ما الذي يأمل جيل الشباب في تحقيقه من خلال الأمم المتحدة؟
ستتيح قمة النشطاء الشباب التي من المنتظر أن تنعقد في المقر الأوروبي الأمم المتحدة في جنيف، يوم 18 نوفمبر الجاري للمشاركين فرصة التعرّف على هذه المنظمة الدولية. ولكن، ماذا تمثل لهم هذه المنظمة التي تأسست قبل 76 عاماً؟
سيتمكن الشباب غداً من الإدلاء بآرائهم في مقر الأمم المتحدة بجنيف في إطار برنامج قمة النشطاء الشباب لعام 2021 (YAS)رابط خارجي . وعلى مدار اليوم، ستتاح الفرصة لستة من النشطاء الشباب، أتوا من مختلف أنحاء العالم، لتقديم مبادراتهم التي تلخّص أفكارهم واقتراحاتهم لمواجهة التحديات العالمية، كما سيتمكنون أيضاً من التفاعل مع صانعي التغيير من الشباب الآخرين الذين يشاركون في هذا الحدث حضوريا، أو عن بُعد من خلال تقنية الفيديو.
أصغر هؤلاء الشباب المشاركين في القمة، جيتانجالي راو، التي تبلغ من العمر 15 عاماً فقط، وهي باحثة وعالمة أمريكية ساهمت اختراعاتها في وضع آليات لاكتشاف إمكانية تلوّث مياه الشرب، والحد من إدمان المواد الأفيونية وكذلك الحد من التنمّر عبر الإنترنت. وقد جعلت هذه الإنجازات مجلّة التايم تصنّفها كأفضل “طفل لعام 2020”. أما أكبر هؤلاء الشباب فهو لوال ماين الذي يبلغ من العمر 26 عاماً، وقد ولد في جنوب السودان الذي مزقته الحرب، ونشأ في مخيم للاجئين، ويعمل اليوم على تطوير ألعاب الفيديو التي تهدف إلى تعزيز السلام.
“نحن لا نبحث عن تحقيق الكمال أو عن المواهب الفتية التي تصنع المعجزات فقط، لأن الحركة الناشطة التي نحمل لواءها تتعلّق أيضاً بامتلاك الأفكار ومحاولة تنفيذها واختبارها وتحسينها” ، كما تقول مارينا ووثولين، مديرة المنظمة غير الحكومية الإعلامية “ديف. تي في” dev.tv ومؤسسة برنامج YAS.
وعلى الرغم من أن النشطاء والناشطات الست المدعوين والمدعوات إلى جنيف لديهم/هن سيرة ذاتية مثيرة للإعجاب، إلا أن الأمر الأكثر أهمية، كما تقول ووثولين، هو أنهم يعملون على ايجاد حلول لمشاكل ملموسة يمكن أن تلهم الشباب في أماكن أخرى تبني هذه الحلول، من أجل معالجة مشاكل مماثلة. وتضيف: “إذا كانت الحلول لمشاكل ما فعّالة في كينيا، فمن الممكن أن تكون فعّالة أيضاً في آسيا أو أمريكا الجنوبية “.
وتشمل الحلول المقترحة من قِبَل النشطاء الشباب آليات من شأنها ترميم وتجديد الشعاب المرجانية، والحد من ممارسات تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، وتشجيع إعادة التدوير، ومكافحة الفقر، وتعزيز الزراعة المستدامة.
