المرأة العراقية بين عهدين

تحاول العديد من الهيئات والمنظمات النسائية في العراق التحرك باستقلال عن القوى السياسية والدينية المهيمنة Keystone

في الوقت الذي يُحتفل فيه في شتى البلدان باليوم العالمي للمرأة، حاول مراسل سويس إنفو في بغداد استطلاع تقييم بعض السيدات العراقيات لما آلت إليه أوضاعهن.

هذا المحتوى تم نشره يوم 05 مارس 2004 - 09:42 يوليو,

وحينما سأل امرأة عراقية عن وضع النساء العراقيات خلال العام الماضي أجابته باقتضاب: "في أسوأ حال"!

إذا اعتبرنا أن في الأمر تجنيا أو تعميما لا ترتضيه النظرة الموضوعية إلى الأشياء، فلنا أن نُـحيل القارئ إلى تصريح السيدة هيلاري كلينتن، التي زارت العراق مؤخرا والتقت بعضا من نسائه، عن أوضاع المرأة العراقية، والذي أكّـدت فيه أن "وضع النساء العراقيات في الأعوام السابقة كان أفضل بكثير من وضعهن خلال العام الماضي".

فقد كان المتوقع أن تتمتع المرأة العراقية التي شهدت عقدين متواصلين من الحروب والحصار ومآسي فقدان الأب والأخ والزوج والولد بقدر أكبر من الحرية وممارسة الدور، كما كان متوقعا أن تحظى في ظل العهد الجديد بقدر أكبر من نيل الحقوق وعدم التمييز في الممارسة السياسية أو الاجتماعية على حد سواء.

غير أن الملاحظ، أن المرأة العراقية، فضلا عن أنها لم تتمكّـن من تحصيل مزيد من الحقوق، خسرت قدرا كبيرا مما كانت تتمتّـع به من مكاسب في ظل النظام السابق الذي كان يمنحها، لاعتبارات شتى، دورا أكبر في الحياة دون أن يعطل طاقاتها لبناء المجتمع.

وبسبب انشغال الرجل العراقي في العقدين السابقين بظروف الحروب وتحصيل لقمة العيش في ظل الحصار، فقد كان لزاما على المرأة العراقية أن تسد الفراغ وتملأ مكان أخيها الرجل في المؤسسات الحكومية والمصانع، مما خلق كادرا نسويا يتمتع بالخبرات الإدارية والمعرفية إلى جانب الكادر الذكوري، بل ربما تفوقت عليه في بعض الأحيان.

لكن ظروف أحد عشر شهرا بعد سقوط النظام السابق خلقت جوا جديدا في المجتمع العراقي لم تتمكّـن الغالبية العظمى من النساء العراقيات على التعامل معه، فضلا عن الاندماج فيه.

اعتقالات واغتيالات

ففي ظل السيطرة المفضوحة للأحزاب السياسية والدينية على المؤسسات الحكومية وتوزيعها حصصا بينها، صار لازما على المرأة العاملة أن تُـغادر موقعها إذا لم تجد نفسها منضوية في عضوية الحزب الذي يُـسيطر على المؤسسة التي تعمل فيها، أو على أقل تقدير تكون متساوقة مع توجهاته وسياساته العامة.

كما صار لزاما على الكادر النسوي الذي كان منضويا في حزب البعث العربي الاشتراكي أن يظل حبيس داره بعد أن أقعدته إجراءات اجتثاث البعث فيه، ومنعت عنه فرص العمل وربما في بعض الأحيان فرص الحياة أيضا، خاصة إذا عرفنا أن عددا لا يُـستهان به من النسوة كُـنّ ضمن تنظيمات البعث النسوية التي كانت تنتشر في كافة أنحاء البلاد.

وقد شهدت الأسابيع الأخيرة عمليات اغتيال بين صفوف النساء، وخاصة في منطقة الفرات الأوسط، حيث تم اغتيال عدد من النسوة ذات النشاط البعثي في السابق.

وقد كان نصيب المرأة العراقية وافرا في الاعتقالات، إذ بات مألوفا أن تقوم قوات الاحتلال الأمريكية بإلقاء القبض على النساء، إذا كان أحد أفراد عائلتها من المطلوبين. وقد شهدت مدن عراقية عديدة تظاهرات حاشدة لإطلاق سراح النساء المعتقلات لدى القوات الأمريكية.

وتحفل قائمة نشرتها القوات الأمريكية مؤخرا، تضم أسماء قرابة تسعة آلاف سجين عراقي لديها، بأسماء عشرات النساء، سواء من زوجات وشقيقات المسؤولين السابقين، أو العضوات في التنظيمات الحزبية أو النسائية السابقة.

إرباك .. وانعدام الأمن

وبسبب انعدام الأمن والاستقرار وشيوع الفوضى، تعرّضت النسوة العراقيات إلى حالات الخطف والسلب والاعتداء، مما خلق حالة جديدة لم يألفها المجتمع العراقي من ذي قبل، حيث انتشار الجريمة ضد النساء، الأمر الذي حَـدا بالمؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والمرأة إلى مناشدة المعنيين بتوفير الحماية للنساء العراقيات جرّاء ما يتعرّضن له من ممارسات تعرض حياتهم وأمنهن للخطر.

