بعناية: فبداية من شهر أكتوبر سوف يُسمح مجدداً بإقامة تجمعات كبرى يحضرها أكثر من ألف شخص. ويترقب هواة الرياضة، ورواد الحفلات الموسيقية، وزوار المعارض وغيرهم ابتهاجاً. إلا أن الكانتونات الملقى على عاتقها حماية الجماهير من فيروس كورونا، ليست سعيدة بذلك. Peter Schneider/Keystone

في خضم أزمة كورونا، أساءت الحكومة الفدرالية في سويسرا مراراً وتكراراً للكانتونات. وكان السبب في الخسائر التي منيت بها السياسة الداخلية والتي نجمت عن هذه الاحتكاكات هو النظام الفدرالي. وفيما يلي محاولة لتشريح مكونات هذه الظاهرة المعقدة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 25 سبتمبر 2020 - 11:00 يوليو,

"بساط مرقع"، "حجر عثرة"، "اختبار تحمل"، "أعطاب"، أو بالأحرى "فوضى"، و"نغمة نشاذ": كانت هذه هي بعض المصطحات التي وردت في التعليقات الصحفية على تلك الخلافات.

لقد كانت أزمة كورونا بمثابة عدسة مكبرة، أظهرت جميع الجوانب الجيدة والسيئة بوضوح شديد. وينطبق هذا على النظام الفدرالي أيضاً.

السيدة سوماروغا كأحد الداعمين

يعتبر النظام الفدرالي في مجمله نعمة كبرى، وهذا منذ نشأة سويسرا. ومن بين أكبر داعمي النظام الفدرالي في سويسرا... رئيسة الكنفدرالية السيدة سيمونيتا سوماروغا. فلقد أطلقت عليه في إحدى المرات اسم "شأن القلب"، الذي يحقق التقارب ويرسي الهوية.

ولكن في الوضع الراهن، فإن تقسيم السلطة الديمقراطي التقليدي أصبح يظهر جوانبه السيئة بصورة لا لبس فيها.

وحيث أن السيدة سوماروغا رأت أن الكيل قد طفح: لذلك دعت ممثلي الستة وعشرين كانتوناً هذا الأسبوع لقمة طارئة في برن. وكانت السيدة سوماروغا تسعى بهذا الاجتماع والذي حضره كذلك وزير الداخلية آلان بيرسيه ووزير الاقتصاد غي بارملين، لتحقيق هدفين: الطموح إلى إنهاء الجدل القائم مع الكانتونات حول فتح الباب مجدداً لإقامة تجمعات كبرى. ويعني هذا تحديداً: أنه لابد من وضع معايير موحدة، يمكن للمؤسسات داخل الكانتونات من خلالها التعاطي مع السماح بتلك المناسبات.

ومن ناحية أخرى طموح الرئيسة الفدرالية إلى تحقيق نظام فدرالي يتواكب مع الأزمات. أي آلية، يمكن من خلالها تلافي الاحتكاكات بين الحكومة الفدرالية والكانتونات في حال وقوع أزمات مستقبلية. فسويسرا تتعلم دروساً من أزمة كورونا لإصلاح نفسها.

"لم تكن قمة طارئة"

لم تسفر هذه القمة عن حلول بعينها. "لقد التقينا اليوم بالكانتونات لعقد محادثات"، على حد تصريحات السيدة سيمونيتا سوماروغا لاحقاً للصحافة. فلم يكن اللقاء بمثابة قمة طارئة. بل كان الهدف منه تحقيق تعاون جيد، ومن ثمَّ يمكن للجميع الاستفادة، وفقاً لأقوال رئيسة الكنفدرالية.

أما كريستيان راتغِب، رئيس مؤتمر الحكومات المحلية، فقد تحدث عن تحديد موقف حول التعاون بين الفدرالية والكانتونات. وقد يتبعه مباحثات أخرى.

الكثير من الاضطراب

منذ ظهور فيروس كورونا ومنذ بداية مكافحة جائحة كوفيد ـ 19 تراكمت بعض الأمور. حيث طرأت بعض المصاعب والخلافات بشأن النقاط التالية:

  • إغلاق الحدود الوطنية والشركات؛
  • نقص الأقنعة الواقية والمطهرات داخل الكنفدرالية؛ 
  • تسجيل وزارة الصحة لحالات الإصابة الجديدة والوفيات؛من صلاحيات وزارة الصحة مع الشعب بصفة عامة (مثلاً حول مدى فعالية الأقنعة الواقية، والأخبار الخاطئة حول الوفيات، وغيرها)؛
  • وضع قيود على خروج كبار السن؛
  • موعد الإغلاق التام للمصالح العامة والخاصة وإعادة فتحها.

لكن ما هو النظام الفدرالي تحديداً، والذي جعل من الحكومة والكانتونات غريمين في هذه المرحلة المتأزمة، بدلاً من تضافر جهود الطرفين؟ ففي نهاية المطاف يتعلق الأمر برمته بأفضل حماية ممكنة للشعب.

إن نظرة على جوهر النظام الفدرالي وأهدافه تلقي الضوء على العديد من الجوانب. فالنظام الفدرالي هو:

  •  
  • الآلية المثلى لتوزيع السلطة: فهو يمنح الكانتونات ثقلاً سياسياً يوزاي ثقل الحكومة المركزية؛
  • ضمان استقلال الكانتونات إلى حدٍ كبير: وهذا فيما يخص السياسة الثقافية والاقتصادية والضرائب، والتعليم، والانتخابات والاقتراعات وغيرها.
  • عامل سياسي: لقد وسعت الكانتونات في السنوات الأخيرة من تأثيرها السياسي على الساحة الفدرالية، خاصةً من خلال المؤتمرات التي تضم المدراء بالكانتونات المختلفة.
  • إحدى آليات التوازن: فهذا النظام يضمن للمؤسسات المحلية وللأقليات الثقافية واللغوية نفوذاً سياسياً. بهذا لا تتمكن الحكومة المركزية بقراراتها من "دهس" المناطق والكانتونات المختلفة.
  • غرفة لتردد أصداء التباعد والتنافر وفي ذات الوقت منصة للحوار والتفكير: إنه آلية لتلافي الصراعات.
  • نظام إنذار سياسي مبكر: فالمبادرات الشعبية على مستوى الكانتونات تظهر للحكومة المركزية في برن ما يؤرق المواطنين.
  • أداة لتحقيق التضامن: في النظام المالي السويسري تقوم الكانتونات "الثرية" والتي تتمتع بقوة اقتصادية بدعم المناطق الأضعف اقتصادياً؛
  • آلية لتحقيق الاندماج: ضمان للحفاظ على التنوع الثقافي والهوية.
  • قناة للديمقراطية المباشرة: إن المطالب التي قد لا تجد فرصة للتحقق على المستوى الوطني، قد تجد لذلك سبيلاً "من خلال الطريق الفدرالي"، أي من خلال المبادرات الشعبية داخل الكانتونات، وبهذا تتموضع على الأجندة الوطنية.
  • مجال بحثي: لقد أقيم قبل ما يزيد عن خمسين عاماً مركز الأبحاث الفدرالية بجامعة فريبورغ. وقد تأسس بفضل الكانتونات.
  • "سلعة تصديرية": كثيراً ما يقدم خبراء ومختصون سويسريون المشورة للحكومات والمؤسسات الأجنبية فيما يتعلق بالمعرفة النظرية والممارسات المثلى في مجال قيادة الدول في ظل النظام الفدرالي.
  •  

للنظام الفدرالي تكلفته

بدلاً من حل واحد، يوجد في سويسرا عادة 26 حلاً مختلفاً. وحينها يجري الحديث ـ للدعابة ـ عن "شبح الكانتونات".

فالنظام الفدرالي يلحق متباطئاً بالتغيرات الاجتماعية - مثل ما حدث فيما يخص التنقل - ويبطيء من السرعة في المجال السياسي.

كما أنه يجعل وضوح الرؤية من الصعوبة بمكان. وهذا لا ينطبق علينا فقط، نحن العاملين في مجال الإعلام.

والخلاصة هي: إن النظام الفدرالي هو بؤرة إرادية ومستمرة من التناقضات والخلافات، مما يجبر الفرقاء دوماً على تحييد مصالحهم.

المحافظ على الوحدة السياسية لسويسرا

وتجدر الإشارة هنا إلى وجود توجه واضح في هذا الشأن: حيث تنتقل المزيد من الصلاحيات بصورة مطردة من الكانتونات إلى الكنفدرالية. وهذا مرجعه إلى أن الكانتونات كثيراً ما تلقي أعباءً إضافية على عاتق الكنفدرالية، والتي تكون مرتبطة بتكاليف.

وبالعكس أيضاً، فإن من ضرورات المنطق الفدرالي أن تعترض الكانتونات، إذا ما كلفتها الكنفدرالية بمسؤوليات زائدة، تترتب عليها تكاليف إضافية.

وبرغم كل الغضب: فإنه لا يوجد أحد في سويسرا قد يفكر في إلغاء النظام الفدرالي. ذلك لأنه هو الآلية التي تحول دون أن تنمو في سويسرا غير المتجانسة ومتعددة الثقافات قوى سياسية إنفصالية، قد يكون من شأنها تمزيق البلاد.

فالفدرالية إذن ما هي إلا ذلك المشبك الكبير الذي يضمن لسويسرا وحدتها السياسية.

مشاركة