تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الشراكة الأورو متوسطية بعد حرب العراق

عقبات كثيرة ومعقدة تقف أمام ازدهار وترسيخ الشراكة الأورو متوسطية

(Keystone)

أعلنت سوريا مشاركتها، لأول مرة منذ عدة سنوات، في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط في اليونان.

ويبحث الجانبان، في إطار ما يُسمى الشراكة الأورو متوسطية، سُبـُل إتمام مسيرة الشراكة التي بدأت عام 1995 في إطار اتفاقية برشلونة.

يتفق خبراء شؤون العلاقات الأوروبية المتوسطية على أن الخطة التي انطلقت قبل 8 أعوام في برشلونة تبدو مخيبة لآمال الكثيرين، لأن الهوة الفاصلة بين الاتحاد الأوروبي وجيرانه في جنوب شرق حوض البحر الأبيض المتوسط، ازدادت عمقا على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، ولأن أهداف الديموقراطية والسلام والاستقرار لا تزال بعيدة المنال بالنسبة لشعوب الضفة الجنوبية، بل إن الوضع ازداد تدهورا على الصعيد الأفقي، من المغرب حتى العراق، مرورا بانهيار عملية السلام والتفجيرات الإرهابية، التي تهز استقرار أكثر من بلد.

كما أن الاتحاد الأوروبي، الذي كان موحدا في نظرته تجاه مشاكل جيرانه في الجنوب، بدا اليوم عاجزا عن ردم خلافات داخلية شقت صفوف أعضائه من جراء حرب العراق وقسمتهم بين مناصر للولايات المتحدة، ومناهض يتمسك بأولويات الشرعية الدولية.

ويمثل المؤتمر الوزاري لبلدان مسيرة برشلونة فرصة لاستعراض الصعوبات الجديدة التي تواجه المنطقة، والمراجعات الضرورية لأداء الشركاء وآفاق الخطة وبدائل التعاون على مستوى إقليمي أقل اتساعا.

وتعد مشاركة كل من وزير خارجية إسرائيل، إلى جانب وزراء الخارجية للبلدان العربية المتوسطية بما فيها سوريا، التي تشارك لأول مرة منذ عدة سنوات، في اجتماع هيراكليون بجزيرة كريت اليونانية، إشارة سياسية عن تمسك دول المنطقة بخطة الشراكة رغم محدودياتها.

إلا أن المتغيرات الجيو- سياسية، التي أفرزها واقع الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق، والقبضة الشديدة التي تحيط بالمنطقة، ومخاطر الإرهاب التي دلت عليها تفجيرات الرياض والدار البيضاء، قد تدفع الأوروبيين، بشكل خاص، إلى التفكير أكثر فأكثر في أولويات الإصلاحات السياسية، ودعم قيم احترام حقوق الإنسان، والتعددية السياسية، وربط بعض بنود المعونات الاقتصادية بشروط تعزيز الحريات الأساسية. ويكاد التأثير الأوروبي ينعدم في سير الوضع السياسي لكل من شركائه في جنوب شرق الحوض المتوسطي.

تباين المبادئ والمصالح

وقد رفضت بلدان الاتحاد استخدام العقوبات، التي تقتضيها اتفاقيات الشراكة في شأن البلد الذي لا يتقيد باحترام حقوق الإنسان، لأن العقوبات تضر الفئات الاجتماعية الضعيفة. كما أن البعض من البلدان الأوروبية، وبشكل خاص فرنسا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال واليونان، ترفض استخدام وسائل الضغط السياسي ضد حكومات دول الجنوب، بل إنها تتفهم المبررات التي تقدمها بعض الحكومات العربية لسياسات القبضة الحديدية التي تسلكها ضد المعارضة السياسية وحرية الصحافة والتعبير.

وعندما يؤاخذ بعض المسؤولين الأوروبيين على بعض حكومات دول الجنوب تصرفات مشينة، بدفع من منظمات غير حكومية، فإن الرد الأوروبي عليهم يعتبر أحيانا "أن الضغط على حركة المعارضة والصحافة والحريات مؤقت في انتظار احتواء الحركات الأصولية". وازدادت ذرائع استخدام القوة مع تفجر حرب أفغانستان ثم الحرب الأمريكية على العراق.

وعلى رغم صعوبات المرحلة الجارية، فإنها لا تخلو من أهمية فكرية سياسية، ويكتسب النقاش بعض جوانب الإثارة، بحكم اختلاف أطراف الحوار الذي لم يجر بعد. فالولايات المتحدة تبدو مقتنعة بضرورة تغيير الأوضاع السياسية في العديد من البلدان العربية، لكنها تبدو مترددة من ناحية أخرى بشأن عواقب الديموقراطية في منطقة الشرق الأوسط على المصالح الأمريكية فيها.

وتذكر بعض التسريبات الأمريكية أن الديموقراطية والانتخابات التعددية قد تفرز أنظمة مناوئة لمصالح الولايات المتحدة، لأن الرأي العام العربي سيحكم عليها من زاوية النزاع العربي الإسرائيلي، والتحالف الاستراتيجي الوثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي المقابل، وعلى رغم مظاهر لا مبالاة البلدان الأوروبية بأوضاع حقوق الإنسان في الجنوب، فإن الدوائر المختصة لا تنكر الحاجة لفتح الحوار مع دول الجنوب وتقديم النصح لها بأن الديموقراطية والإصلاح والشفافية في إدارة الشؤون العامة، تمثل شروط الاستقرار والمناعة ضد التطرف، وإذا كانت الديموقراطية رديفة لعملية التنمية، فإن ضغط تيارات الهجرة نحو الشمال سيتراجع.

أوروبا لا تملك وسائل الضغط الأمريكية

وبحكم افتقاد أوروبا الموحدة وسائل الضغط الأمريكية، وتعدد الرؤى داخل الاتحاد الأوروبي في شأن صيغ التعاطي مع دول الجنوب، فإن الخيارات المطروحة على اجتماع وزراء خارجية الاتحاد وبلدان جنوب شرق المتوسط لن تتجاوز إطار تشجيع حكومات الجنوب وحثها على التعاون من أجل تطبيق بعض المعاهدات الدولية، مثل حقوق الطفل أو حقوق المساجين.

وقد تكون المساهمة الأوروبية، على سبيل المثال، في شكل تقديم المساعدة المالية لتدريب بعض فرق حراس السجون على عدم انتهاك حقوق نزلائهم السياسيين، ويمكن أن تنسحب الملاحظة على العديد من المجالات الاجتماعية الأخرى، مثل المرأة أو الشؤون البلدية والتعاون فيما بين المنظمات غير الحكومية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تستخدم المفوضية المنهجية التي كانت تتبعها إزاء كل من البلدان المرشحة لعضوية الاتحاد، وذلك من خلال وضع "برنامج مراقبة" على الصعيد الثنائي مع كل من دول جنوب شرق المتوسط. ويعد هذا البرنامج بمثابة "خارطة" تشمل مهام الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وقد تضمن المنهجية الجديدة مرونة تُـفيد كل بلد شريك يسرع خطى إصلاحاته الداخلية.

ولإغراء دول الجنوب، فإن الاتحاد الأوروبي قد يعرض على شركائه فتح كافة مجالات الاندماج في السوق الداخلية، باستثناء أفق العضوية في الاتحاد. وسيكون بوسع دول الجنوب الانخراط في برامج الأبحاث العلمية والتربية والنقل وغيرها، إذا استجابت لشروط الإصلاح الاقتصادي والسياسي.

وسيذهب الاتحاد إلى حد اقتراح "الحريات الأربع" للسوق الداخلية الأوروبية وفتحها على دول جنوب المتوسط، أي تحرير تنقل البضائع والاستثمارات والخدمات والأشخاص، لكن بشرط إنجاز خارطة الإصلاح. فهل تستغل دول الجنوب العروض المقدمة، على الأقل لاختبار حقيقتها وجدية الجانب الأوروبي في ترسيخ مسار الشراكة وتويسعه؟

نور الدين الفريضي - بروكسل


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×