صناعة السينما السويسرية تُعاني من تداعيات الأزمة الصحية

يراقب المخرج السينمائي نيكيتا ميرليني الكاميرا أثناء تصوير الفيلم الذي سيمُكّنه من الحصول على دبلوم التخرج.. Sabine Cattaneo

تَجَمُع لأكبر أسماء السينما العالمية، حشود وطواقم كبيرة، والعديد من اللقطات الحميمة. في العادة، لا تخضع صناعة الأفلام لإجراءات التباعد الاجتماعي، ما يعني تعطيل فيروس كورونا المُستَجد لهذه الصناعة في جميع أنحاء العالم. في المقالة التالية، تسلط swissinfo.ch الضوء على الطريقة التي يتعامل بها المخرجون السويسريون وهذا القطاع المهم مع الوضع القائم.

هذا المحتوى تم نشره يوم 07 أكتوبر 2020 - 11:00 يوليو,

كان روميد فيدَر يعمل كمخرجٍ في إنتاج مُشتَرَك بين سويسرا ولوكسمبورغ عندما أعلنت الحكومة السويسرية في منتصف مارس 2020 دخول البلاد في "وضع الحالة الإستثنائية"، وفَرَضَت حظراً على جميع المناسبات الخاصة والعامة، مما أدى عملياً إلى تعليق الرحلات الجوية الدولية. "لم نكن نعرف ما الذي سيحدث. كان علينا اتخاذ قرار. لقد أوقفنا كل شيء وأجلّناه إلى أواخر الصيف"، كما قال.

تم استخدام الشقة الواقعة في لكسمبورغ كموقع للفيلم الروائي "تاريخ مؤقت". Christina Schaffner

ينتمي ممثلو وطاقم عمل الفيلم الروائي Une histoire provisoire (أو "حكاية مؤقتة") إلى سويسرا ولوكسمبورغ على حدٍ سواء. وكما أخبرنا فيدَر، كان موقع التصوير الداخلي الرئيسي يَقع في لوكسمبورغ، وكان طاقم العمل قد انتهى للتو من تركيب ديكور اللقطات الداخلية، حيث كان من المُفترض أن يبدأ التصوير بعد أسبوع. "كان بوسعنا الاحتفاظ بهذه الشقة حتى بداية سبتمبر فقط، لذا كان لا بُدَّ لنا من العودة [إلى لوكسمبورغ] قبل ذلك".

صناعة مُعَلَّقة

ليست هذه سوى واحدة من الأعمال السينمائية التي اضطُرَّت إلى التوقف خلال فترة الوَباء. ولَم يشكّل هذا الانقطاع عِبئاً على الميزانيات فحَسب، لكنّه عرَّض الوظائف والإنتاج الابداعي  للعاملين في هذه الصناعة الإبتكارية للخطر أيضاً.

في ظِل الظروف الطبيعية، تُخَصِص هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية، الشركة الأم لـ swissinfo.ch، مبلغ 32,2 مليون فرنك سويسري (35,7 مليون دولار) سنوياً لصناعة السينما في البلاد. لكنها، وفي ظل الظروف القائمة، اضطرت إلى تأجيل أو تعليق إنتاج العديد من المسلسلات التلفزيونية والأفلام الوثائقية والأعمال المُشتركة. ومع إغلاق قاعات العرض السينمائي لإبوابها، أعادَت شركات الإنتاج جَدوَلة العروض الأولى لأفلامها.

كما حدث مع العديد من التظاهرات المُماثلة، تم إلغاء مهرجان لوكارنو السينمائي بشكله التقليدي بسبب تفشي جائحة كوفيد - 19. من جانبهم، قرر منظمو المهرجان تقديم فئة جديدة من الجوائز، حيث تنافس عشرون مشروعاً (فيلماً) تم تعليقها بسبب الفيروس - عشرة منها سويسرية وعشرة دولية - في قسم "أفلام ما بعد الغد". وقد حصلت المشاريع الخمسة الفائزة على جوائز مالية تتراوح قيمتها بين 30,000 و 100,000 فرنك سويسري، لمساعدة الطواقم العاملة فيها على إكمالها.

