تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

المعادلة الدولية للمسألة العراقية

(Keystone)

ما برح قطار الحرب الأمريكي مندفعا نحو المحطة العراقية، بيد أن قائده اضطر إلى تخفيف السرعة، بعد أن ظهرت معوقات على الطريق.

لكن الرئيس الأمريكي يظل مصمما أكثر من أي وقت مضى على استهداف النظام العراقي دون اعتبار لكل أصناف المعارضة للحرب.

كان البيان الثلاثي الفرنسي الألماني الروسي الذي أيدته الصين، إنذارا بقيام محور جديد يؤدي إلى تصدع الكتلة الغربية وانشقاق مجلس الأمن الدولي وحصر الولايات المتحدة في زاوية ضيقة لا مخرج منها إلا بعمل انفرادي، عواقبه وخيمة على النظام العالمي وعلى الثوابت الاستراتيجية في العلاقات بين واشنطن وحلفائها.

وجاءت المظاهرات المناوئة للحرب، لتؤكد الرفض القاطع لهيمنة قطب واحد على العالم ودفعه إلى أتون حرب طاحنة هدفها الأساسي البترول.

كما أن المشاركين في المسيرات الحاشدة أرادوا إبلاغ حكوماتهم رسالة مفادها أن الحكومات في البلدان الديموقراطية يمكن أن تتهاوى كأوراق الخريف إذا أرادت أن تقف في وجه أعاصير الرأي العام.

ولذا، فإن القمة الأخيرة للاتحاد الأوروبي التي انعقدت في بروكسل كرّست موقفا مُـوحّـدا يقترب من وجهة النظر الفرنسية الألمانية في مطالبته بتمديد عمل المفتشين، ويُقر بالدور المركزي للأمم المتحدة ويعتبر أن أوان الحرب لم يحن بعد. فالقوة هي الملاذ الأخير وليست الخيار الآني كما يريد الصقور الأمريكيون الذين كانوا يحظون بدعم مطلق من بريطانيا التي شعرت أخيرا بضرورة الانحناء أمام عاصفة اسمها الرأي العام.

وقبل قمة بروكسل، كان وزراء الخارجية العرب قد صاغوا موقفا مناوئا للحرب ورافضا للتعاون مع واشنطن في ضرب العراق. ورغم تحفظ الكويت على البيان الختامي للاجتماع والمخالفة الفعلية لنصوصه من قبل عدة دول تستضيف فعلا قوات أمريكية، فإن الموقف العربي، رغم تناقضاته، يمثل إشارة أخرى لا يمكن لواشنطن أن تتجاهلها،وساهمت التنازلات العراقية المتوالية في إسقاط أوراق كانت الولايات المتحدة تستخدمها كذرائع لشن الحرب.

مشكلة جورج بوش

وغدا تأكيد هانس بليكس ومحمد البرادعي على تعاون العراق مع المفتشين وتفنيدهم الضمني لبراهين كان قدمها وزير الخارجية الأمريكي كولن باول، خلفية دفعت البيت الأبيض إلى مراجعة حساباته والنظر في تحقيق أهدافه من دون شن حرب باهظة التكاليف ماليا وسياسيا، ومجهولة النتائج والعواقب بشريا وميدانيا واستراتيجيا.

لكن مشكلة الرئيس جورج بوش أنه تسلّق الشجرة ولا يعرف كيف ينزل منها. لذا، فإنه بحاجة إلى من يضع له سلما يضمن له هبوطا آمنا. والسلم يتمثل في تحقيق الأغراض المعلنة والمبيتة، ولو جزئيا. فبخلاف ذلك، سينتظره مصير شبيه بمصير والده الذي خسر الانتخابات الرئيسية، رغم انتصاره في حرب الخليج الثانية.

والعودة من حملة الحرب الحالية بخفي حنين، تؤدي إلى زعزعة هيبة الولايات المتحدة، وربما تعرض مصالحها إلى صدمات جديدة في كوريا وإيران ومناطق أخرى، وهذا ما تُدركه الأطراف الأوروبية، إذ أن ما قيل عن خطة فرنسية ألمانية يوحي بأن باريس وبون تعملان من أجل صيغة تكفل تسوية تحت خيمة الأمم المتحدة وتضمن إلى حد ما مصالح الولايات المتحدة.

مصير صدام حسين؟

وتحدثت معلومات، لم تؤكد رسميا، عن وجود خطة تدعو إلى إرسال قوات مشتركة من الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وألمانيا ودول شرق أوسطية إلى العراق لتأمين إنجاز المفتشين عملهم والتأكد من تصفية أسلحة الدمار الشامل.

والوجود الدولي يمكن أن يكون غطاء لعملية إعادة تركيب السلطة في العراق وتشكيل حكومة ائتلافية تضم عناصر من حزب البعث الحاكم وتُـطـعَّـم بشخصيات من الأحزاب والقوى المعارضة، خاصة الشيعية والكردية.

وتتولى هذه الحكومة تحضير انتخابات ديموقراطية وإعداد دستور جديد في ظل حرية الصحافة والتنظيم الحزبي والنقابي. ولاشك أن هذا الحل يعني في الواقع نهاية حكم الحزب الواحد الذي دام 35 عاما، إلا أنه يضمن عملية تحول سلمية نسبيا.

والمشكلة الأكبر في هذا السياق، تتمثل في مصير الرئيس العراقي صدام حسين، إذ ما زال المحللون يستبعدون موافقته على التنحي والإقامة في بلد آخر. وتؤكد مصادر مطلعة أن اتصالات مكتفة تجري بين قوى معارضة لم تشارك في مؤتمر لندن وممثلين عن السلطة العراقية لترتيب حل قد يكفل بقاء صدام حسين رئيسا بلا صلاحيات فعلية لحين انتهاء المرحلة الانتقالية.

والى جانب نزع أسلحة العراق وإجراء تعديلات في قيادته، قد يتضمن المشروع المقترح بنودا لم تعلن، من بينها ضمان حصة للولايات المتحدة في نفط العراق، وموافقة بغداد على ترتيبات إقليمية ضمنها إنهاء الحرب مع إسرائيل. وبذلك، تحصل واشنطن على مكاسب مهمة من دون أن تخوض حربا قد تغدو خاسرة في حصيلتها النهائية.

وتكفل التسوية المقترحة استمرارية هياكل من النظام العراقي وتفادي نزاعات أو حتى حروب أهلية، وتضمن للمعارضة العودة إلى البلد للمشاركة الفعلية في السلطة. والأهم من ذلك، أن الشعب سيحصل على حق حُرم منه على امتداد عقود طويلة، وهو الحق في أن يحيى من دون خوف أو مطاردة، ويتمتع بحق الانتخاب وإبداء الرأي.

ورغم أن الوجود الدولي سيكون نوعا من الانتداب المهين، إلا أنه يبقى أهون من شر الاحتلال الأجنبي والاضطهاد المحلي. والوجود المذكور آئل إلى نهاية حتمية بعد الفترة الانتقالية.

والصيغة المقترحة، يمكن أن تقي البلدان الإقليمية مخاطر حرب يتسع نطاقها ليشمل دول الجوار، كما أنها، أي الصيغة، تكفل بقاء النظام الدولي، وبهذا المعنى تلبي مطالب الأوروبيين والصينيين والروس، وتضمن مشاركة الأطراف في مشاريع لإعادة إعمار العراق والانتفاع من ثرواته النفطية.

بيد آن هذا المشروع يمكن أن يظل حبرا على ورق، إذا رفضت واشنطن أن ترفع إصبعها عن الزناد أو في حال أصر الرئيس العراقي على التشبث بسراب الحكم السرمدي.

جلال الماشطة - موسكو


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×