ومن يتجول في الشارع العراقي اليوم، يجد هذه الحقيقة ماثلة تماما. فقد بات هذا الشارع الذي كان يعجّ بالنساء يوما ما، ذُكوريا إلى حد شبه تام بسبب إحساس النساء بانعدام الأمن الذي فرض على معظم النساء أن تظللن حبيسات دورهن خشية أن يتعرضن إلى عصابات تحاول الاعتداء عليهن أو خطفهن.

وفي ذات الإطار، فإن النسوة العاملات أو الطالبات، وخاصة في المرحلتين الثانوية والجامعية، لا يمكن أن يذهبن إلى مقرات عملهن أو دراستهن بشكل فردي دون أن يشكلن مجاميع تحاول أن تحقق لهن قدرا، ولو ضئيلا، من الإحساس بالأمن، خاصة في ظل تضاؤل دور قوى الشرطة أو انشغالها بالبحث عن الإرهابيين والمطلوبين، وأعمال المداهمة التي تنفّـذها بالاشتراك مع القوات الأمريكية، فيما تلجأ بعض النسوة إلى استئجار سائق خاص لنقل فتياتها إلى المدارس أو مقرات العمل، مما أتاح فرص عمل لبعض الرجال الذين وجدوا أنفسهم فجأة، عاطلين عن العمل في العهد الجديد.

وقد خلق العهد الجديد حالة كبيرة من الإرباك على المستوى الدراسي. فقد اضطرت أسر كثيرة إلى منع فتياتهن من الذهاب إلى المدارس والجامعات، مؤقتا، بسبب إحساسهن بانعدام الأمن، الأمر الذي جعل المؤسسات الجامعية تُـعاني من قلة انتساب الطالبات إليها.

وفرضت سيطرة الأحزاب والجماعات الدينية على المؤسسات التعليمية انتشار ظاهرة الحجاب لأغراض سياسية، وليس لدوافع دينية، حيث تُـصر هذه المجموعات على فرض نظام مُـعين من اللّـباس وغطاء الرأس على الطالبات، فضلا عن إجبارهن على حضور بعض الطقوس والممارسات الدينية التي يُـصر أصحابها على إقامتها في الجامعات والكليات والمعاهد.

سجالات وانقسام مجتمعي

وعلى صعيد القوانين، فقد شهدت الأشهر الماضية ظاهرة من الحراك الفكري في المجتمع العراقي، حينما أصدر مجلس الحكم الإنتقالي العراقي قراره رقم 137 القاضي بإلغاء قانون الأحوال الشخصية المدني الذي صدر عام 1959 بتعديلاته، التي تمّ تشريعها خلال العقود التالية، والذي كان يُـعد متقدما في منح الحقوق المدنية للمرأة، وإحالة قضايا الأحوال الشخصية من زواج وطلاق ونفقة وإرث وسواها إلى قُـضاة شرعيين يتولّـون، كل حسب مذهبه الديني، الفصل في النزاعات الدائرة في هذا الشأن أو إبرام عقود الزواج والطلاق، وهو القانون الذي أثار عاصفة من النقد من قبل الأحزاب العلمانية والمنظمات النسوية غير الدينية، وشهد المجتمع بسببه حالة من الانقسام، ربما هي الأولى من نوعها خلال العقود الأخيرة التي لم تتمكّـن فيها أي شريحة اجتماعية من التعبير عن رأيها حيال قانون ما، مثلما عبرت الشرائح النسائية المختلفة حياله.

وقالت الدكتورة ميسون الدملوجي، رئيسة التجمع النسوي الديمقراطي المستقل: "إن هذا القرار لم يحظ سوى ببضعة دقائق من المناقشة في مجلس الحكم لم تكن كافية حتما ليعبّـر كل الأعضاء عن رأيهم فيه أو موقفهم منه"، فيما اعتبرته سلام سميسم من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق "قرارا طبيعيا لا يُـعبّـر إلا عن انتماء الشعب العراقي إلى الإسلام والرضا بالاحتكام إليه". واعتبرته نسوة أخريات وحركات وطنية "تكريسا للطائفية وتعميقا للانقسامات الدينية والمذهبية في المجتمع العراقي".

وبسبب الضغط الشعبي الذي تمكّـن من إيصال صوته إلى السفير بول بريمر، الحاكم الأمريكي في العراق، اضطر مجلس الحكم الإنتقالي إلى إلغاء هذا القرار، وهو ما اعتبرته النساء عموما مكسبا كبيرا ومثَّل في حينها ضربة قوية للتيار الأصولي الذي يُـحاول فرض ممارسات بعينها على المجتمع.