فيديو عن لويز مابولو، واحدة من صانعي التغيير الشباب الستة الذين يشاركون في قمة الناشطين والناشطات الشبان هذا العام:
المزيد
زراعة الكاكاو خدمة للمزارعين ولكوكب الأرض
الحركات الناشطة التي يقودها الشباب
شهدت السنوات الأخيرة حركات شبابية كانت في طليعة الحركات الناشطة في مختلف المجالات. فقد اشتهرت غريتا ثونبرغ بقيامها بإلهام ملايين الطلاب في جميع أنحاء العالم، لممارسة الضغوط على أصحاب القرار من القادة السياسيين عبر تغيبهم عن حضور الدروس في المدارس، ومطالبتهم باتخاذ إجراءات جديّة بشأن أزمة التغيّرات المناخية. فما الذي يفسر هذا التطور في توجّهات الشباب؟
تقول ياسمين لورنزيني، وهي من كبار الباحثين في جامعة جنيف: ” أعتقد أن ما يبرر فعلياً هذا التطوّر هو ما تلقاه جيل الشباب، ذكورا وإناثا، من التعليم والتدريب في هذا المجال؛ لقد تعلم جيل الشباب في فترة نوقشت فيها قضايا الاستدامة والأزمات البيئية والمناخية كثيراً في المدارس”.
وتوضح لورنزيني أن هذا التوفّر للمعلومات في مختلف المجالات على نطاق واسع، إضافة إلى وعي جيل الشباب المتزايد وإلمامه بالمشاكل العالمية، واقتران ذلك بتراجع طويل الأمد للثقة في المؤسسات السياسية، كل ذلك خلق أرضية خصبة لبروز شخصيات قيادية مثل غريتا ثونبرغ للنهوض ولإلهام الحركات العالمية.
وقد وجدت دراسةرابط خارجي تبحث في “أثر ظاهرة غريتا ثونبرغ” أن الأشخاص الأكثر معرفة بالناشطة السويدية الشابة وقرباً منها كانوا أكثر ميلاً للإيمان بقدرتهم على إحداث تغيير ما، وكانوا أكثر استعداداً للعمل من أجل البيئة.
وفي سويسرا، حشدت الحركات التي يقودها الشباب مشاركة الأجيال الأكبر سناً أيضاً. وتعتبر لورنزيني أن هذا الأمر يمكن أن يُعزى بجزء منه الى النشاط التاريخي للحركات البيئية في سويسرا؛ ففي السبعينيات والثمانينيات، كانت الجماعات المدافعة عن البيئة والمناهضة للطاقة النووية نشطة في البلاد، واحتلت مواقع المحطات النووية التي كان من المُزمع بناؤها في المستقبل. وتشير لورنزيني إلى إمكانية أن يكون بعض المشاركين في ذلك الوقت قد دبّت فيهم روح الإلهام من جديد للانضمام إلى الحركة الشبابية، عندما بدأ الشباب في الاحتجاج على أزمة تغير المناخ.
في هذا الصدد تقول لورنزيني: “غالباً ما نتحدث عن حركات الشباب – وهو أمر صحيح إلى حد كبير، لأن الشباب هم القائمون على تنظيم هذه الحركات، ولكنها تسميةمختزلة نسبيا إذا ما أخذنا في عين الاعتبار المشاركين من الأشخاص الآخرين الذين يخرجون إلى الشوارع ويدافعون عن هذه القضايا.”
كما ترى لورنزيني أن هناك خطراً يتمثل في أن البعض يستغل عن قصد المفاهيم الخاطئة حول دور هذه الحركات للتقليل من أهميتها والادعاء بأنها لا تعكس رأي السكان عامة.
ولكن مع تراجع الثقة في المؤسسات السياسية، ما الذي يجذب الشباب إلى منظمة الأمم المتحدة، رغم أنها لم يقترن اسمها باستمرار بالمرونة وسرعة التحرّك والعمل؟
الشباب في الأمم المتحدة
بحسب مارينا ووثولين، عندما يحصل النشطاء الشباب على فرصة في أروقة منظمة الأمم المتحدة من خلال قمة النشطاء والناشطات الشباب YAS، لعرض مقترحاتهم للحلول بشأن المسائل العالمية، فهناك أهمية وصدى ومستوى معين من التقدير يرافق هذا الحدث. وتنظم ووثولين هي وزملاؤها لقاءات للنشطاء الشباب تمكنهم من التواصل مع الخبراء في جنيف كما في أماكن أخرى، للوقوف على آرائهم وتوجيهاتهم في مختلف المجالات.
“شهدنا بالنسبة لمعظم النشطاء الذين شاركوا في مثل هذه اللقاءات، تقدّماً على مستوى تفكيرهم لما كان عليه سابقاً.” بحسب قولها.
ومن المبادرات الأخرى التي تهدف إلى إيصال أصوات وتطلعات الشباب إلى منظمة الأمم المتحدة، مجموعة نداء شباب جنيفGYCرابط خارجي التي يتخذ المشرفون والمشرفات عليها من جنيف مقرّاً لللنشاط والعمل. وقد أبصر مشروع هذه المبادرة النور في أوائل عام 2020 من قبل الطلاب والطالبات في جامعة جنيف.
“المشكلة الأساسية التي أردنا معالجتها هي عدم وجود مساحة مشتركة فعلية في الوقت الحالي، حيث يمكن لشباب العالم في إطارها التعامل مع القضايا العالمية”، كما تقول إيفا لوفيسوتو، الشريك المؤسس لمجموعة نداء شباب جنيف GYC.
في عام 2021، أطلقت المجموعة منصة رقمية حيث يمكن للشباب في جميع أنحاء العالم مشاركة آرائهم في المشاكل التي يواجهونها والحلول التي يقترحونها. وسينبثق عن محتوى المنصة ميثاق الشباب الدولي الذي يمكن أن يوفر موقعاً عالمياً للشباب في منظمة الأمم المتحدة. كما تهدف المجموعة أيضاً إلى تنظيم أول تجمع عالمي للشباب في أبريل 2022 لمناقشة ميثاقها، بغية تنقيحه وبلورته.
وتعتبر لوفيسوتو، وهي أيضاً متدربة في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA، أن الكثير من الانتقادات التي غالباً ما تطال منظمة الأمم المتحدة – مثل كونها منظمة تسيطر على أدائها، إلى حد كبير، البيروقراطية الإدارية – لا تستهدف بشكل مباشر ما تمثله منظمة الأمم المتحدة من قيَم ومبادئ – مثل تعزيز السلام العالمي – ولكن بالأحرى طرق وآليات عملها. هذه المشكلة تدخل في إطار المشاكل التي يمكن معالجتها من خلال إجراء بعض الإصلاحات، والتي تأمل مجموعة نداء شباب جنيف GYC في اقتراح الحلول لمعالجتها.
ويقول نوا راكوتوريجاونينا، الذي يدرس العلاقات الدولية وهو عضو أساسي في فريق نداء شباب جنيفGYC: “تمثل المنظمة (الأمم المتحدة) صرحاً مهماً جداً في العالم”.
تعمل حركات الشباب بشكل متزايد على بناء روابط مع المنظمات القائمة مثل منظمة الأمم المتحدة، التي تتشارك معها نفس القيم، وتقوم بالعمل على إيجاد الحلول لقضايا مماثلة، لكن الفرق الوحيد يكمن في لجوئها إلى استراتيجيات عمل وموارد مختلفة، كما تقول ووثولين. “هناك قيود مفروضة على منظمة الأمم المتحدة لا تنطبق على مجموعات الشباب، والعكس صحيح. ولهذا السبب من المهم جداً توحيد الجهود”.
يتمحور عمل الأمم المتحدة حول قضايا مختلفة منها حماية اللاجئين وحماية النظم الأيكولوجية للمحيطات، ومحاربة الفقر والقضاء على الجوع، وتعزيز الاجراءات المتعلّقة بأزمة المناخ وتحقيق المساواة بين الجنسين؛ وهي نفس القضايا التي يعمل عليها الشباب النشطاء المدعوون إلى جنيف هذا الأسبوع. إن هؤلاء الشباب يعملون جاهدين على تطوير حلول عملية ملموسة، لا شك بأنها تستحق اهتمام المجتمع الدولي ودعمه.
فيديو لمارينا ووثولين، مؤسسة قمة النشطاء الشباب:
المزيد
شخصيات من جنيف الدولية: عرض نماذج لحلول يقودها الشباب من أجل مستقبل أفضل
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.