تضخم غير متوقع في الميزانيات

لم يتسبب تفكيك وخَزْن الديكورات فَحَسب بإضافة تكاليف إلى فواتير المُخرج فيدَر، ولكن أيضاً تأجير المُعدات لفترة أطول، والرواتب التي كان يتعيّن عليه دفعها خلال فترات التوقف غير المتوقعة، وعملية التصوير التي استغرقت فترة أطول.

ولم تكن إضافة أيام إلى الجدول هي السبب الوحيد للزيادة غير المُخطط لها في الميزانية. فوفقاً للإرشادات الصادرة عن جمعية المنتجين السويسريين، يتعين على شركات الإنتاج تجهيز مواقع التصوير بمرافق للاغتسال، ومواد التعقيم، وأدوات الحماية الشخصية وتوفير طاقم تنظيف إضافي. كما اضطر العاملون في الفيلم السفر في مجموعات أصغر أو بشكل فردي.

"كان علينا إعادة تنظيم حركة الأشخاص في مواقع التصوير للحِفاظ على مسافة الأمان اللازمة، والإمتِثال للارشادات المُتعلقة بالحَد الأقصى المَسموح به لعدد الأشخاص المُتواجدين في نفس الغرفة"، كما يوضح فايدَر، مُضيفاً أن مثل هذه الإجراءات الاحترازية "يمكن أن تَضيف حوالي ساعة إلى روتين العمل اليومي العادي".

علاوة على ما سَبَق، توصي الإرشادات أيضاً بِتَعيين مسؤولٍ عن الصحة يَكفَل اتباع القواعد المُتعلقة بالوقاية. ووفقاً للمبادئ التوجيهية "يجب أن يكون هذا الشخص حاضراً في جميع الأوقات، وأن لا يكون مُقيّداً بواجبات أخرى".

هذا يعني غالباً ضرورة تعيين شخص إضافي في غضون مهلة قصيرة، وهو ليس بالأمر السهل بالنسبة لميزانيات الإنتاج المحدودة. وكما تقول إلينا تاتّي، وهي منتجة في شركة الإنتاج السويسرية Box Productions: "الوضع الأمثل هنا هو البَحث عن مدير مسرح إضافي لديه بعض المعرفة الطبية الأساسية". وقد اضطرت هذه الشركة أيضاً إلى تأجيل تصوير فيلمها التالي من منتصف يوليو إلى بداية شهر سبتمبر.

المضي قُدُماً بِحَذَر

من ناحية أخرى، تمكن البعض من متابعة تصوير أعمالهم رغم حالة انعدام اليقين، مع مُراعاة التقيد بالاحتياطات اللازمة، مثل المخرجة السويسرية لورا كيهر، التي تقوم حالياً بتصوير فيلم Becoming Giulia. وكما أوضحت المخرجة والكاتبة ومصممة الرقصات، فقد إلتزم الجميع بارتداء الكمامات والقفازات الطبية خلال الأسابيع الحَرجة الأولى للوباء.

"أنا أعِدُ فيلماً وثائقياً، وهذا يجعل الوضع  مُختلفا بعض الشيء. الممثلون هنا جزءٌ من أسرة حقيقية. إنهم يعيشون في نفس المنزل، وليست هناك حاجة للالتزام بالاجراءات الصارمة للتباعد الاجتماعي بينهم". كما تقول. "لحسن الحظ، كان أبطال الفيلم في يعيشون في الطابق الأرضي. وهكذا تمكن طاقمنا من مواصلة العمل في البداية، حيث أخذوا مواقعهم بالخارج في الحديقة، ووضعوا المصدح بالقرب من النافذة"، كما تستذكر.

لكن هل تعني هذه القيود عدم وجود أي أفلام تعرض اتصالاً وثيقاً بين الممثلين؟ "يجب أن يكون هناك مثل هذا الاتصال"، يجيب المنتج والمخرج السويسري ألبيرتو ميروني. "الأمر متروك لنا لفهم كيفية القيام بذلك بذكاء وفطنة". وقد قام ميروني أثناء الوباء بتصوير إعلانين تلفزيونيين فقط، وكان لهذه التجربة أثرها في قراره بتأجيل التصوير في مشاريع أخرى.

ألبرتو ميروني يلتقط صورة شخصية له في موقع تصوير إعلان تلفزيوني في كانتون تيتشينو. Alberto Meroni

"في هذه الإعلانات القصيرة، لم يكن هناك سوى بضعة ممثلين، كان بعضهم من نفس الأسرة. كان الطاقم يرتدون أقنعة، كما تم التصوير في الخارج". كما يوضح ميروني. "لكن هذه الإجراءات الإحترازية ما كانت ستكون قابلة للتطبيق خلال الفيلم الروائي الذي خططنا له مثلاً، لأن أحداثه تدور في مدرسة ثانوية، حيث يتواجد العديد من الأطفال في مكان مغلق".

قد لا يكون فَرض الحَجر الصحي على الممثلين وطاقم العمل أمراً مُمكناً دائماً، ولكنه قد يكون خياراً لتجنب المَزيد من التأخير إذا سَمَح موقع التصوير بذلك. ووفقاً لـ ميروني "سوف يَتَعَيَّن على المُمثلين التَكَيّف مع الوَضع وعَزل أنفسهم قبل بدء التصوير إلى حين الحصول على لقاح".

قلق وعدم يقين

إلى جانب اللقطات الحميمة، يثير الوباء أيضاً أسئلة حول اختيار الممثلين. فكما تنص إرشادات هذه الصناعة، لا ينبغي توظيف الأشخاص الذين يُعتبرون مُعرضين للخطر وفقاً للمكتب الفدرالي للصحة العامة. ويعني هذا من ضمن أمور أخرى، استبعاد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً أو أكثر.

هذا العامل تسبب في تأخير الفيلم القادم للمخرج فيليكس تيسي الذي يحمل عنوان Aller Tage Abend (نهاية كل الأيام) إلى أجل غير مُسمّى. وقد توقف تصوير الفيلم الذي وصفه تيسي بـ"الحكاية الغريبة عن الشيخوخة" في منتصف شهر مارس، ومن المحتمل انه لن يُستأنف قبل نهاية العام.

لكن هذه ليست الشواغل الوحيدة. فقد أثر إلغاء مهرجانات الأفلام وتأجيل العروض الأولى للأفلام في جميع أنحاء العالم على ابراز هذه المشاريع، كما تثير مسألة زيادة المعروض من الأفلام عند عودة الحياة إلى طبيعتها نسبياً بعد الجائحة  قلق الكثيرين في هذه الصناعة.

بالنظر إلى عمل العديد من المهنيين لحسابهم الخاص وفي العديد من المشاريع سنوياً، أدَّت هذه التأجيلات إلى تهديد المشاريع التي كان من المقرر أن تبدأ هذا الخريف. وقد يجد المنتجون أنفسهم مُضطرين إلى التنافس لجَذب أفضل الفنيين لإنتاجاتهم.

بشكل عام، يقول المخرجون والمنتجون إن الممثلين يتعاملون مع المسؤوليات المنوطة بهم بجدية، وأنهم يثقون ببعضهم البعض. "الممثلون يعرفون ما يعنيه أن يكونوا بدون عمل؛ وهم لا يُريدون المخاطرة بذلك"، يقول روميد فيدَر. "ليس لدينا أي مصلحة في مرض شخص ما، لذا سوف نبذل قصارى جهدنا لتفادي حدوث ذلك، وما قد يتسبب به من تأخير العمل للجميع".

ومع استئناف تصوير فيلمه الروائي في لوكسمبورغ وجنيف، يُعتَبر فيدَر من المحظوظين مقارنة بالعديد من العاملين في هذه الصناعة. 

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة