فالانتان زيلفيغر: «الدول محكوم عليها بالتعاون»

يقول السفير فالانتان زيلفيغر: «سويسرا بخير طالما كان جيرانها والعالم بخير». © Keystone / Laurent Gillieron
هذا المحتوى تم نشره يوم 20 يوليو 2020 - 11:00 يوليو,

سوف يترك السفير فالانتان زيلفيغر، رئيس البعثة السويسرية لدى الأمم المتحدة في جنيف، منصبه في نهاية يوليو ليتولى إدارة شؤون السفارة السويسرية في كينيا. كيف يرى مستقبل تعددية الأطراف المهتزة من جميع الجهات ومنصة جنيف الدولية؟

كانت المقابلات التي ينظمها السفير مع الصحافة قبل انعقاد دورات مجلس حقوق الإنسان (CDH) في السنوات الأربع الماضية تجذب عدداً متزايداً من المراسلين الموجودين في قصر الأمم، عدا عن وسائل الإعلام السويسرية. وذلك لأنه كان يعرف كيف يحدد أجواء وخطوط توتر العلاقات الدولية لوضع جدول أعمال الهيئة الرئيسية للأمم المتحدة المسؤولة عن حقوق الإنسان.

خلال السنوات الأربع التي قضيتها في جنيف ـ وهي فترة مضطربة دولياً بشكل ملحوظ ـ كيف عشت دورك كدبلوماسي سويسري؟

فالانتان زيلفيغر: مصلحة سويسرا هي أن تستمر دول العالم مع بعضها في حل المشاكل. ومبدأ تعددية الأطراف هو السبيل إلى هذا الحوار. توجد القيم الواردة في ميثاق الأمم المتحدة بشكل كامل في الدستور الفدرالي وهي جزء من أهداف سياسة سويسرا الخارجية.

بالنسبة لبلد مثل سويسرا ـ التي تبني ازدهارها على أساس مبدأ احترام القواعد المشتركة والتي لديها اقتصاد يرتكز بقوة على التصدير ـ فإنه كلما كان جيرانها والعالم بخير، تكون هي أيضاً بخير.

إنَّ التحديات الكبيرة التي يواجهها العالم لا تتوقف عند الحدود. قد يكون من البديهي قول ذلك، لكن الدول محكوم عليها بالتعاون. وبالتالي، من مصلحة سويسرا تعزيز هذا التعاون المتعدد الأطراف الذي يتم بشكل خاص في جنيف.

كيف تسير العلاقات بين جميع الجهات الفاعلة في جنيف الدولية، بما في ذلك على الصعيد الإنساني؟

هناك مجموعة من الجهات الفاعلة التي تزداد مشاركتها شيئاً فشيئاً. حيث تعمل جميعها لنفس الأهداف. فنجد بالطبع الدبلوماسيين وموظفي المنظمات الدولية، بالإضافة إلى الأكاديميين على المستوى العالمي (المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان، جامعة جنيف، المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية) والممثلين عن القطاع الخاص.

ومما يميز جنيف الدولية، هو هذه الرغبة في التعاون بين مختلف هذه القطاعات، وكذلك العادة المتزايدة في التحدث خارج نطاق الحلقات المباشرة. في نيويورك، التي كنت أعمل فيها، نجد نفس تنوع الجهات الفاعلة، إلا أنها لا تتحادث فيما بينها كما هو الحال في جنيف.

وهذا هو أحد العوامل التي ستحدد مستقبل جنيف الدولية، لأنَّ مجموعة الجهات الفاعلة هي التي ستكون قادرة على حل المشاكل التي نواجهها.

ينتقد البعض الطابع الاجتماعي الذي يحيط بهذه الحياة الدبلوماسية في جنيف. ولكن أليس هذا التواصل الاجتماعي أساسياً لتعزيز هذا الاندماج بين مختلف الجهات الفاعلة في جنيف الدولية؟

فالانتان زيلفيغر: لقد عملنا خلال أزمة فيروس كورونا المستجد دون أن تكون لدينا إمكانية الالتقاء ببعضنا في نفس المكان. كنا نتواصل عبر الهاتف أو بواسطة الفيديو. ولم تكن الظروف تسمح لنا بتبادل الأحاديث غير الرسمية، والخصوصية. وهو ما يشكل عائقاً كبيراً أمام سير عملنا الدبلوماسي بشكل جيد.

عندما تتم دعوتنا إلى حفلات استقبال، وإلى لقاءات غير رسمية، يكون ذلك دائماً لغرض مهني. وأنا أشارك في مثل هذه اللقاءات ومعي قائمة من الأسئلة والأسماء، ولأهداف محددة. وتعتبر هذه الاجتماعات في غاية الأهمية بالنسبة لمهنتي، وقد أدركت هذا الأمر مؤخراً بعد ثلاثة أشهر من الحجر الصحي.

أنت ستغادر جنيف وتذهب إلى نيروبي، كسفير لسويسرا في كينيا. ما الذي يدفعك للعودة إلى هذه العاصمة التي بدأت فيها مسيرتك الدبلوماسية؟

فالانتان زيلفيغر: لقد طرأت تغيرات كبيرة خلال السنوات الـ 25 الأخيرة عن الوقت الذي كنت فيه للمرة الأولى في نيروبي. كما اختلفت نظرتنا لأفريقيا بشكل كبير. نحن ننظر اليوم إلى هذه القارة على أنها شريك قوي ومهم ولديها طاقات هائلة. حيث يبلغ العمر الوسطي في معظم دول أفريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى حوالي 20 سنة، وهو متوسط العمر الأدنى بين جميع القارات.

في نيروبي، تحدث تطورات في غاية الأهمية في مجال التكنولوجيا الرقمية. وكينيا واحدة من الدول الرائدة في مجال التكنولوجيا المالية. أنا ذاهب هناك بنية اكتشاف أفريقيا التي نريد توطيد العلاقات معها، وإنشاء شراكات وإيجاد حلول للمشاكل معاً، مثل إدارة كوفيد ـ 19 الذي يضرب أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أقل بكثير من مناطق أخرى في العالم حتى الآن.

أنت مُراقِب مميز لسير الأحداث في العالم. منذ عدة سنوات، تتحرك أجيال الشباب في كل مكان لمكافحة العنف الموجه ضد المرأة والأضرار التي تلحق بالبيئة والعنصرية. أليس هذا الظهور المفاجئ الذي يبدو مستمراً على المدى البعيد فرصة جيدة للأمم المتحدة؟

فالانتان زيلفيغر: لا أعتقد أنَّ ذلك يُشكّل تحوّلاً بالنسبة للأمم المتحدة. بل هذا يدل على أنَّ الأمم المتحدة تركز على المواضيع الأكثر أهمية بالنسبة للإنسان، كالأمن والرفاهية الاقتصادية وحقوق الإنسان. وهذه ثلاثية القيم التي تدافع عنها الأمم المتحدة منذ إنشائها. وجميع التحركات التي أشرت إليها ـ والتي أُضيف إليها قضية العدالة الاجتماعية ـ تظهر أنَّ الأمم المتحدة تطرح الأسئلة المناسبة وتدافع عن القيم الرفيعة. في الواقع، تقوم هذه التحركات بتعزيز عمل الأمم المتحدة.

هل لاحظت أنَّ لهذه المطالب ولهذه التطلعات التي ينادي بها الشارع صدى لدى الدبلوماسيين خلال النقاشات التي تدور في أروقة الأمم المتحدة في جنيف، وبشكل خاص في مجلس حقوق الإنسان؟

هنا في جنيف يوجد المنتدى الذي تستطيع فيه دول العالم والمجتمع المدني مناقشة وتطوير الوسائل التي تسهم في حماية الإنسان.

فالانتان زيلفيغر

End of insertion

فالانتان زيلفيغر: لنأخذ على سبيل المثال مكافحة العنصرية. أجرى مجلس حقوق الإنسان جلسة نقاش عاجلة حول هذه القضية وتبنى قراراً مخصصاً له. لا تتابع الهيئات الأممية جس نبض الأحداث فحسب، وإنما تعرف أيضاً كيف تتعامل معها، وخاصة في أوقات الجائحة العالمية هذه، حيث تكون التحديات أكثر خطورة.

جميع المواضيع التي ذكرتَها هي في صميم النقاشات التي تدور في مجلس حقوق الإنسان. هنا في جنيف يوجد المنتدى الذي تستطيع فيه دول العالم والمجتمع المدني مناقشة وتطوير الوسائل التي تسهم في حماية الإنسان.

مثلاً، عندما تتناول مسألة المناخ والبيئة انطلاقاً من حقوق الإنسان، فأنت تضع الإنسان في مركز النقاش. ويتعلق الأمر بتقييم آثار ذلك على الأفراد ومعرفة كيف يمكنهم حماية أنفسهم من آثار تغيرات المناخ والبيئة، سواء على مستوى الأمن الغذائي أو الصحة أو الرفاه الاقتصادي إلخ. وبالتالي، يدور النقاش حول الطريقة التي يستطيع المواطنون اتباعها لمواجهة هذه المخاطر والتغلب عليها.

يبقى أنَّ هيئة مثل مجلس حقوق الإنسان (CDH) تتطور مع عودة أي مواجهة، حتى لو كانت عقائدية، بين الصين والولايات المتحدة. مما يعيد إلى الواجهة الخلاف القديم بين الحقوق الفردية (المدنية والسياسية) والحقوق الجماعية (الاقتصادية والاجتماعية والثقافية). أليس من شأن ذلك أن يهدد من جديد بتقويض أعمال مجلس حقوق الإنسان؟

فالانتان زيلفيغر: مجلس حقوق الإنسان هو منتدى للنقاش العالمي حول هذه المسائل. ترى سويسرا أنَّ على جميع الدول المُشارَكة في هذا النقاش. وعلينا ألا نستثني هذه الدولة أو تلك بالاستناد إلى تاريخيها وأفعالها أو انتهاكاتها لحقوق الإنسان. وإلا فإنَّ النقاشات والاجراءات المُقرّر اتخاذها ستفقد الكثير من قيمها.

إنَّ ما نناقشه هنا هو مهم بالنسبة للجميع، لأنَّ الجميع يستطيعون المُشاركة. وبناءً على ذلك، من المنطقي أن يكون لدى الدول مقاربات مختلفة جداً.

لقد أشرت إلى مقاربات مصبوغة بقيم ثقافية. هل محور الاهتمام هو الفرد أم الجماعة؟ البشرية غنية بالمقاربات المختلفة. أهم شيء هو أن تكون هذه المقاربات مُمثّلة في هذه النقاشات، دون استثناء.

وتندرج المواجهة بين الولايات المتحدة والصين في نقطة تحول نحو نظام عالمي جديد لا يزال مجهولاً. وهذا التوتر يؤثر على مجلس حقوق الإنسان، كما هو الحال في جميع المحافل العالمية. لكن، في هذه الأماكن بالتحديد، يمكن للدّولتين أن تتحادثا وتتفاهما وتتوصلا إلى حلول توافقية.

لقد تمَّ اتخاذ قرار جمعية الصحة العالمية بشأن كوفيد ـ 19 بالإجماع، ويعود الفضل بشكل خاص إلى الدبلوماسية الفعّالة للاتحاد الأوروبي. فهل هذا هو النهج الصحيح للأمم المتحدة، من وجهة نظر سويسرا؟

فالانتان زيلفيغر: بالتأكيد. أعتقد أنَّ الاتحاد الأوروبي قد لعب دوراً في غاية الأهمية. حيث نجح، في هذه المرحلة من التوتر، في تقريب موقفين مختلفين. مما سمح بتبني القرار من قبل جميع الدول الأعضاء. وهو ما يدل على أنَّ قوة الإقناع والوزن السياسي يساعدان بالفعل على تقوية النظام الأممي.

نتمنى أن يستمر الاتحاد الأوروبي في لعب هذا الدور، لأنَّ قيمه قريبة جداً من قيمنا. ومن شأن التطوير والبناء بهذه الحيوية أن يعطيا بالفعل نتائج في غاية الأهمية، بما في ذلك الدفاع عن مصالح سويسرا.

مشاركة