لكن الغريب حقا في هذا الصّـدد أن تقدم السيدة رجاء الخزاعي، عضوة المجلس والمرشحة لعضويته من قبل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق الذي أصدر هذا القرار أثناء تولي زعيمه الرئاسة الدورية في مجلس الحكم، أن تقدم بنفسها مشروع إلغائه، مما يعني حصول انشقاق كبير داخل مجلس الحكم، وهو الانشقاق الذي بدا واضحا، ليس من خلال عدد المصوتين لصالح القرار أو أولئك المؤيدين لإلغائه، وإنما من الطريقة التي تعاملت معها المجموعة الشيعية داخل مجلس الحكم، حينما انسحبت من اجتماعاته معلنة رفضها إلغاء القرار.

جمعيات ونشاطات ومكتسبات

أما على صعيد العمل النسوي المهني، فقد كان العام الماضي عاما حسنا خلافا لكل الصورة السلبية التي قدمناها أعلاه. فقد تمكّـنت النساء العراقيات، لأول مرة خلال العقود الأربعة الأخيرة، من إنشاء عدد كبير من المنظمات والجمعيات النسائية.

صحيح جدا أن معظم تلك الجمعيات والمنظمات النسوية ليست إلا واجهات مهنية وشعبية لتنظيمات وأحزاب سياسية، إلا أن الأشهر الأخيرة كسرت احتكار حزب واحد أو مجموعة واحدة للعمل النسائي الذي كان سائدا في السابق، وسمحت أيضا بنشوء جمعيات نسوية مستقلة، مثل جمعية المعرفة للمرأة العراقية، التي تُـصر على استقلاليتها ورفض تسييسها أو كسبها من قبل أي حزب سياسي.

وقد حرصت الجمعيات النسائية المستقلة أن تتجه إلى مفردات ميدانية لخدمة المرأة العاملة أو خدمة ربة المنزل أو الطالبة بعيدا عن الدخول في المهاترات السياسية والشعارات الحزبية. ومن هنا، نلاحظ اهتمام تلك الجمعيات بإقامة مشاريع صغيرة للنفع العام، وتنظيم دورات تعليمية وتطويرية للنساء لاكتساب مزيد من المهارات في ميادين معرفية ضرورية بالنسبة لهن.

وثمّـة ظاهرة جديدة على صعيد العمل المهني النسوي في المجتمع العراقي. فقد لجأت بعض المساجد إلى تنظيم دورات تعليمية للنساء في أحيائهن السكنية، ومع أن بعضا من مفردات مناهج تلك الدورات كانت ذات طابع ديني، إلا أن البعض الآخر منها كان يهتم بتنمية المهارات الفردية للنسوة، وإكسابهن مزيدا من المعارف، سواء في حقول التدبير المنزلي أو في إتقان بعض برامج الكومبيوتر، وهو منحى جديد يربط بين رسالة المسجد الدينية ودوره الحياتي والاجتماعي. لكن الذي يجب أن يُـشار إليه في هذا المجال أن بعضا من هذه الممارسات تكتسب طابعا سياسيا، فيما تخلو أنشطة أخرى من هذا الغرض.

فقد حققت النساء العراقيات مكسبا كبيرا لهن، إذ حدد قانون ادارة الدولة في المرحلة الانتقالية نسبة لا تقل عن 25% من المقاعد في المؤسسات التشريعية والشعبية للنساء العراقيات.

ورغم أن مشاركة النساء العراقيات في العمل السياسي ليست جديدة، حيث كانت 30 امرأة ممثلة في المجلس الوطني (البرلمان)، فضلا عن تمثيلهن في كافة المؤسسات والمنظمات المهنية القائمة في العهد السابق، إلا أن نصا يكتسب صفة دستورية لم يصدر بشأن مشاركة النساء في الحياة السياسية والمهنية بهذه الصراحة والدقة من ذي قبل.

في انتظار المستقبل

وبرغم كل ما سبق، فقد يكون ظالما بعض الشيء عقد مقارنة لأوضاع النساء العراقيات بين عهدين، دام الأول 35 عاما، فيما لم يدم الثاني سوى 11 شهرا كانت دامية وموحشة، وتُـعبّـر عن انتقال المجتمع من طور إلى آخر.

وأيا يكن الحال، فقد كان وضع النساء العراقيات صعبا خلال الأشهر الماضية وهن يلحظن دورة التاريخ تتحرك بعنف، ويشاهدن تبدل المفاهيم والقيم، ويعشن عصر التحولات الكبيرة والعميقة، إلا أن المستقبل يمكن أن يكون واعدا بخير أكبر في ظل إصرار البعض على النظر إلى نصف الكأس الملآن على عكس البعض الآخر الدي لا يرى إلا النصف الفارغ من الكوب.

لكن الآمال العريضة باستعادة العراقيات للمبادرة في وطنهن لن تحصل بالطبع إلا في ظل مجتمع يحظى كل أفراده بفرص متساوية وعادلة، ويتمتع أبناؤه بقدر معقول من الأمن والطمأنينة، وهو ما ينشده كل العراقيين، رجالا ونساء، على حد سواء.

مصطفى كامل - بغداد

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة