Navigation

المعارضة الفلسطينية: الغائبة والحاضرة معا

عزّام الأحمد، أحد قيادات فتح البارزين (على اليسار) يتحدّث إلى إسماعيل هنيّة رئيس وزراء حكومة حماس بقطاع غزة سابقا خلال مؤتمر صحفي أعلنا فيه توصّل الحركتيْن إلى اتفاق ينهي الإنقسام بين غزة ورام الله وذلك في مخيم الشاطئ بقطاع غزة يوم 23 أبريل 2014. Keystone

ظل الفلسطينيون يتندّرون بعبارة أطلقها الزعيم الراحل ياسر عرفات عندما قال: "الديمقراطية الفلسطينية سكّر زيادة". ويبدو أنه سكر من نوعية طاغية، أذاب كل ما عداه، حتى غدت مفاصل هذه الديمقراطية، لاسيما المعارضة، بلا طعم ولا لون ولا رائحة، وكأنها غائبة حاضرة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 31 ديسمبر 2014 - 18:00 يوليو,
هشام عبدالله - رام الله

وهي عملية انطلقت فعليا منذ إتفاق أوسلورابط خارجي، الذي أفضى إلى قيام سلطة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأخذ معه النظام السياسي الفلسطيني إلى حالة استقطاب كبرى بين الفصيلين الرئيسين على الساحة، حركة فتح العلمانية وحركة حماس الإسلامية، وبلغت ذروتها مع الإنقسام عام 2007، الذي فصل بين الضفة وغزة، مقسِّما إياهما بين الحركتين.

وفي آخر مثال على غياب المعارضة، كانت الضجّة حول صياغة مشروع قرار تقدّمت به الرئاسة الفلسطينية مؤخرا إلى مجلس الأمن الدولي، بوضع إطار زمني لإنهاء الإحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية، دون الرجوع إلى مؤسسات القيادة الفلسطينية، لاسيما الفصائل والحركات في منظمة التحرير الفلسطينية.

وسبق الجدل حول مشروع القرار، انتقادات مماثلة لقيام الرئاسة الفلسطينية أيضا بحلّ نقابة الموظفين العموميين، وحبْس رئيسها وأعضاء مجلسها، ثم الأمر بحبس أمين عام المجلس التشريعي وإقالته من منصبه، على خلفية معارضته لقرار حلّ النقابة واعتقال مسؤوليها.

وجاءت الإجراءات الأخيرة هذه، في ظل تعثُّـر اتفاق المصالحة بين حركتي فتح وحماس، وتجدّد الاتهامات المتبادَلة بين الطرفيْن حول فشل حكومة الوفاق الوطني، التي تم تشكيلها الصيف الماضي في محاولة جديدة لإنهاء الانقسام الذي شل عمل المجلس التشريعي وحصر صُنع القرار الفلسطيني بين يديْ الرئاسة في رام الله وقيادة حماس في غزة.

وكتب وزير الثقافة السابق والأكاديمي إبراهيم أبراش معلِّقا على مسألة الخلاف حول مشروع القرار المقدّم إلى مجلس الأمن يقول: "إذا كانت غالبية فصائل منظمة التحرير رافضة أو متحفِّظة على صيغة القرار، وإذا كان لم يصدر عن حركة فتح، حسب علمي، أي موقف حول الموضوع، وفي ظنّي أن كثيرين من حركة فتح غيْر راضين عن صيغة القرار، ولكن الحرج من الرئيس يمنعهم من الإفصاح عن رأيهم علنا. وإذا كان القرار لم يتم عرضه على استفتاء شعبي، بالرغم من أنه يستحق ذلك، لأنه سيُصبح مرجعية حقوقنا السياسية ومرجعية أية مفاوضات قادمة... فمَن هي الجهة التي تتصرّف وتتلاعب بحقوقنا الوطنية؟ ولمصلحة مَن؟ وهل هناك مرجعية فلسطينية خفية فوق وأهَـم من كل المرجعيات الرسمية المعروفة؟".

وقد تحدّث أكثر من مصدر أن الرئيس محمود عباس لم يطلع القيادة الفلسطينية على فحوى المشروع، بل إن الإعلان عن القرار نشر في صُحف محلية ونشرت صيغته في موقع هيئة الأمم المتحدةرابط خارجي، قبل إطلاع غالبية ممثلي القيادة الفلسطينية عليه. وعادة ما تُـتَّخذ القرارات الأساسية في اجتماعات للجنة المركزية لحركة فتح برئاسة الرئيس محمود عباس، قبل الانتقال إلى اجتماع القيادة الفلسطينية.

أعضاء في القيادة.. ولكن

وطالما شكّلت فصائل اليسار الفلسطيني، الجبهتان الشعبية والديمقراطية، على شكل خاص، شعلة المعارضة الفلسطينية داخل منظمة التحرير، لكنه دور آخذ في الاضمحلال، ولم يعُد أكثر من مجرد إبداء رأي، بل إن وجود هذه الفصائل، يوفر للسلطة ولمنظمة التحرير، فرصة الحديث عن وجود معارضة.

ويقول الكاتب السياسي محمد ياغي في حديث لـ swissinfo.ch: "المعارضة الفلسطينية نوعان، الأول، وهي المعارضة اليسارية وقد تم تدجينها منذ إتفاق أوسلو، وهي أشبه بمجموعة دكاكين توفر لأصحابها فُرصا للحصول على بعض الإمتيازات في السلطة والمنظمة".

وأوضح ياغي: "هذه المعارضة تستفيد منها السلطة للحديث عن "ديمقراطية" داخل مؤسساتها وعن "إجماع ووحدة صفّ" داخل المنظمة في مواجهة "حماس".

وأضاف "أما النوع الثاني من المعارضة، هو التيار الإسلامي بشقَّيْـه "حماس" و"الجهاد"، ورغم إختلافهما وتبايُن وجهات نظرهما في العديد من القضايا، إلا أن أنهما يطرحان نفسهما كبديل لكل ما هو قائم. الأيديولوجيا في هذا التيار، تقتل فكرة "المعارضة" فيه، لأن قضاياه أكبر وأبعد من فلسطين".

وبحسب ياغي، فإن: "المحصلة، غياب وجود معارضة منظمة. لكن هذا لا يعني عدم وجود معارضة. المعارضة موجودة في كل نشاط يومي للفلسطينيين، سواء في سخريتهم من السلطة، أو في مواجهتهم للإحتلال، لكنها غير منظمة. نحن أشبه بالعالم العربي. سنستيقِظ يوماً على حركة إحتجاجات بلا رأس أو تنظيم". 

وفي حين خصّصت مؤسسات ودولٌ جُهدا ومالا كبيرين خلال السنوات العشرين الأخيرة منذ قيام السلطة الفلسطينية، في سبيل تعزيز ثقافة الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني وتشجيع روح المعارضة البنّاءة، فإن النتائج لا تكاد تقترب من ذلك.

وها هو مدير إحدى هذه المؤسسات، محمد أبو دياب، رئيس المُلتقى المدني، ومقرّه رام الله في الضفة الغربية، يرى في حديث لـ swissinfo.ch، أنه لا يمكن الحديث اليوم عن وجود معارضة في المجتمع الفلسطيني.

ويقول "بعد العمل نحو خمسة عشر عاما في مؤسسة الملتقى المدني، التي تعمل على تكريس الديمقراطية وحرية التعبير وخلق قيادات شابة تشارك في اتِّخاذ قرار، أستطيع القول أننا نقف اليوم عاجزين.. لا يمكن الحديث عن وجود معارضة في المجتمع الفلسطيني، لا على المستوى السياسي ولا على مستوى المؤسسات المحلية".

السياسة الفلسطينية في سطور

عبَر النظام السياسي الفلسطيني خلال العقدين الماضيين، مراحل ومنعطفات هامة، كان أبرزها قيام أول سلطة فلسطينية وطنية على الأرض الفلسطينية في التاريخ الحديث.

وبعد سنوات طويلة على تربّع منظمة التحرير الفلسطينية، تضم 11 فصيلا وحركة وطنية، على عرش القرار الفلسطيني، جاءت السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، لتضيف واقعا جديدا، ترك آثارا كبيرة على طريقة عمل المنظمة، وساهم في ذات الوقت في بروز أكبر لحركة المقاومة الإسلامية حماس، وكذلك حركة الجهاد الإسلامي.

وشهِدت مناطق السلطة الفلسطينية أول انتخابات مباشرة عام 1996 لاختيار رئيس وبرلمان في الضفة الغربية وقطاع غزة، تبتعها انتخابات ثانية إثر وفاة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وهي انتخابات تركت نتائجها أثارا كبيرة على طبيعة النظام السياسي الفلسطيني، الذي شهد انقساما بين حركتيْ فتح وحماس، التي فازت في الانتخابات التشريعية، لكنها مُنِعت من تشكيل حكومة، بسبب الحصار الدولي آنذاك.

وقد ساهم الإنقسام في تعطيل عمل المجلس التشريعي وظهور حكومتين في كلٍّ من الضفة الغربية وقطاع غزة، وتعطيل عمل مؤسسات صنع القرار وحصر ذلك بين يدي الرئاسة في رام الله وحكومة حماس في غزة.

وتعطل كذلك إجراء انتخابات بلدية في غزة، في حين انتخبت مدن وبلدات الضفة الغربية مجالس جديدة في عام 2102 بعد انقضاء نحو سبع سنوات على إجراء آخر انتخابات بلدية هناك.
وقبل قليل على العدوان الإسرائيلي على غزة في الصيف الماضي، نجحت حماس وفتح في التوصل إلى اتفاق حول تشكيل حكومة وِفاق وطني، لكن الاتفاق ما زال بانتظار التطبيق، في ظل اتهامات تعطيل متبادَلة بين الطرفين.

ومنذ بداية الانقسام في عام 2007 وانفصال غزة عن الضفة، وسِجل حقوق الإنسان وحرية التعبير في جزئي الأرض الفلسطينية، في تدهْـوُر مستمر.

End of insertion


وأضاف: "يشعر المواطنون بعد كل هذه السنوات، لاسيما بعد تجربة الربيع العربي المُحبطة، أنه لا حول لهم ولا قوة، وأنهم غير قادرين على التغيير. يشعرون باللامبالاة والملل وفقدان روح المبادرة .. وعلى الصعيد السياسي، المشكلة الأبرز كانت في الانقسام بين فتح وحماس بين غزة والضفة... شكلت حماس في البداية، نوعا من المعارضة، لكن مع الانقسام اختفى ذلك".

وقال أبو دياب: "باقي فصائل منظمة التحرير لا تقوم بأي نوع من المعارضة، ربما تبدي رأيا.. لكنها ليست معارضة. وغياب المجلس التشريعي وغياب الرقابة، ترك جميع الصلاحيات في القيادة عند الرئيس".

الاحتلال والإنقسام: المعيقان الكبيران

لكن، يبقى عنصران رئيسيان يشكِّلان العاقبة الكأداء أمام تشكيل معارضة حقيقية على الساحة الفلسطينية، وهما، حسب أراء خبراء ومسؤولين، استمرار الإحتلال الإسرائيلي والإنقسام بين فتح وحماس.
وعن ذلك، يقول عبد الكريم البرغوثي، مدير معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيترابط خارجي: "لا يمكن الحديث عن معارضة بمفهومها المتعارف عليه. هنا معارضة ملتبِسة رخْوة، مازال الفلسطينيون تحت الاحتلال، وبالتالي، فإن معارضة السلطة لا يمكن أن تمضي إلى آخر الشوط".

وأضاف البرغوثي في حديث لـ swissinfo.ch: "لا يمكن الحديث عن معارضة في ظل الإنقسام. هناك مركزان للسلطة، واحد في الضفة والآخر في غزة، والمعارضة تُمارَس في داخل كل مركز... الأحزاب والفصائل الأخرى ضعيفة وتعمل داخل منظمة التحرير... حتى يمكن أن تعود الحياة للمعارضة، يجب أن ينتهي الإنقسام أولا، وطبعا أن ينتهي الإحتلال".

وهذا ما يؤيِّده مصطفى عبد الهادي، مسؤول العلاقات العامة في حركة فتحرابط خارجي، بل أنه يذهب إلى أبعد من ذلك بالحديث عن احتكار الفصائل والحركات الفلسطينية لدورها على الساحة وحصره في الحصول على مُكتسبات خاصة.

وقال عبد الهادي لـ swissinfo.ch: "المعارضة الفلسطينية، معارضة سياسية شكلية موجَّهة للاستهلاك المحلي. ما تقوم به حركات، مثل حماس والجهاد، لا يعدو، كونه عمل إعلامي لاستغلال الوضع الحالي في إطار تحقيق مكاسب حزبية، وهذا ينطبق على الجميع، بما في ذلك حركة فتح".

اللاّفت أن معظم مَن تحدَّثت معهم swissinfo.ch بما في ذلك ممثلي حركات وطنية وإسلامية، يتفقون على أن الفصائل والحركات الفلسطينية، تلعب دورا في إعاقة ظهور معارضة حقيقية.
وعن ذلك، يقول غازي حمد، القيادي في حركة حماسرابط خارجي: "ليس هناك معارضة منظمة، لكن دخول حماس في السلطة ووجودها في النظام وفي البرلمان، أفقدها تأثيرها كمعارضة. لم تعُد هناك معارضة حقيقية".
وأضاف حمد "التأثير الأساسي، أن الحالة الهلامية هذه، لا تنتج موقِفا معارِضا قويا. السلطة تتعامل بشكل فردي أُحادي، لا حاجة لسماع صوت الآخرين". 

بارقة أمل

وفي ظل هذا التشاؤم والصورة السوداوية إزاء ظهور معارضة حقيقية فاعلة على الساحة الفلسطينية، فأن هناك مَن يعمل ويعتقِد أن الأمور تتجه إلى ما يخالف ذلك، وهذا ما يعتقده الناشط الشبابي زيد الشعيْبي، الذي كان ضِمن حركة "الحِراك الشبابي"رابط خارجي، التي انطلقت في عام 2011 بالتَّزامُن مع "ثورات الربيع العربي"، لكنها ما لبثت وأن اختفت عن المشهد الفلسطيني.

بيد أن الشعيبي ورِفاقه الذين بدأوا حركتهم بدعوات، على غرار "الشعب يريد إنهاء الإنقسام" و"نعم لوقف المفاوضات مع إسرائيل"، يؤمنون أن المعارضة موجودة، وأنهم لم يختفوا، بل تعلَّموا الدرس ولا زالوا على دأبهم وعقيدتهم، إنما في مواقع جديدة وبأساليب وأدوات مختلفة.

وقال الشعيبي في حديث لـ swissinfo.ch "في الشارع، هناك معارضة. الناس تُعارض بشكل عام، وكشباب، لدينا صوتنا ضد المفاوضات، ضد الانقسام، ضد خطاب السلطة كله، وليس فقط ضد المشروع القائم على السلطة. فالسلطة لا تمثل الأغلبية، هم غير شرعيين، لا يمثلوا جميع الفلسطينيين، لقد فقدوا الشرعية بكل مُستوياتها. الانتخابات في غزة والضفة، لا تمثل كل الشعب الفلسطيني".

ويقول الشعيبي، إن عملهم "أخذ أشكالا جديدة. بعد فترة، وجدنا أن الوضع يتطلّب إعادة تقييم، توجّهنا الآن إلى التوعية الثقافية للشباب، ضمن دوائر مختلفة، مثل دراسات ومراكز تفكير، ليس من الضروري أن نكون في الواجهة. الحراك انتهى بشكله التقليدي، ولا نؤمن أن هناك شكل واحد للتحركات. تعلّمنا من التجارب السابقة الكثير".

وخلَّص الشعيبي إلى القول "أصبحت (السلطة) مكشوفة أكثر والسلطة في غزة (حماس) عليها لَوم هي أيضا تتعمّق في الإنقسام وتتطلّع إلى تقاسم الغنائم مع السلطة في رام الله، لكن معركتنا الأولى تبقى مع الاحتلال، ونحن لسنا مهزومين ونُدرك أنه يمكن أن نكون ندا لإسرائيل". 

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة